"صحتكم لا تعتمد على فيديو متداول واستشارة الطبيب أولويّة". بهذه العبارة استهلّت وزارة الصحة التونسية بلاغاً حذّرت فيه من التوقف عن تناول الأدوية أو تعديل جرعاتها دون استشارة طبية، وذلك على خلفية الانتشار المتزايد لما يُعرف بـ"نظام الطيبات" وتداول مقاطع فيديو لمؤسسه الراحل ضياء العوضي، إلى جانب شهادات لمتابعين يؤكدون تحسن حالتهم الصحية بعد اتباعه.
"بعد ثلاثة أسابيع من اتباع نظام الطيبات، فقدت خمسة كيلوغرامات من وزني، وشعرت بتحسن في جودة النوم والتنفس، وتراجعت بقع الصدفية في أنحاء كثيرة من جسدي"، تقول منى قلعي، مخرجة أفلام قصيرة، في حديثها لـ DW عربية، واصفة تجربتها مع النظام بأنها إيجابية. كما أكدت أنها "تشعر بانزعاج وآلام كلما خالفت النظام واستجابت لرغبتها في تناول بعض الأطعمة المصنفة ضمن الممنوعات، مثل المعكرونة ".
تعاني منى منذ سنوات من الصدفية وخمول الغدة الدرقية واحتباس السوائل، إضافة إلى صعوبات في التنفس والنوم وعدم القدرة على فقدان الوزن رغم تجارب سابقة مع أنظمة غذائية مختلفة. وقد تعرفت على "نظام الطيبات" عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وأصبحت من متابعيه وعضوة في صفحة "نظام الطيبات فرع تونس" على فيسبوك، التي تضم نحو 14 ألف متابع.
منى لم تكن وحدها في اتخاذ هذه الخطوة التي يصفها الأطباء بشديدة الخطورة. فقد أعلن الدكتور ذاكر لهيذب، وهو مختص في أمراض القلب والشرايين، ويحظى بمتابعة واسعة على منصات السوشيال ميديا في تونس، عن تمكنه من إنقاذ سيدة تدهورت حالتها الصحية بمجرد اتباع النظام المثير للجدل وتوقفها عن تناول الأنسولين، الأمر الذي تسبب لها في مضاعفات خطيرة أدت إلى انسداد في شريان القلب.
السيدة التي تم إنقاذها قررت من تلقاء نفسها التوقف عن حقن الأنسولين ، عملاً بتوجيهات الطبيب المصري ضياء العوضي، مؤسس "نظام الطيبات".
ومثل الكثيرين ممن يأملون في نجاعة نظرياته، اعتقدت المريضة أن الالتزام بالنظام الغذائي للطيبات وحده سيضبط معدلات السكر وضغط الدم لديها دون الحاجة لمواصلة تناول الأدوية التي تعودت عليها. بعد فترة، استنجدت بطبيبها بعد انخفاض السكري لديها إلى مستوى 5 غرامات وشعورها بأوجاع شديدة مفاجئة في الصدر، تبين فيما بعد أنها أعراض ذبحة صدرية.
وبعد نجاحه في إنقاذها، كتب الطبيب لهيذب في تدوينته على فايسبوك: "أريد تنبيه كل المرضى وكل عائلات المرضى من خطورة ما قاله الطبيب الراحل، إنها أشياء غير علمية". وأكد أن مرضى السكري "الذين يوقفون أدويتهم بناءً على هذا النظام يُعرّضون أنفسهم لمضاعفات مميتة".
ويعود تأسيس "نظام الطيبات" إلى الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي، قبل أن ينتشر في تونس وعدد من الدول العربية. ويقوم النظام على تصنيف الأطعمة إلى "طيبات" و"خبائث"، حيث يشجع على استهلاك اللحوم والأسماك وبعض النشويات مثل الأرز والبطاطس، إلى جانب الفواكه والدهون الطبيعية، مقابل الامتناع عن أطعمة شائعة مثل الدجاج والبيض ومنتجات الحليب والبقوليات والخبز والمعجنات والأغذية المصنعة.
وكان العوضي يقدم هذا النظام باعتباره أسلوب حياة يهدف، وفق طرحه، إلى تحسين الصحة وتقليل الالتهابات واستعادة التوازن الغذائي، مع التشكيك في الحاجة إلى بعض العلاجات الدوائية. وبعد وفاته، انتشرت تسجيلاته المصورة على نطاق واسع عبر منصات التواصل الاجتماعي، وظهرت صفحات ومجموعات متخصصة في تداول محتواه ونشر تجارب متبعين للنظام في تونس ودول عربية أخرى.
يقول الطبيب ضياء العوضي في إحدى فيديوهاته المثيرة للجدل: أي دواء على وجه الأرض ممنوع وأي دواء يدخل الجسم سيدمره.. لا كونكور (دواء ضغط الدم) ولا الدينترا (علاج الذبحة الصدرية) ولا غلوكوفاج ولا أنسولين (أدوية مرض السكري).
وفي حين تعرف المراجع الطبية هذه العقاقير كعلاجات فعالة ومدروسة علمياً لإدارة هذه الأمراض المزمنة وتقليل مخاطرها مثل الجلطات والمضاعفات، يختزل العوضي الشفاء في كلمتين هما: الصيام والتزام الممنوعات.
اقتناعاً بنظريته، قررت منى القلعي، مثل المريضة التي تم إنقاذها من الذبحة الصدرية ، التوقف عن تناول أدويتها المخصصة لعلاج خمول الغدة الدرقية. وتقول لـ DW عربية: "من غير الطبيعي أن أتناول الدواء لشهور طويلة ولا أتمكن من ضبط مستوى الغدة الدرقية المتذبذبة بين الارتفاع والانخفاض. أنا غير مقتنعة تماماً بفكرة تناول الأدوية مدى الحياة للتحكم في الأمراض المزمنة".
ومع تنامي حالات قطع الأدوية دون استشارة الأطباء، دعت وزارة الصحة في بيان للرأي العام الأشخاص المصابين بأمراض مزمنة مثل السكري وارتفاع ضغط الدم وأمراض القلب والكلى والجهاز الهضمي وكذلك النساء الحوامل وكبار السن والأطفال والمرضى الخاضعين لعلاجات منتظمة، إلى عدم اعتماد أنظمة غذائية صارمة أو إيقاف أدويتهم أو تغيير جرعاتها، دون استشارة الطبيب المباشر أو أخصائي تغذية مؤهّل.
يرى الباحث في علم الاجتماع ممدوح عز الدين في حديثه لـ DW عربية أن الظاهرة لا يمكن اختزالها في الغذاء أو الطب، بل هي "تعبير عن أزمة ثقة أعمق في المؤسسات الصحية والمعرفة العلمية". ويعتبر الباحث أن الإقبال على مثل هذه الأنظمة يعكس تحولًا في علاقة الإنسان بالمعرفة الطبية، حيث تتراجع سلطة الطبيب مقابل صعود "المؤثر الصحي" والتجربة الشخصية.
فالمريض اليوم، بحسب تحليله، لم يعد يبحث فقط عن علاج، بل عن طمأنينة وإحساس بالسيطرة على جسده، وهو ما قد لا توفره التجربة الطبية التقليدية دائماً. كما ساهمت جائحة كورونا في تعميق هذا التحول، حيث تضاربت الخطابات الطبية، ما فتح المجال أمام "التجربة الشخصية" لتصبح مصدراً منافساً للعلم.
ويوضح الباحث أن " الطب الحديث ، رغم نجاعته العلمية، أصبح في نظر كثيرين طباً "بارداً" وتقنياً، يقوم على التحاليل والأجهزة والوصفات السريعة، أكثر مما يقوم على الإصغاء والعلاقة الإنسانية، وهو ما وصفه علماء اجتماع الصحة بـ"أزمة نزع الإنسانية عن الطب"، حيث يتحول المريض إلى ملف أو رقم أو حالة سريرية بينما يقدم المعالج التقليدي أو صاحب "الطيبات" علاقة أكثر دفئاً، تقوم على المحادثة المعمقة والاهتمام الشخصي، وأحياناً استحضار البعد الروحي والديني والثقافي للمريض.
بعيداً عن النقاش الاجتماعي، يثير "نظام الطيبات" جدلاً بسبب تشكيكه في الأدوية وتعارض بعض أطروحاته مع توصيات الهيئات الصحية الدولية، ما فتح نقاشاً بين المختصين حول بعض تصوراته الغذائية والصحية.
وفي حين توصي إدارة الغذاء والدواء الأمريكية ( FDA ) بألا تتجاوز السكريات المضافة 10% من السعرات الحرارية اليومية، يحذر الأطباء في تونس من تبني أنظمة غذائية صارمة أو إيقاف العلاجات الطبية دون إشراف مختصين، خاصة في بلد يعاني فيه نحو 16% من البالغين من داء السكري ، وفق بيانات الاتحاد الدولي للسكري لسنة 2024.
وفي سياق أوسع، أظهرت دراسة ميدانية نشرتها مجلة Public Health Nutrition قبل سنوات، أن 96% من طلبة "جامعة قرطاج" بحاجة إلى تحسين عاداتهم الغذائية، وهو ما يعكس هشاشة الثقافة الغذائية لدى بعض الفئات وقابليتها لتبني أنظمة بديلة.
المصدر:
DW