آخر الأخبار

استنطاق الحجر.. جدران الكهوف تحفظ الحمض النووي للبشر الأوائل

شارك

بأنفاس متلاحقة، خطا المستكشفون بحذر داخل كهف مظلم، يسمى "إيسكورال" في البرتغال، يعود إلى عشرات الآلاف من السنين، حيث تتزين جدرانه برسوم حمراء لحيوانات منقرضة وبصمات أيدي غامضة. ينظرون إلى هذه اللوحات الجدارية ويتساءلون: من كان هذا الفنان؟ كيف كان شكله؟ وهل كان يشبهنا نحن البشر المعاصرين؟

لطالما ظلت هذه الأسئلة حبيسة الجدران، لكن دراسة علمية رائدة نشرتها دورية "نيتشر كوميونيكيشنز" (Nature Communications) غيرت الوضع، بعد أن نجحت في استخلاص الحمض النووي البشري القديم مباشرة من جدران الكهوف، لتفتح بذلك نافذة بيولوجية على ماضينا السحيق.

في السابق، بحث علماء الوراثة الأثرية عن الحمض النووي العتيق في العظام المكتشفة أو في رواسب أرضيات الكهوف حيث كان يعيش البشر القدامى. ولكن هذه الدراسة الجديدة "استنطقت الحجر" بدلا من العظام!

تقول ألبا بوسومز، الباحثة في معهد ماكس بلانك للأنثروبولوجيا التطورية في لايبزيغ في ألمانيا، والباحثة الرئيسية في الدراسة في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "تمثلت فرضيتنا فيما إذا كان الحمض النووي ناتجا عن غبار الكهف أو المياه (أو الرواسب، أو أي مصدر غير مباشر آخر)، فسيحتوي على حمض نووي خاص بالحيوانات بجانب الحمض النووي البشري. وهذا ما نلاحظه في الحمض النووي المستخلص من الرواسب، على سبيل المثال".

مصدر الصورة باحثون يجمعون شظايا من جدران الكهف تحمل أصباغا كانت قد سقطت على أرضية الكهف (ألبرتو مارتينيز فيا)

أسئلة للحجر

نجح العلماء في استخلاص حمض نووي بشري قديم من قشرة كالسيت ملونة، والغريب أنها كانت خالية تماما من أي حمض نووي حيواني.

في العادة، تكون العينات البيئية المأخوذة من الكهوف عبارة عن خليط من جينات الدببة والذئاب والخفافيش التي سكنت الكهف. وغياب الجينات الحيوانية هنا يشير بقوة إلى اتصال بشري مباشر ومتعمد بالجدار، ربما أثناء عملية الرسم أو إعداد الأصباغ.

إعلان

لم يكن الحال ذاته في كهف "كوفارون" في إسبانيا، إذ عثر الباحثون على حمض نووي بشري على جدران غير ملونة، لكنه مختلط هذه المرة بجينات حيوانات برية مثل الأيائل والسنوريات.

هذا الاختلاط يشير إلى ما يسميه العلماء "ترسيبا غير مباشر"، حيث انتقلت الجينات عبر الغبار المتطاير من أرضية الكهف أو بواسطة رذاذ الماء الذي نقل المادة الوراثية من مكان إلى آخر.

لم تقتصر رحلة الباحثين على هذين الكهفين، فقد حلل الباحثون عينات جمعوها من 24 لوحة فنية صخرية تمتد عبر 11 كهفاً في إسبانيا والبرتغال. وشملت العينات أصباغ ألوان مختلفة، وقشور الكالسيت المعدنية التي نمت فوق الرسومات، بالإضافة إلى عينات من أجزاء الجدران غير الملونة للمقارنة. لكن لم تنجح إلا عينة واحدة فقط من بين الـ24 التي خضعت للفحص في الحفاظ على حمض نووي بشري قديم وأصيل.

تقول ألبا: "نظراً لأن الدراسة هي الأولى من نوعها، فمن الصعب تحديد سبب انخفاض معدل النجاح. يتمثل أحد الاحتمالات ببساطة في أن الأساليب المخبرية لم تخضع بعد للتحسين الأمثل"، فقد استفادت عملية استخلاص الحمض النووي القديم من العظام والرواسب من عقود من التحسينات المنهجية، بينما يعد العمل على الحمض النووي المستخلص من جدران الكهوف مجالا جديدا تماما. والآن بعد أن تأكد الباحثون من إمكانية تلك التقنية، يمكنهم البدء في تطوير هذه الأساليب وتحسينها.

من ناحية أخرى، قد يعكس انخفاض معدل النجاح ظروف حفظ غير مثالية لهذا النوع من المواد؛ إذ تتفاوت الكهوف بشكل كبير من حيث تكوين الجدران، وسهولة الوصول إليها، والظروف البيئية.

تضيف ألبا: "ركزت هذه الدراسة الأولية على مجموعة محددة من المواقع في شبه الجزيرة الإيبيرية ضمن إطار مشروع ‘فيرست آرت’. وبشكل عام، يحفظ الحمض النووي القديم بشكل أفضل في البيئات الباردة، كما يسهل رصده في الكهوف التي تشهد تلوثا محدودا بالحمض النووي للبشر المعاصرين (الزوار). ولهذا السبب، قد تكون عملية أخذ العينات من مواقع أكثر عزلة واعدة. كما قد تلعب عوامل أخرى دورا في ذلك، بما في ذلك الطريقة التي استُخدمت لتطبيق الصبغة الفنية".

مصدر الصورة باحثون يناقشون لوحات الفن الصخري في تيبيلين، إسبانيا (ألبرتو مارتينيز فيا)

دفتر الزيارة العتيق

قد تحول تلك الدراسة جدران الكهوف إلى دفتر زوار صخري عملاق. في كل مرة استند فيها إنسان ما قبل التاريخ إلى الجدار، أو أمسك بصخرة، أو نفخ في صبغة ملونة من فمه ممزوجة بلعابه لتجفيفها، ترك وراءه توقيعا بيولوجيا مجهريا.

ومع مرور الزمن، تسربت مياه الأمطار المحملة بالمعادن عبر شقوق الكهف لترسب طبقة رقيقة وزجاجية من معدن الكالسيت فوق هذا التوقيع الجيني، مما عمل كغلاف واق طبيعي حفظ الحمض النووي داخل كبسولة زمنية صلبة. ورغم هذا، لم يقطع الباحثون بارتباط الحمض النووي البشري بالفنان صاحب الرسومات بعد.

تشرح ألبا: "للربط بشكل قاطع بين الحمض النووي البشري القديم والعملية الفنية الإبداعية، ينبغي علينا إثبات وجود فرق كبير بين العينات التي تحتوي على صبغة وتلك الخالية منها. على سبيل المثال، لو احتوت العينات المأخوذة من اللوحات الفنية وحدها على حمض نووي بشري قديم، بينما خلت منها جميع العينات المرجعية الأخرى غير المصبوغة (مع إمكانية العثور على حمض نووي لكائنات أخرى في تلك العينات المرجعية لاستبعاد مشاكل الحفظ)، لكان بإمكاننا حينها البدء في طرح فرضية أن هذا الحمض النووي يعود للفنانين أنفسهم. ولكن هذا ليس ما وجدناه في دراستنا".

إعلان

إن استخلاص المادة الوراثية من هذه الصخور ليس بالأمر الهين، فهو يشبه البحث عن إبرة في كومة قش راكمها الزمن. واجه العلماء تحديات هائلة في تنظيف العينات وفصل الحمض النووي البشري القديم عن الملوثات الحديثة الناتجة عن لمسات السياح أو المنقبين المعاصرين.

توضح ألبا: "إذا تمكنا يوما ما من إثبات وجود رابط بين الأعمال الفنية والحمض النووي المستخلص، فسيمكننا حينها طرح تساؤلات مثل: هل كان البشر المعاصرون هم الوحيدون الذين أبدعوا هذه الفنون، أم أننا سنجد أيضا أمثلة على إبداع إنسان النياندرتال لها؟ وهل كان الرسامون إناثا أم ذكورا أم مزيجا منهما، أم أن الأمر اعتمد على عوامل أخرى؟ ومن أي مجموعة سكانية كانوا؟ وقائمة الأسئلة تطول!"

يفتح هذا الاكتشاف الباب أمام مسارات بحثية متنوعة للغاية! تختتم ألبا: "بالطبع، يتعين علينا أولا تحسين المنهجية واختبار مواقع أخرى. ولكن بمجرد أن تصل نسبة النجاح إلى مستوى عال بما يكفي – ولا سيما في الحالات التي تحافظ فيها العينات على سلامة الحمض النووي القديم – سنتمكن حينها من طرح مزيد من الأسئلة".

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار