بينما يترقب العالم منصة الإطلاق الفضائي في فلوريدا، حيث ينتصب صاروخ "إس إل إس" (SLS) العملاق كأضخم بناء تكنولوجي عرفه البشر، يطرح الملايين سؤالا واحدا: هل سننطلق حقا هذه المرة إلى القمر؟
الإجابة الرسمية من إدارة "جاريد إيزاكمان" الجديدة في ناسا هي "نعم"؛ فنافذة الإطلاق المستهدفة يوم الأربعاء الأول من أبريل/نيسان 2026 ليست مجرد موعد فني، بل إعلان عن انتهاء عصر الركود الفضائي وبداية "العصر الذهبي" الذي سيشهد تحليق أربعة رواد فضاء حول القمر لأول مرة منذ عام 1972.
قبل الخوض في تفاصيل "أرتميس"، لا بد من حسم الجدل التاريخي: نعم، لقد وضع البشر أقدامهم على القمر 6 مرات بين عامي 1969 و1972. ورغم نظريات المؤامرة التي شككت في ذلك، إلا أن الأدلة العلمية، من الصخور القمرية التي جُلبت (382 كجم) إلى مرايا الليزر التي وضعها رواد "أبولو" على السطح ولا تزال تُستخدم لقياس المسافة بين الأرض والقمر بدقة ملليمترية، تثبت أن الإنجاز كان حقيقيا.
يتساءل الكثيرون: لماذا توقف برنامج أبولو بعد 6 رحلات فقط؟ الحقيقة لم تكن تقنية بل اقتصادية وسياسية؛ فبرنامج أبولو كان يستنزف نحو 4% من الميزانية الفيدرالية الأمريكية في الستينيات (ما يعادل 150 مليار دولار بمعايير اليوم). وبمجرد فوز أمريكا بالسباق ضد الاتحاد السوفيتي، فتر الحماس السياسي وتغيرت الأولويات نحو حرب فيتنام والمشاكل الداخلية.
أما لماذا نعود الآن بعد 50 سنة؟ فالسبب ليس مجرد "الحنين"، بل هو اكتشاف "الذهب الفضائي، إنه "الجليد المائي" في القطب الجنوبي للقمر. وهذا الجليد يعني وقودا للصواريخ (أكسجين وهيدروجين) وأكسجين للتنفس، مما يجعل القمر "محطة وقود" في الطريق إلى المريخ.
كما أن التطور الهائل في الذكاء الاصطناعي والروبوتات جعل بناء قواعد دائمة أمرا ممكنا تقنيا وذا جدوى اقتصادية لشركات مثل سبيس إكس وبلو أوريجن.
ثمة وهم بأن تكنولوجيا السبعينيات كانت "أدق" لأنها نجحت في 6 رحلات؛ لكن الحقيقة هي العكس تماما، فتكنولوجيا "أبولو" كانت تعتمد على حواسيب بقوة "آلة حاسبة بسيطة"، وفقا لناسا.
واليوم، تمتلك مركبة أوريون حماية إشعاعية تفوق أبولو بـ10 أضعاف، وأنظمة هبوط آلية بدقة السنتيمتر، وحواسيب يمكنها معالجة بيانات في ثانية واحدة تعادل ما عالجته حواسيب أبولو في 10 سنوات.
فالتعقيد الحالي نابع من معايير "الأمان" الصارمة؛ ففي الستينيات كان احتمال موت الرواد مقبولا سياسيا، أما اليوم فنسبة الأمان المطلوبة هي 99.9%.
لا تنظر الصين وروسيا إلى "أرتميس-2" كرحلة علمية فحسب، بل كاستعراض للقوة السيادية. فالصين، التي حققت نجاحات مبهرة ببرنامج "تشانغ آه"، تعمل بصمت على وضع روادها على القمر بحلول 2030، وهي تنظر لتقدم أمريكا بـ"قلق استراتيجي" دفعها لمحاولة تسريع برامجها.
أما روسيا، فرغم تراجع إمكاناتها الاقتصادية، إلا أنها تحاول التحالف مع الصين لإنشاء "محطة قمرية دولية" منافسة. وتقدُّم أمريكا في "أرتميس-2" يثبت أن واشنطن لا تزال تمتلك "أثقل صاروخ" وأكثر تكنولوجيا مأهولة نضجا، مما يضع ضغطا هائلا على بكين للحاق بالركب.
بإرسال "أرتميس-2″، سيثبت الأمريكيون أنهم استعادوا "عضلة الفضاء العميق" التي ضمرت لنصف قرن. وهذه الرحلة هي الاختبار النهائي قبل "أرتميس-3″، المخطط لها في 2027-2028، والتي ستشهد هبوط أول امرأة على سطح القمر.
ولكن، مع رؤية المدير الجديد لناسا، فإن الطموح يتجاوز الهبوط؛ فالهدف هو مفاعل نووي قمري بحلول 2030، ومركبة "فريدم" (Freedom) النووية التي ستنطلق في 2028 لتجعل المريخ هو "الوجهة التالية" وليس مجرد حلم.
وبهذا الشأن تقول ناسا "نحن لا نعود إلى القمر لنكرر ما فعله نيل أرمسترونغ، بل نعود لنبقى، ولنجعل من القمر الميناء الأرضي الأول نحو النجوم".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة