في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
كشفت دراسة جديدة أن نمل النجار من جنس "كامبونوتوس" -وهو أحد أكبر أجناس النمل وأكثرها انتشارا في العالم، الذي كان يعتقد لعقود أن سلاحه الكيميائي الأساسي يقتصر على حمض الفورميك- يمتلك في الواقع ترسانة أكثر تعقيدا من السموم البيولوجية، تضم ببتيدات مضادة للفطريات تساعده على حماية المستعمرة من الأمراض والعدوى.
ولسنوات طويلة، كان الاعتقاد السائد أن النمل المنتمي إلى فصيلة "الفورميسيني" يعتمد أساسا على حمض الفورميك للدفاع عن نفسه.
هذا الحمض هو مادة لاذعة يرشها النمل على أعدائه أو على مصادر الخطر. وبسبب هذا الدور الواضح، بدا وكأن هذا النمل يفتقر إلى السموم البروتينية المعقدة التي تمتلكها أنواع أخرى من النمل اللاسع، أو كائنات مثل العقارب والعناكب والثعابين.
لكن الدراسة الجديدة التي نشرت يوم 13 مايو/أيار في مجلة "ساينس أدفانسز" (Science Advances)، أظهرت أن هذه الصورة كانت ناقصة. إذ يغير هذا الاكتشاف الفهم التقليدي لسموم هذا النوع من النمل، ويفتح الباب أمام البحث عن مركبات طبيعية جديدة قد تستخدم مستقبلا في تطوير مضادات ميكروبية أو أدوية مبتكرة.
يقول المؤلف الرئيسي للدراسة، لوكاس كوخ، الباحث في معهد الصيدلة بجامعة برلين الحرة في ألمانيا، إن الفريق وجد في عينات مأخوذة من ثمانية أنواع مختلفة من نمل النجار، من أوروبا وآسيا وأفريقيا وأمريكا الشمالية، 35 ببتيدا ساما جديدا أطلقوا عليها اسم "فورميسيتوكسينات". والببتيدات هي سلاسل قصيرة من الأحماض الأمينية، أي اللبنات الأساسية التي تبنى منها البروتينات، ويمكن أن تمتلك وظائف حيوية قوية، منها قتل الميكروبات أو تعطيل نموها.
اعتمد الفريق على تقنيات متقدمة، شملت التحليل الطيفي الكتلي وتسلسل الحمض النووي الريبي، لفهم تركيب هذه السموم على المستوى الجزيئي. وأوضح كوخ في تصريحات للجزيرة نت أن النتائج أظهرت أن هذه الببتيدات لا تظهر بصورة عشوائية داخل السم، بل تنتج من خلال عائلات جينية متخصصة، ما يعني أنها جزء من نظام دفاعي تطوري مستقر لدى النمل، وليست مجرد مواد ثانوية أو عارضة.
كما كشفت الدراسة أن سموم نمل النجار ليست خليطا بسيطا من حمض الفورميك فقط، بل تحتوي أيضا على دهون، وإشارات كيميائية، وبروتينات وببتيدات معقدة. وهذا يجعلها أقرب إلى أنظمة السموم الحيوانية المتطورة المعروفة لدى كائنات أخرى، لكنه كان مخفيا إلى حد كبير لأن حمض الفورميك طغى طويلا على اهتمام العلماء.
أظهرت التجارب أن بعض هذه الببتيدات يمتلك قدرة قوية على مقاومة الفطريات التي تصيب الحشرات، خصوصا فطريات مثل "ميتاريزيوم" و"بيوفاريا"، وهي فطريات معروفة بأنها قادرة على قتل الحشرات وإحداث عدوى داخل المستعمرات. وفي الاختبارات المعملية، نجحت بعض الببتيدات في تثبيط نمو هذه الفطريات بكفاءة عالية، بل فاقت أحيانا فاعلية مركبات مضادة للفطريات تستخدم طبيا.
يشير كوخ إلى أنه في تجربة أخرى، عالج الفريق شرانق نمل مصابة بفطر ممرض باستخدام أحد هذه الببتيدات، ولاحظوا أن نمو الفطر وتأثيره القاتل تأخرا بصورة واضحة مقارنة بالشرانق غير المعالجة. وحسب الباحث، فإن ذلك يشير إلى أن السم لا يستخدم فقط كسلاح ضد الأعداء أو المفترسات، بل يلعب أيضا دورا مهما في حماية الصغار والحفاظ على النظافة الجماعية داخل المستعمرة.
وتوضح الدراسة أن هذا النمل يستخدم إفرازاته الكيميائية بطرق متعددة؛ فهو يرش السموم على البيوض واليرقات وجدران العش، وقد يبتلع جزءا منها أيضا، بما يساعد على تعقيم جهازه الهضمي وتنظيم الميكروبات داخله. ويرجح الباحثون أن حمض الفورميك يوفر تأثيرا سريعا ضد الميكروبات، لكنه لا يدوم طويلا لأنه قد يتبخر أو يفقد فعاليته، بينما تعمل الببتيدات المكتشفة كطبقة حماية أطول بقاء داخل العش وعلى أجسام الصغار.
كما أظهرت التحليلات أن هذه الببتيدات لا تقتصر على نوع واحد، بل توجد في 21 جنسا مختلفا من النمل داخل الفصيلة نفسها، ما يشير إلى أنها سمة تطورية واسعة الانتشار. ووجد الباحثون أيضا اختلافات كبيرة في نوعية وتركيز السموم بين الأنواع المختلفة، بل وحتى بين مستعمرات قريبة من بعضها، وهو ما قد يعكس تكيف كل مستعمرة مع بيئتها الميكروبية الخاصة والضغوط التي تواجهها.
وفقا للمؤلف الرئيسي للدراسة، تحمل هذه النتائج أهمية تتجاوز عالم النمل، لأنها تشير إلى أن سموم الحشرات قد تكون مصدرا واعدا لاكتشاف مركبات جديدة مضادة للميكروبات، في وقت يواجه فيه العالم تحديا متزايدا بسبب مقاومة الفطريات والبكتيريا للأدوية التقليدية. فالكائنات الاجتماعية مثل النمل تعيش في مستعمرات مزدحمة، ما يجعلها عرضة لانتشار العدوى، ولذلك طورت عبر ملايين السنين وسائل كيميائية فعالة للوقاية من الأمراض. وقد يساعد فهم هذه الوسائل في إلهام أبحاث دوائية مستقبلية.
ومع ذلك، يشير الباحثون إلى أن من حدود الدراسة أنها اختبرت التأثيرات البيولوجية لعدد محدود من الببتيدات وعلى عدد محدود من الفطريات، لذلك لا تزال الصورة الكاملة لدور هذه المركبات داخل البيئة الطبيعية للعش غير معروفة. كما لم تحدد الدراسة بشكل نهائي ما إذا كانت هذه الببتيدات تؤثر أيضا في أنواع أخرى من الحشرات أو البكتيريا أو الميكروبات التي تعيش داخل المستعمرة.
ويؤكد الفريق الحاجة إلى دراسات مستقبلية لفهم كيف يتغير تركيب السموم استجابة للعدوى أو الظروف البيئية المختلفة، وكيف تتفاعل هذه الببتيدات مع حمض الفورميك والدهون والمكونات الأخرى داخل السم.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة