منذ أن حمل رواد "أبولو " أول عينات من تربة القمر إلى الأرض في سبعينيات القرن الماضي، لم تعد تلك الحبيبات الرمادية مجرد صخور قمرية، بل أصبحت سجلا علميا نادرا لتاريخ البيئة الفضائية المحيطة بالأرض. واليوم، يشير نموذج رياضي جديد إلى أن هذا السجل قد يكون أعمق بكثير مما كان يعتقد العلماء.
عندما تنفجر النجوم الضخمة في أحداث تُعرَف باسم المستعرات العظمى، تقذف إلى الفضاء كميات هائلة من المواد، من بينها نظائر مشعة تتحرك بسرعات عالية. ويمكن لبعض هذه المواد أن تصل إلى النظام الشمسي، فتستقر على الأرض والقمر معا.
وأظهرت دراسات سابقة لنظائر مشعة في رواسب أعماق البحار على الأرض، إلى جانب عينات التربة القمرية التي جمعتها بعثات "أبولو "، إشارات إلى فترتين ارتفع فيهما نشاط المستعرات العظمى في الجوار الكوني للأرض، قبل نحو 2.3 و7.3 مليون سنة.
تتميز الأرض بوجود عوامل طبيعية تمحو تدريجيا آثار الماضي البعيد، مثل الرياح والأمطار والتعرية وحركة الصفائح التكتونية. لذلك لا تمتلك الصخور السطحية على الأرض سجلا موثوقا للنشاط النجمي القريب يمتد إلى أكثر من نحو 10 ملايين سنة.
أما القمر، فيفتقر إلى الغلاف الجوي تقريبا، ولا توجد على سطحه أمطار أو رياح، كما لا تحدث فيه حركة للصفائح التكتونية. وهذا يجعله مرشحا للاحتفاظ بآثار المستعرات العظمى التي وصلت إليه خلال 80 إلى 100 مليون سنة، وربما لفترة أطول.
لكن القمر لا يخلو تماما من التغيير، فالسطح يتعرض باستمرار لضربات النيازك والأجسام الصغيرة، من الجسيمات الدقيقة إلى الكويكبات، وهي عملية تُعرَف باسم "تقليب التربة القمرية " أو الحدائق الاصطدامية، وتؤدي إلى خلط طبقات التربة معا، بما فيها الغبار المشع القادم من انفجارات النجوم.
للتغلب على مشكلة اختلاط الطبقات، طورت عالمة الكواكب "إميلي كوستيلو " من جامعة هاواي في مانوا نموذجا رياضيا يحاكي الطريقة التي تتحرك بها المواد داخل التربة القمرية بفعل الاصطدامات.
ويوازن النموذج بين عمليات متعددة تحدث في الوقت نفسه، من ضغط التربة واستخراج المواد من الأعماق، إلى دفنها مجددا، وتأثير البيئة الفضائية، وتحلل النظائر المشعة بمرور الزمن. وبذلك يستطيع العلماء تقدير العمق الذي وصلت إليه النظائر المشعة، وربط مواقعها الحالية بالوقت الذي وصلت فيه إلى القمر.
وقالت "كوستيلو " إن من اللافت أن بقايا النجوم القديمة يمكن أن تساعد العلماء على تتبع التاريخ الواسع للمنطقة التي تضم الأرض والقمر، إذا عرفوا كيفية قراءة "غبار النجوم".
واختبر الفريق النموذج بمقارنة توقعاته مع القياسات الفعلية من رواسب الأرض وعينات "أبولو ". وتمكن النموذج من التنبؤ بصورة دقيقة بتوزيع نظير الحديد-60 في عينات التربة القمرية، إضافة إلى عناصر ثقيلة أخرى، منها البلوتونيوم-244 واليود-129 والهافنيوم-182 والكوريوم-247.
يرى الباحثون أن الاختبار الأهم للنموذج سيكون مع العينات المستقبلية التي سيجمعها رواد الفضاء من أعماق أكبر تحت سطح القمر ضمن برنامج "أرتميس " (Artemis). فكلما كانت العينة أعمق، زادت احتمالية الوصول إلى طبقات لم تتعرض للخلط بالقدر نفسه الذي تعرضت له الطبقات السطحية.
وتأمل "كوستيلو " أن تكشف هذه العينات، عند دمجها مع نموذج تقليب التربة القمرية، عن فصل مجهول من تاريخ المستعرات العظمى، وأن تساعد في إعادة بناء رحلة النظام الشمسي عبر المجرة وتأثير البيئة النجمية المحيطة به.
نشرت نتائج الدراسة في 14 أغسطس/آب في دورية "فيزيكال ريفيو ليترز " (Physical Review Letters)، لتفتح الباب أمام طريقة جديدة لقراءة القمر ليس بوصفه تابعا للأرض فحسب، بل بوصفه أرشيفا جيولوجيا هادئا يحتفظ بآثار أحداث نجمية وقعت قبل ملايين السنين.
وفي هذا تكمن قيمة العلم، فكل عينة صغيرة قد تحمل قصة كونيّة ضخمة، وكل اكتشاف جديد يثبت أن الاستكشاف لا يعني الوصول إلى أماكن بعيدة فحسب، بل تعلم كيفية قراءة الآثار التي تركها الماضي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة