منذ اكتشاف أول الكواكب خارج المجموعة الشمسية عام 1992، ظل حلم العثور على عالم يشبه الأرض أحد أكثر الأسئلة إثارة في علم الفلك.
ومع تطور تقنيات الرصد، تمكن الفلكيون من اكتشاف أكثر من 6300 كوكب نجمي حتى الآن، بينها عوالم غريبة تدور حول نجوم نابضة، وأخرى عملاقة تقترب بشدة من نجومها، وكواكب صخرية شديدة الحرارة أو شديدة البرودة.
ومع اكتشاف كواكب أصغر وأقرب في حجمها إلى الأرض، بدأ وصف بعضها بأنه "شبيه بالأرض" (Earth-like). لكن هذه العبارة، بحسب عالم الفلك وكاتب العلوم في مجلة "ساينتفك أميركان" (Scientific American) فيل بلايت، توحي بدرجة من التشابه لا تدعمها الأدلة المتاحة عادة.
أوضح مثال على خطورة هذا الوصف يوجد في جوارنا مباشرة: الزهرة. فهو قريب من الأرض في الحجم والكتلة، لكنه عالم مختلف جذريا؛ إذ تبلغ درجة الضغط على سطحه نحو 90 ضعفا للضغط الجوي عند سطح الأرض، كما أن غلافه الجوي الغني بثاني أكسيد الكربون تسبب في تأثير دفيئة هائل رفع حرارته إلى مستويات قادرة على صهر الرصاص.
لذلك، فإن وصف كوكب بأنه "بحجم الأرض" أكثر دقة بكثير من وصفه بأنه "شبيه بالأرض"، ما لم تتوافر معلومات إضافية عن غلافه الجوي وحرارته وظروف سطحه. وحتى وجود الكوكب في "المنطقة الصالحة للحياة" (Habitable Zone) حيث يمكن نظريا للماء السائل أن يوجد على السطح، لا يعني أنه صالح فعلا للحياة.
يقدم الكوكب النجمي "إل إتش إس 1140 بي".. (LHS 1140b) مثالا واضحا على المشكلة. فقد اكتشفه مشروع "مي إيرث" (MEarth) عام 2017، وهو يدور حول قزم أحمر خافت يبعد نحو 49 سنة ضوئية عن الشمس. وتزيد أبعاده على حجم الأرض بنحو 1.73، بينما تبلغ كتلته نحو 5.6 أضعاف كتلة كوكبنا، وتقترب كثافته من كثافة الأرض، مما يشير إلى احتمال تشابه تركيبهما الداخلي.
لكن الكوكب يبعد نحو 14 مليون كيلومتر فقط عن نجمه، ورغم أن مداره يقع داخل المنطقة الصالحة للحياة، فإنه قد يكون أبرد بكثير من الأرض إذا لم يمتلك غلافا جويا قويا يحبس الحرارة. كما أن جاذبيته السطحية تبلغ نحو 1.8 من جاذبية الأرض، وتصل سرعة الإفلات منه إلى نحو 20 كيلومترا في الثانية، مقارنة بنحو 11 كيلومترا في الثانية على الأرض، وهو ما قد يساعد على احتفاظه بغلاف جوي أكثر سمكا.
والأهم أن العلماء لا يعرفون حتى الآن طبيعة ذلك الغلاف الجوي أو ظروف سطح الكوكب. وقد استخدم تلسكوب جيمس ويب الفضائي التابع لناسا لرصد بصمة واضحة لغلاف جوي، في أول اكتشاف من نوعه لعالم صخري، من خلال رصد الهيليوم المتسرب إلى الفضاء.
لكن هذا الاكتشاف لا يكشف تركيب الغلاف الجوي كليا ولا يحدد ظروف السطح، في حين تشير خصائص الكوكب إلى احتمال كونه عالما مائيا تغطيه محيطات عالمية قد تكون متجمدة.
المشكلة، كما يرى بلايت، ليست في استخدام كلمة "شبيه بالأرض" باعتبارها وصفا صحفيا جذابا فحسب، بل في أن المبالغة قد تجعل الجمهور يعتقد أن العلماء وجدوا عالما صالحا للحياة قبل أن تثبت الأبحاث ذلك. وقد يؤدي ذلك لاحقا إلى خيبة أمل عندما تظهر الحقائق الأكثر تعقيدا.
والدرس الأهم أن العلم لا يحتاج إلى المبالغة كي يكون مثيرا. فكل كوكب جديد يضيف قطعة إلى الصورة الكبرى التي يحاول العلماء من خلالها فهم كيفية تشكل العوالم وتطورها، ووضع الأرض في سياق أوسع داخل المجرة. وربما يكون "إل إتش إس 1140 بي" شبيها بالأرض في بعض الجوانب، أو عالما مختلفا تماما؛ لكن قيمة العلم تكمن تحديدا في مواصلة البحث حتى نعرف الإجابة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة