في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في الدراسات المناخية، كانت هناك دائما نقطتان زمنيتان أساسيتان يرتكز عليهما العلماء للتنبؤ بما سيحدث للعالم في سياق صعود درجات الحرارة المتسارع، الأولى هي منتصف القرن حول عام 2050، والثانية بحلول نهايته، عام 2100.
هذه الصور، التي يضعها العلماء لتلك الفترات، ليست نبوءة ثابتة، بل نطاقات احتمالية تتغير حسب ما يفعله البشر الآن، لكن الاتجاه العام واضح، فبحلول عام 2050 سيكون العالم أدفأ، والبحار أعلى، وموجات الحر أعنف، والكوارث المرتبطة بالماء والنار والجفاف أكثر قابلية للحدوث.
وتقدر الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ أن متوسط حرارة سطح الأرض في منتصف القرن، مقارنة بمستوى ما قبل الثورة الصناعية، قد يكون في حدود 1.6 إلى 1.7 درجة مئوية في السيناريوهات المتفائلة ذات الخفض القوي للانبعاثات، وقد يصل إلى نحو درجتين مئويتين في سيناريو متوسط، وإلى نحو 2.4 درجة مئوية في السيناريوهات العالية الانبعاثات.
هذه أرقام عالمية متوسطة، لكن في الواقع فإن اليابسة تسخن أكثر من المحيطات، والقطب الشمالي يسخن بأكثر من ضعف المعدل العالمي، وبعض المناطق الجافة وشبه الجافة قد تشعر بارتفاع أقسى بكثير من الرقم العالمي البسيط.
أحد أوضح المؤشرات على التغيرات الكبيرة في عام 2050 هو ارتفاع مستوى سطح البحر، وفق تقديرات الهيئة الدولية المعنية بتغير المناخ، قد يرتفع المتوسط العالمي لمستوى البحر بحلول عام 2050 بنحو 15 إلى 23 سنتيمترا مقارنة بالفترة بين 1995 و2014 في سيناريو الانبعاثات المنخفضة جدا، وبنحو 20 إلى 29 سنتيمترا في سيناريو الانبعاثات المرتفعة جدا، وإذا قورن ذلك بمستوى عام 1900 تقريبًا، نكون أمام ارتفاع كلي يقارب 31 إلى 45 سنتيمترا.
قد تبدو هذه الأرقام صغيرة للوهلة الأولى، لكنها كافية لتحويل فيضانات كانت نادرة إلى أحداث متكررة، خاصة عند اجتماع المد العالي مع العواصف والأمطار الشديدة وهبوط الأرض في بعض الدلتاوات والمدن الساحلية، في هذا السياق فإن الخطر الساحلي لن يتوزع بالتساوي، فأكثر المناطق حساسية هي الدلتاوات المنخفضة والمدن الساحلية المكتظة والجزر الصغيرة.
وتشير دراسات الارتفاعات الساحلية إلى أن بلدانا آسيوية مثل الصين وبنغلاديش والهند وفيتنام وإندونيسيا وتايلاند والفلبين واليابان تضم نسبة كبيرة من السكان المعرضين مستقبلًا لخطر الغمر أو الفيضانات الساحلية المتكررة.
وفي العالم العربي، تبرز دلتا النيل وسواحل الإسكندرية وبورسعيد والخليج العربي كأماكن تحتاج إلى حسابات محلية دقيقة، لأن الخطر لا يأتي من البحر وحده، بل من مزيج ارتفاع البحر، وهبوط الأرض، والتعرية، والبناء الساحلي، وقدرة البنية التحتية على التصريف والحماية.
أما موجات الحر، فهي الوجه الأكثر وضوحا لتغير المناخ في حياة الناس، حيث يوضح تقرير للهيئة الدولية المعنية بتغير المناخ أن موجات الحر التي كانت تحدث مرة كل عشر سنوات في مناخ ما قبل الصناعة أصبحت اليوم أكثر تكرارا، ومع احترار درجتين مئويتين قد تحدث نحو 5 إلى 6 مرات خلال كل عقد، لا مرة واحدة فقط.
أما الحدث الحراري النادر الذي كان يظهر مرة كل خمسين عامًا، ويتضمن موجة شديدة الحرارة بشكل استثنائي، فقد يصبح عند درجتين مئويتين أكثر تكرارًا بنحو 14 مرة تقريبًا.
وفوق ذلك، لا تزيد التكرارية وحدها، بل تزداد الشدة أيضًا، حيث يصبح الحدث نفسه أكثر سخونة بنحو درجتين إلى ثلاث درجات فوق ما كان عليه في المناخ القديم.
هذا يعني أن مدنًا كثيرة ستعيش صيفا مختلفا، فالمدن تضخم الحرارة بسبب الإسفلت والخرسانة وقلة الغطاء النباتي وما يعرف بجزيرة الحرارة الحضرية. لذلك ستكون القاهرة، وبغداد، والرياض، وكراتشي، ودلهي، ولاهور، ومدن حوض المتوسط، ومدن جنوب أوروبا، أمثلة على أماكن قد تصبح فيها موجات الحر اختبارا يوميا للصحة العامة والطاقة والعمل.
والخطر لا يتعلق فقط بدرجة الحرارة المعلنة في النشرة الجوية، بل بدرجة الحرارة الرطبة، والرطوبة، وحرارة الليل. حين لا يبرد الليل بما يكفي، يفقد الجسم فرصة التعافي، وترتفع أخطار الإجهاد الحراري، خاصة على كبار السن والعمال في الخارج ومرضى القلب والسكري.
في هذا السياق، فإن الغلاف الجوي الأدفأ يستطيع حمل بخار ماء أكثر، ولذلك تشتد الأمطار القصوى في كثير من المناطق، ومن ثم يزداد خطر الفيضانات الخاطفة والحضرية عندما تهطل كميات كبيرة من المطر خلال وقت قصير، بما يتجاوز قدرة المصارف والأنهار والبنية التحتية.
تظهر هذه المخاطر بوضوح في مناطق كثيرة من آسيا وأمريكا الشمالية وأوروبا، مع ثقة عالية في زيادة الأمطار الغزيرة في معظم مناطق اليابسة، وقد تكون جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا من أكثر المناطق تعرضا بسبب اجتماع الرياح الموسمية والكثافة السكانية العالية.
كذلك قد تشهد مدن في أوروبا وشمال أمريكا فيضانات حضرية أشد، ليس بالضرورة لأن المطر السنوي كله سيزيد، بل لأن نسبة أكبر منه قد تسقط في عواصف قصيرة عنيفة.
الجفاف، على الجانب الآخر، سيكون الوجه الآخر للعملة، ففي مناطق مثل حوض المتوسط، وغرب أمريكا الشمالية، وأجزاء من أمريكا الوسطى والجنوبية، وجنوب أفريقيا، ومدغشقر، وشرق وجنوب أستراليا، يتوقع تقرير الهيئة الدولية المعنية بتغير المناخ زيادة في الجفاف الزراعي والبيئي عند مستويات احترار تقارب درجتين مئويتين.
والجفاف هنا لا يعني فقط قلة المطر، بل نقص رطوبة التربة بسبب الحرارة العالية وزيادة التبخر، لهذا قد تجف التربة حتى في أماكن لا ينخفض فيها المطر كثيرا، لأن الهواء الأدفأ يسحب الماء من الأرض والنباتات بسرعة أكبر.
هذه تعد نقطة حاسمة بالنسبة للزراعة، فمنتصف القرن قد يشهد ضغطًا متزايدًا على القمح والذرة والأرز في مناطق حارة أو شبه جافة، خصوصًا إذا تزامنت موجات الحر مع مراحل حساسة من نمو المحاصيل.
كما ستزداد الحاجة إلى الري في وقت تصبح فيه المياه نفسها أكثر ندرة، وفي حوض المتوسط تحديدًا، يتوقع عدد من التقارير أن يكون الاحترار أسرع من المتوسط العالمي، وأن تتزايد فترات الجفاف ومخاطر نقص المياه، وهو ما يجعل المنطقة من "النقاط الساخنة" المناخية.
أما حرائق الغابات، فستتأثر بمزيج الحرارة والجفاف والرياح وتغير استخدام الأرض، وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة للبيئة والمنظمة العالمية للأرصاد الجوية إلى أن الحرائق المتطرفة قد تزيد عالميًا بنحو 30% بحلول عام 2050، وبنحو 50% بنهاية القرن.
ولا يعني ذلك أن كل مكان سيحترق أكثر بالدرجة نفسها، بل إن "طقس الحرائق"، أي الأيام الحارة الجافة العاصفة، سيصبح أكثر ملاءمة لاشتعال حرائق كبيرة في مناطق مثل غرب أمريكا الشمالية، وجنوب أوروبا وحوض المتوسط، وأستراليا، وأجزاء من الأمازون وإندونيسيا، بل وحتى مناطق شمالية وقطبية لم تكن معتادة على هذا النوع من الخطر.
لكن الأهم والأخطر مقارنة بما سبق هو أن الكوارث لن تأتي منفصلة، فأخطر ما في مناخ عام 2050 هو الأحداث المركبة، أي أن تتزامن موجة حر مع جفاف، أو جفاف يعقبه حريق، أو عاصفة ساحلية مع ارتفاع بحر، أو أمطار شديدة فوق مدينة سيئة التصريف، أو فشل محصول في أكثر من منطقة منتجة للغذاء في الموسم نفسه.
يزداد احتمال الأحداث المركبة مع كل نصف درجة إضافية من الاحترار، لهذا تصبح الفروق الصغيرة ظاهريا، مثل 1.5 أو 2 أو 2.5 درجة، فروقا كبيرة في الواقع، تتمثل في عدد الأيام الخطرة، وفي الضغط على المستشفيات، وفي كلفة التأمين، وفي أسعار الغذاء، وفي قدرة المدن على العمل.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة