في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
داخل كل خلية نباتية تجري حياة يومية معقدة لا نراها، وكأننا في مدينة مصغرة مصممة بعناية فائقة. هناك البلاستيدات الخضراء التي تلتقط الضوء وتصنع الغذاء بعملية البناء الضوئي، وهناك الميتوكوندريا التي تولد الطاقة عبر التنفس الخلوي، وكان العلماء ينظرون عادة إلى هاتين العمليتين باعتبارهما متجاورتين داخل الخلية.
لكن دراسة جديدة نشرت في دورية "بلانت فيسيولوجي" تقترح أن العلاقة بينهما أعمق مما كنا نعتقد، فالميتوكوندريا لا تستهلك الأكسجين فقط، بل قد تنافس عليه أيضا البلاستيدات الخضراء داخل الخلية نفسها.
هذا ما كشفه باحثون من جامعة هلسنكي، فقد وجدوا أن الميتوكوندريا في الخلايا النباتية تستطيع، عندما يرتفع نشاطها التنفسي، أن تسحب الأكسجين من البيئة الداخلية المحيطة بالبلاستيدات الخضراء، فتقل كمية الأكسجين المتاحة هناك.
وبعبارة مبسطة، بحسب وصف باحثي الدراسة، هناك نوع من "شد الحبل" الخفي على الأكسجين بين عضيتين أساسيتين داخل الخلية النباتية.
لفهم أهمية ذلك، يجب التذكير أن الأكسجين في النبات ليس مجرد غاز ثانوي. فهو يدخل في عمليات عديدة تتعلق بالنمو، والتمثيل الغذائي، والاستجابة للإصابة، والتكيف مع الإجهاد البيئي.
والبلاستيدات الخضراء تطلق الأكسجين بوصفه ناتجا للبناء الضوئي، بينما تستخدمه الميتوكوندريا لإنتاج الطاقة. لكن ما لم يكن واضحا سابقا هو كيف يتحرك هذا الأكسجين بين الطرفين داخل الخلية، وهل تستطيع إحدى العضيتين التأثير مباشرة في الأخرى عبر هذا التبادل؟
للوصول إلى الإجابة، درس الباحثون نبات الأرابيدوبسيس، وهو نبات صغير شائع جدا في الأبحاث البيولوجية. واستخدموا نسخا معدلة وراثيا فيها خلل في الميتوكوندريا يؤدي إلى تنشيط مسارات تنفس بديلة، مما يجعل تلك الميتوكوندريا تستهلك الأكسجين بمعدل أعلى من المعتاد.
وعندها ظهرت النتيجة اللافتة، فكلما ازداد استهلاك الميتوكوندريا للأكسجين، انخفضت مستويات الأكسجين داخل أنسجة النبات، وظهرت تغيرات واضحة في سلوك البلاستيدات الخضراء.
ومن العلامات المهمة التي لاحظها الفريق أن البلاستيدات الخضراء صارت أكثر مقاومة لمادة كيميائية تسمى ميثيل فيولوجين، وهي مادة تستغل الأكسجين لتكوين جزيئات شديدة التفاعل تعرف باسم أنواع الأكسجين التفاعلية.
وعندما عرّض العلماء النباتات لغاز النيتروجين لخلق ظروف منخفضة الأكسجين، انخفض انتقال الإلكترونات إلى الأكسجين بشكل حاد، وهذا أعطى الباحثين مؤشرا قويا على أن المشكلة لم تكن في المادة الكيميائية نفسها، بل في أن الأكسجين المتاح للبلاستيدات أصبح أقل، لأن الميتوكوندريا كانت تستهلكه بشراهة أكبر.
هنا تكمن نتائج الدراسة، فهي لا تقول إن التنفس والبناء الضوئي عمليتان مرتبطتان فقط، بل تشير إلى أن بينهما تواصلا داخليا مباشرا عبر الأكسجين، أي إن الميتوكوندريا تستطيع أن تغير ما يجري داخل البلاستيدات الخضراء ليس فقط عبر الإشارات الكيميائية أو الطاقة، بل أيضا عبر سحب مورد أساسي من محيطها الداخلي.
ويقول الباحثون إن هذه أول مرة يظهر فيها دليل على أن الميتوكوندريا تؤثر في البلاستيدات من خلال تبادل الأكسجين داخل الخلية.
ما الذي يعنيه هذا للنبات في الحياة الواقعية؟ المعنى الأهم هو أن النبات قد يكون أكثر مرونة وتعقيدا في تعامله مع الضغوط البيئية مما كنا نعرف.
فإذا تعرض النبات لظروف مثل الغمر بالماء، أو نقص التهوية، أو تغيرات حادة بين الليل والنهار، فإن إعادة توزيع الأكسجين داخل الخلية قد تصبح جزءا من آلية التكيف، أي إن النبات لا يستجيب للبيئة من الخارج فقط، بل يعيد تنظيم موارده الداخلية الدقيقة بين أجزائه المجهرية أيضا.
كما أن هذه النتيجة قد تساعد مستقبلا في تطوير أدوات أفضل لمراقبة الحالة الفسيولوجية للنباتات، وربما الكشف المبكر عن الإجهاد في المحاصيل. فإذا فهم العلماء كيف يتغير توزيع الأكسجين داخل الخلية أثناء التعرض للضغط، فقد يتمكنون من تصميم طرق أدق لتتبع صحة النبات وتحسين برامج التربية الزراعية، خاصة في عالم يزداد تقلبا مناخيا.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة