تُشغّل محركات الديزل كل شيء، بدءا من شاحنات النقل والمعدات الزراعية وصولا إلى المولدات والآلات الصناعية، وهي تتميز بقوتها ومتانتها وكفاءتها في استهلاك الوقود.
ولكن يعد عادم الديزل مصدرا رئيسيا لتلوث الهواء، إذ يطلق غازات وجزيئات تضر بالإنسان وتُساهم في تفاقم المشاكل البيئية.
ولحل هذه المشكلة، توصل باحثون من جامعة أويري الفدرالية للتكنولوجيا في نيجيريا إلى ابتكار قد يساعد في معالجتها، وهي تقنية تعرف بـ"مستحلب الماء في الديزل"، تمزج قطرات ماء دقيقة في وقود الديزل، مما يقلل من الانبعاثات الضارة بقدر كبير مع الحفاظ على أداء المحرك، وتحسينه، كما توفر طريقة عملية لجعل محركات الديزل أنظف من دون الحاجة إلى عمليات إعادة تصميم مكلفة.
يقول البروفيسور تشوكويميكا فورتوناتوس نادوزي، نائب رئيس جامعة أويري الفدرالية للتكنولوجيا في نيجيريا، والمؤلف الرئيسي للدراسة، في تصريحاته الخاصة للجزيرة نت: "تُستخدم محركات الديزل على نطاق واسع في مجالات النقل، وتوليد الكهرباء، والزراعة، والبناء، والتعدين، والصناعة نظرا لمتانتها وكفاءتها".
ويضيف: "في عديد من المناطق النامية، يُعتمد على مولدات الديزل في توليد الكهرباء على نطاق واسع، مما يزيد من تفاقم أثرها البيئي، حيث ينتج عن احتراق الديزل ملوثات ضارة، تشمل أكاسيد النيتروجين، والجسيمات الدقيقة، وأول أكسيد الكربون، والهيدروكربونات غير المحترقة، وثاني أكسيد الكربون وهي تساهم في تشكل الضباب الدخاني، في حين يمكن للجسيمات الدقيقة اختراق الرئتين ومجرى الدم، مما يشكل أخطارا صحية جسيمة، إضافة إلى التأثيرات المرتبطة بتغير المناخ، لذا، تبرز أهمية تطوير حلول قادرة على خفض كلا النوعين من الملوثات في آن واحد وبطريقة فعالة من حيث التكلفة".
للوهلة الأولى، قد يبدو إضافة الماء إلى وقود الديزل أمرا غير منطقي. فالماء والوقود يعتبران عادة مزيجا غير مرغوب فيه داخل المحرك، ولكن في هذه التقنية لا يُسكب الماء في خزان الوقود، بل توزع قطرات صغيرة منه بالتساوي في جميع أنحاء الديزل باستخدام مركبات تُعرف باسم المواد الفعالة سطحيا، التي تعمل بوصفها مثبتات، فتساعد الماء على البقاء معلقا في الوقود وتمنع انفصال الخليط.
يقول تشوكويميكا: "في الوقود، تتوزع قطرات مجهرية من الماء داخل طور الديزل. وفي أثناء عملية الاحتراق، تتبخر هذه القطرات بسرعة، مما يولد انفجارات دقيقة تُفتت الوقود إلى قطرات أصغر حجما وتحسّن عملية اختلاط الهواء بالوقود، ويؤدي ذلك إلى تقليل تكون السخام عن طريق الحد من المناطق الغنية بالوقود".
ويضيف: "وفي الوقت نفسه، يعمل تبخر الماء على امتصاص الحرارة وخفض درجة حرارة الاحتراق، مما يقلل من انبعاثات أكاسيد النيتروجين، وخفض الجسيمات الدقيقة، ولكن يجب ضبط محتوى الماء بدقة لتجنب عدم استقرار الاحتراق أو زيادة انبعاثات أول أكسيد الكربون والهيدروكربونات".
أظهرت الاختبارات على هذه التقنية، نتائج مبهرة، بالمقارنة مع وقود الديزل التقليدي، حيث قللت تقنية مستحلب الماء في الديزل من انبعاثات أكسيد النيتروجين بنسبة تصل إلى 67% وانبعاثات الجسيمات بنسبة تصل إلى 68%، كما أظهرت تحسينات في الكفاءة الحرارية للمكابح، وهي مقياس لمدى فعالية تحويل المحرك لطاقة الوقود إلى طاقة ميكانيكية مفيدة، وهو ما يعني استخدام جزء أكبر من طاقة الوقود لأداء العمل بدلا من فقدانها على شكل حرارة.
وفي تصريحه للجزيرة نت، قال تشوكويميكا: "تُظهر أبحاثنا في هذه التقنية أنه يمكن أن تقلل بشكل كبير من انبعاثات أكاسيد النيتروجين والجسيمات الدقيقة عند إعدادها وتركيبها بشكل صحيح، مع الحفاظ على أداء مقبول للمحرك، غير أن الأداء يعتمد بشكل كبير على عوامل التركيب، مثل محتوى الماء، وتركيز المواد الخافضة للتوتر السطحي، والتوازن المحب للماء والزيت، وظروف الخلط، واستقرار التخزين".
ويضيف: "ولكن تجب مراعاة بعض المترتبات التي قد تحدث في المحركات منها تآكل مكوناتها، إذ يزيد وجود الماء من خطر التآكل في أنظمة الوقود ومكونات المحرك، وقد قمنا بدراسة سلوك التآكل في مواد مثل الفولاذ الطري والألومنيوم، واستكشفنا مثبطات تآكل صديقة للبيئة -بما في ذلك المستخلصات النباتية- كإستراتيجيات للحماية".
يؤكد الباحثون على ضرورة إجراء مزيد من الدراسات التي سوف تساعد الأبحاث المستقبلية في تحديد أكثر تركيبات المواد الفعالة، وتحديد كيفية تأثير الاستخدام طويل الأمد لمستحلبات الديزل المائي على مكونات المحرك بمرور الوقت.
وحول التوجهات المستقبلية لهذا الابتكار قال الدكتور تشوكويميكا: "ينبغي أن تدمج الدراسات المستقبلية بين مجالات صياغة الوقود، وأداء الاحتراق، وعلم التآكل، وهندسة المواد".
ويضيف: "وهناك حاجة إلى إجراء تقييم منهجي للمواد الخافضة للتوتر السطحي المصنعة، وتلك المشتقة حيويا لتحديد التركيبات المثلى".
ويؤكد الباحث أنه يمكن لأدوات متقدمة، مثل التصميم الإحصائي للتجارب، والنمذجة الحاسوبية، أن تساعد في تسريع هذه العملية، موضحا أن اختبارات المحركات طويلة الأمد تعد أمرا بالغ الأهمية، نظرا لأن العديد من الدراسات الحالية تقتصر على المدى القصير.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة