في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
ليس معتادا أن يعلق الدولفين في شباك الصيادين، وربما كان ذلك هو السبب الذي حول واقعة اصطيادها في مياه الخليج العربي مؤخرا بالعراق إلى قضية أثارت اهتمام الكثيرين.
هذه ليست المرة الأولى، بل هي حادثة متكررة نسبيا، فمثلا في عام 2022 تداولت وسائل محلية ومقاطع على مواقع التواصل ظهور دولفين في شط العرب بمحافظة البصرة، كما وُثقت لاحقا مشاهد لدلافين في خور عبد الله وشط العرب خلال العام نفسه.
وبينما يدور الجدل المصاحب لهذه الوقائع حول نقص الوعي البيئي لدى الصيادين، والذي دفعهم إلى الاحتفاظ بهذا الحيوان الذي علق بشباكهم، رغم عدم فائدته لهم، وأهميته للنظام البيئي البحري، لكنها كذلك قد تؤشر على إحدى المشكلات التي يجري العمل على حلها حاليا في الخليج العربي.
ويقول أستاذ الفيزياء البحرية بالمعهد القومي لعلوم البحار والمصايد الدكتور أحمد رضوان، إن الدلافين تصنف ضمن ما يعرف بـ "المؤشرات الحيوية"، أي أنها كائنات تعكس صحة البيئة التي تعيش فيها، وبالتالي فإن اقترابها غير المعتاد من السواحل، والذي يوقعها في شباك الصيد، يعني أن النظام البيئي يتعرض لخلل.
وأحد أبرز ملامح النظام البيئي بالخليج العربي، تلك التي تتعلق بالارتفاع في ملوحة المياه، فملوحة الخليج مرتبطة طبيعيا بالتبخر الشديد، وضعف تجدد المياه بسبب عدم وجود أنهار، ومن ثم قلة تدفقات المياه العذبة، ثم زادت عليها تصريفات محطات التحلية.
وعن تأثير زيادة الملوحة على الدلافين، يقول أحمد إنه "على عكس الأسماك، فإن الدلافين كثدييات لا تشرب ماء البحر مباشرة، بل تستخلص حصتها الحيوية من الماء عبر فرائسها، وهو ما يجعل ارتفاع الملوحة في الخليج، عبئا كيميائيا يستنزف طاقة أجسادها".
وتضطر كلى الدلافين مع زيادة الملوحة للعمل بأقصى طاقتها لتنقية الأملاح الزائدة ومنع تسمم الدم، مما يدخل الحيوان في حالة من "الإجهاد الأسموزي" تستهلك مخزونه من الطاقة وتجعله في حالة إرهاق، حتى في أوقات سكونه.
ويشير أحمد إلى ملمح آخر، وهو أن الدلافين تقع في قمة السلسلة الغذائية البحرية، وبالتالي يتأثر سلوكها بما يحدث في المستويات الأدنى مثل الأسماك والعوالق. ويقول إن "اقترابها من مناطق الصيد، قد يكون ذلك بسبب نقص الغذاء في بيئتها الأصلية أو تغير توزيع الأسماك نتيجة الملوحة ودرجة الحرارة".
وتؤيد دراسة أجريت في العراق بنهر شط العرب، وهو منطقة حيوية تمثل نقطة التقاء فريدة بين المياه العذبة والبحرية، ما ذهب إليه رضوان.
وخلصت الدراسة التي أجراها باحثون من جامعة البصرة، إلى أن ملوحة المياه ودرجة الحرارة مسؤولان عن 47.69% من إجمالي التأثيرات الواقعة سلبيا على وفرة وتنوع الأسماك، حيث أظهرت البيانات وجود ارتباط وثيق ومعقد بين تقلبات هذين العاملين والاستجابات البيولوجية للمجتمعات السمكية.
وإضافة لضغط الملوحة والحرارة، يشير رضوان إلى أن الخليج العربي، مثل أي بيئة ساحلية في العالم، يتعرض للضغوط البشرية ومن ثم التلوث، ويؤثر ذلك بدوره على جودة المياه، بما يؤدي إلى تأثر التنوع البيولوجي وتغير سلوك الكائنات البحرية.
ورصدت دراسة لجامعة قطر نشرت بدورية "إيرث سيستمز أند إنفايرونمنت"، مستويات مقلقة من التلوث بالمعادن في مياه الخليج.
وقام الباحثون بتحليل مياه البحر بحثا عن مجموعة واسعة من العناصر الكيميائية والمعادن، شملت 23 عنصرا من بينها النيكل، والنحاس، والزرنيخ، والرصاص، والكروم. وأظهرت النتائج أن معظم المعادن التي تم اختبارها لا تشكل خطرا جسيما في الوقت الحالي، لكنها قد تتطلب التدخل مستقبلا.
منذ سنوات، تركز الجهود الخليجية في مسارات عملية، أولها تحسين إدارة الرجيع الملحي الخارج من محطات التحلية، وتشديد الرقابة على نقاط التصريف، واستخدام تقنيات خلط وتصريف أفضل تقلل تركّز الملح قرب السواحل، والتوسع في إعادة استخدام مياه الصرف المعالجة لتقليل الاعتماد الكلي على التحلية.
وتشير دراسات حديثة من قطر والسعودية إلى أن مشكلة الرجيع الملحي أصبحت ملفا بيئيا مهما بدأ الاهتمام به بالفعل منذ سنوات.
من جانب آخر، تبرز السعودية وقطر والإمارات ضمن هذا الاتجاه عبر التحول التدريجي نحو التحلية بالتناضح العكسي الأكثر كفاءة، وإعادة استخدام المياه المعالجة في الري والصناعة والتبريد، وتقليل فاقد الشبكات، وهي خطوات تقلل الضغط المستقبلي عليه.
كما تنسق دول المنطقة عبر الإطار الإقليمي لحماية البيئة البحرية، وذلك عبر "الاتفاقية الإقليمية للتعاون بشأن حماية البيئة البحرية من التلوث"، وتمثل الإطار القانوني الأقدم والأهم للتعاون البيئي البحري في الخليج.
أهمية الاتفاقية أنها لا تتعامل مع الخليج بوصفه مياها وطنية مجزأة، بل بوصفه حوضا بحريا مشتركا، وتلزم الاتفاقية الدول المطلة على الخليج باتخاذ إجراءات منفردة أو مشتركة من أجل منع التلوث البحري، وخفضه، ومكافحته، مع تنسيق السياسات الوطنية، وتبادل المعلومات، والتعاون في الرصد والبحث العلمي.
ومن المبادرات العملية في الخليج والتي تعمل حاليا، مراقبة حالة البحر بطرق مختلفة، مثل استخدام الأقمار الصناعية لمتابعة التغيرات في المياه، وأخذ عينات من الماء والرواسب والكائنات البحرية لمعرفة مستوى التلوث، وتنظيم رحلات بحثية لقياس حرارة المياه وملوحتها وجودتها.
كما يُستخدم برنامج "موصل واتش"، وفيه تُفحص المحاريات لأنها تمتص الملوثات من البيئة حولها، فتعمل كأنها جهاز إنذار طبيعي. هذه الجهود لا تقلل ملوحة الخليج مباشرة، لكنها تساعد العلماء والحكومات على معرفة المناطق الأكثر تضررا، وتتبع التلوث مبكرا، واتخاذ قرارات أفضل لحماية البيئة البحرية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة