في أعماق المياه الهادئة بأمريكا الجنوبية، تعيش سمكة معروفة باسم سمكة الرئة الأمريكية الجنوبية، تحمل القدرة على التنفس عبر رئات أولية، وتمتلك أيضًا أحد أكبر الجينومات التي رُصدت في عالم الحيوان، بحجم يفوق الجينوم البشري بنحو 30 مرة، وهو أمر يفتح نافذة جديدة لفهم علاقة معقدة بين حجم الحمض النووي والتعقيد البيولوجي.
يبلغ حجم الجينوم لدى هذه السمكة نحو 91 مليار وحدة وراثية (قاعدة حمض نووي ريبوزي)، مقارنة بنحو 3 مليارات فقط لدى الإنسان. والأكثر إثارة أنها تمتلك 19 كروموسوما، 18 منها (كلٌ على حدة) أكبر من الجينوم البشري بالكامل.
لكن المفارقة العلمية هنا أن هذا الحجم الهائل لا يعني أنها كائن أكثر تعقيدًا، فالعدد الفعلي للجينات التي تصنع البروتينات ليس مختلفًا كثيرا عن البشر.
يكمن سر هذا الجينوم الكبير في "التكرار"، فجزء كبير منه يتكون من عناصر وراثية متكررة تعرف باسم "الجينات القافزة"، وهي مقاطع من الحمض النووي قادرة على نسخ نفسها والانتشار داخل الجينوم عبر الزمن.
وقد دفع هذا التناقض العلماء إلى إعادة التفكير في وظيفة الجينوم، حيث تبين أن الجزء الأكبر منه لا يشارك في ترميز البروتينات، بل يتكون من تسلسلات مكررة وعناصر متنقلة تراكمت عبر الزمن عبر الأجداد.
حتى الآن، لا يوجد دليل واضح على أن هذا الحجم الضخم يمنح السمكة ميزة مباشرة. بل على العكس، قد يكون مكلفا بيولوجيًا، لأن نسخ حمض نووي بهذا الحجم يتطلب طاقة ووقتًا أكبر أثناء انقسام الخلايا.
ومع ذلك، قد يحمل هذا التضخم فوائد غير مباشرة، مثل توفير مادة خام للتكيف الجيني، ومن ثم زيادة المرونة في مواجهة التغيرات البيئية الشديدة، تلك التي يمكن أن تقضي على كائن حي آخر، لكن ذلك يظل في نطاق الافتراضات.
ليست سمكة الرئة الأمريكية الجنوبية وحدها من تضع العلماء أمام لغز "مفارقة قيمة سي"، فهناك كائنات أخرى لا تقل غرابة، تُظهر أن حجم الجينوم لا يعكس بالضرورة تعقيد الكائن.
من أبرز هذه الأمثلة سمندل الأكسولوتل، ذلك الكائن البرمائي الشهير بقدرته على تجديد أطرافه، والذي يمتلك جينوما يزيد بنحو 10 مرات عن الإنسان.
وفي عالم النبات، تصبح المفارقة أكثر حدة مع نبات باريس جابونيكا، الذي يحمل أحد أكبر الجينومات المعروفة على الإطلاق، متجاوزا الإنسان بعشرات المرات. ومع ذلك، فهو مجرد نبات عشبي بسيط في مظهره ووظيفته، ما يعمق التساؤل حول جدوى هذا التضخم الوراثي.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة