تزداد مشكلة الحطام الفضائي (Space Debris) خطورة عاما بعد عام، مع تراكم ملايين القطع التي تدور حول الأرض بسرعات هائلة. وتشير التقديرات الحالية إلى وجود نحو 130 مليون قطعة من النفايات الفضائية، تتنوع بين بقايا صواريخ وأقمار صناعية معطلة وشظايا صغيرة نتجت عن اصطدامات وانفجارات سابقة في المدار.
هذا الازدحام المتزايد يهدد الأقمار الصناعية العاملة وأنظمة الاتصالات والملاحة والتنبؤات الجوية، بل وحتى الرحلات الفضائية المستقبلية.
وفي محاولة لمواجهة هذا الخطر، أعلنت شركتا "بورتال سبيس سيستمز" (Portal Space Systems) و"بالادين سبيس" (Paladin Space) لأنظمة الفضاء، عن شراكة جديدة تهدف إلى تطوير خدمة عملية ومنخفضة التكلفة لإزالة النفايات الفضائية بحلول عام 2027.
ولا يقتصر المشروع على تجربة تقنية محدودة، بل يسعى إلى إنشاء نظام تشغيلي متكامل قادر على تنظيف عدة أجسام فضائية خلال مهمة واحدة.
يعتمد المشروع على دمج تقنيتين رئيسيتين هما مركبة "ستاربيرست" (Starburst) التابعة لشركة "بورتال"، وحمولة ترايتون (Triton Payload) التي طورتها شركة "بالادين".
وقد صممت "ستاربيرست" لتكون مركبة عالية المناورة قادرة على الاقتراب من الحطام الفضائي والتقاطه أو دفعه خارج المدار. أما نظام "ترايتون" فيعمل كمنصة ذكية لتتبع وتصنيف والتعامل مع الأجسام الصغيرة، خصوصا تلك التي يقل حجمها عن متر واحد.
ورغم أن هذه القطع الصغيرة قد تبدو غير مؤذية، فإنها تعد من أخطر عناصر الحطام الفضائي بسبب سرعتها العالية جدا، إذ يمكن لشظية صغيرة أن تلحق أضرارا كارثية بقمر صناعي أو مركبة فضائية.
تحظى الأقمار الصناعية المعطلة والصواريخ القديمة باهتمام إعلامي كبير، لكن الخبراء يرون أن الخطر الأكبر يأتي من الشظايا الصغيرة المنتشرة في المدار. وهذه القطع قد تكون ناتجة عن تصادمات سابقة أو انفجار خزانات وقود أو تحطم أقمار صناعية قديمة.
وتكمن خطورتها في أنها تتحرك بسرعات قد تتجاوز عشرات آلاف الكيلومترات في الساعة، ما يجعل اصطدامها بأي مركبة حدثا مدمرا.
ويوضح هاريسون بوكس، الرئيس التنفيذي لشركة "بالادين" أن نظام "ترايتون" صمم لإزالة عشرات القطع الصغيرة خلال مهمة واحدة، وهو ما قد يحدث تحولا اقتصاديا مهما في قطاع تنظيف المدار.
فبدل تنفيذ مهمة مستقلة لكل قطعة حطام، تستطيع الشركات التعامل مع عدد كبير من الأجسام دفعة واحدة، ما يخفض التكلفة ويجعل الخدمة أكثر جدوى لمشغلي الأقمار الصناعية وشركات الاتصالات الفضائية.
لا ترى الشركتان المشروع كمجرد مبادرة بيئية فضائية، بل كنواة لصناعة جديدة بالكامل تعرف باسم إدارة الحطام الفضائي النشط (Active Debris Management). وتقوم الفكرة على إنشاء خدمات دورية لتنظيف المدار تماما كما تدار خدمات الصيانة والبنية التحتية على الأرض.
وتقول الشركات إن الأقمار الصناعية أصبحت عنصرا أساسيا في الحياة الحديثة، بدءا من الإنترنت والملاحة الجوية وصولا إلى الأمن القومي والتنبؤات المناخية، ولذلك فإن الحفاظ على بيئة فضائية آمنة أصبح ضرورة اقتصادية وإستراتيجية.
وقد بدأت الفكرة تجذب اهتمام قطاع الفضاء التجاري، إذ وقّعت شركة "ستارلاب سبيس" (Starlab Space) خطاب نوايا لاستخدام الخدمة مستقبلا ضمن عمليات محطاتها الفضائية. وينظر إلى هذا التعاون على أنه خطوة أولى نحو تحويل تنظيف الفضاء إلى نشاط تجاري دائم وقابل للتوسع عالميا.
تستعد شركة "بورتال" لإطلاق أول مركبة من طراز "ستاربيرست-1" (Starburst-1) في أواخر عام 2026 ضمن مهمة نقل تشاركي عبر صاروخ "سبيس إكس ترانسبورتر"، وستكون هذه المهمة أول اختبار عملي واسع النطاق للتقنيات الجديدة في المدار الحقيقي.
وإذا نجحت المهمة، فقد تبدأ عمليات إزالة الحطام الفضائي بشكل تجاري ومنظم خلال عام 2027، وهو ما قد يمثل نقطة تحول مهمة في تاريخ إدارة المدار الأرضي.
ويرى الخبراء أن نجاح مثل هذه المشاريع قد يمنع حدوث ما يعرف بمتلازمة كيسلر (Kessler Syndrome)، وهي سيناريو كارثي يؤدي فيه تضاعف الاصطدامات إلى جعل بعض المدارات غير صالحة للاستخدام لعقود طويلة.
ومع تزايد عدد الأقمار الصناعية ومشروعات الإنترنت الفضائي، يبدو أن مستقبل الفضاء لن يعتمد فقط على إطلاق المركبات الجديدة، بل أيضا على القدرة على تنظيف ما تركه البشر خلفهم في المدار.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة