آخر الأخبار

عظمة في الحلق تحسم جدلا عمره عقود حول "تي ريكس القزم"

شارك

في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي

لعقود، استحوذ التيرانوصور ريكس المعروف اختصارا باسم "تي ريكس" على الخيال العام والأفلام والمكانة العلمية بصفته المفترس المهيمن بلا منازع في أواخر العصر الطباشيري.

ولكن في ظلال هذا العملاق المرعب، عاش كائن آخر أصغر حجما وأكثر رشاقة، أطلق عليه العلماء اسم "نانوتيرانوس لانسينسيس".

على مدى أكثر من ستين عاما، دار نقاش علمي مستفيض وشائك حول هوية هذا الديناصور الصغير، يقول الأستاذ المساعد في علوم الأرض في جامعة برينستون كريستوفر غريفين في تصريحات حصرية للجزيرة نت: "نانوتيرانوس هو ديناصور من فصيلة التيرانوصورات عاش في أواخر العصر الطباشيري في غرب أمريكا الشمالية"

ويضيف: "عاش في نفس الزمان والمكان اللذين عاش فيهما التيرانوصور ريكس، لكنه كان أصغر حجمًا بكثير، ولذلك ظل الجدل قائمًا لفترة طويلة حول ما إذا كان يُمثل نوعًا مستقلًا، أم أنه كان مجرد تيرانوصور ريكس يافع"

اليوم، وبفضل دراسة علمية حديثة نشرت في دورية "ساينس"، يبدو أن كفة الأدلة قد مالت بقوة لترجيح أن نانوتيرانوس هو نوع مستقل بالفعل، وذلك بفضل دليل غير متوقع تماما لا يكمن في الأنياب المرعبة أو عظام الساق الضخمة المعتادة في مثل هذه الدراسات، بل في عظمة صغيرة غالبا ما يتم تجاهلها، تلك العظمة تقع في منطقة الحلق وتدعم اللسان.

مصدر الصورة استحوذ التيرانوصور ريكس المعروف اختصارا باسم "تي ريكس" على الخيال العام والأفلام والمكانة العلمية (ديفد إيفانز)

لغز الجمجمة المنفرد

تشابك هذا اللغز عندما اكتُشفت جمجمة ديناصور في ولاية مونتانا الأمريكية، بدت شبيهة بالتيرانوصور لكنها أصغر بكثير وأكثر نحافة، وحفظت هذه العينة في متحف كليفلاند للتاريخ الطبيعي.

انقسم المجتمع العلمي حيالها؛ فبينما رأى البعض أن الاختلافات الشكلية كافية لتصنيفها كنوع مستقل، جادل آخرون بأن الديناصورات، مثلها مثل العديد من الزواحف والطيور، تتغير أشكالها بشكل جذري أثناء مراحل النمو.

إعلان

لحسم هذا الجدل، يلجأ العلماء عادة إلى تقنية دقيقة تعرف بعلم الأنسجة العظمية "باليوهيستولوجي". يقول غريفين: "من أفضل الطرق لتحديد عمر الديناصور عند نفوقه، وما إذا كان لا يزال في طور النمو، دراسة البنية المجهرية لعظام الأطراف أو الأضلاع"

يمكن تخيل عظام الديناصورات وكأنها جذوع أشجار؛ فعندما يتم قطع جذع شجرة بشكل عرضي، يمكن عد الحلقات لمعرفة عمرها ومعدل نموها. وبالمثل، يقوم علماء الحفريات بأخذ شرائح رقيقة جدا من العظام الحاملة للوزن مثل عظام الفخذ أو الساق لأنها تسجل النمو بدقة.

إذا كانت العظام تحت المجهر مليئة بالأوعية الدموية وتظهر نسيجا عشوائيا، فهذا دليل على أن الحيوان كان ينمو بسرعة هائلة ولا يزال صغيرا. أما إذا كانت خطوط النمو متقاربة جدا ومنتظمة والعظم كثيفا عند الحواف الخارجية، فهذا يعني أن الحيوان قد توقف عن النمو ووصل لمرحلة البلوغ الهيكلي.

لكن العلماء واجهوا عقبة كبيرة مع عينة نانوتيرانوس المرجعية؛ فهي تتكون من جمجمة شبه كاملة فقط، ولا توجد معها عظام أطراف لفحصها. وهنا برزت الحاجة إلى حل مبتكر، وهو ما قدمه غريفين وفريقه البحثي من جامعة برينستون ومتحف ييل بيبودي، حيث قرروا البحث عن إجابات في مكان غير معتاد.

حلول مبتكرة من عالم الطيور والتماسيح

لاحظ الباحثون أن الجمجمة المعزولة لا تزال تحتفظ بعظمة اللامي، وهي عظمة تقع في منطقة الحلق وتدعم اللسان، وتعرف علميا باسم العظم القرني الخيشومي "سيراتوبرانكيال".

يقول غريفين: "عند دراستنا للبنية المجهرية لعظم اللامي في نانوتيرانوس، وجدنا أنه يحمل جميع المؤشرات التي تدل على أنه يعود لفرد بالغ، وبالتالي لا يمكن أن يكون تيرانوصورًا"

ويضيف: "كان وزن هذا الفرد يُعادل عُشر وزن التيرانوصور البالغ تقريبا. صحيح أن هناك تباينا بين الأفراد في جميع الأنواع، إلا أن هذا المستوى من التباين يتجاوز حدود ما هو متعارف عليه في الفقاريات البرية. كما أن تشريح الجمجمة يختلف تماما عن تشريح التيرانوصور البالغ، والذي كان يُفسر سابقا على أنه تشريح لفرد يافع. فلو كان هذا تيرانوصورا بالغا ولكن صغير الحجم، لكان من المتوقع أن يتشابه تشريحه مع تشريح التيرانوصور البالغ"

يمكن تشبيه الأمر بالمقارنة بين شخصين؛ الأول مراهق طويل القامة ينمو بسرعة، والثاني رجل بالغ قصير القامة توقف نموه منذ سنوات. الفحص الطبي لعظامهما سيظهر الفرق بوضوح؛ عظام المراهق لا تزال مفتوحة للنمو، بينما عظام الرجل أغلقت نهاياتها وسجلت توقف النمو. هذا بالضبط ما وجدته الدراسة؛ فالنانوتيرانوس كان بمثابة البالغ مكتمل النمو، وليس المراهق الذي سينمو مستقبلا ليصبح عملاقا.

يقول غريفين معلقا على النتائج: "يُشير هذا إلى أن هذا النظام البيئي كان يضم عددًا أكبر من المفترسات – بأحجام مختلفة – مما كنا نعتقد سابقًا، وذلك في الفترة التي سبقت مباشرةً الانقراض الجماعي الذي قضى على جميع الديناصورات باستثناء الطيور"

هذا الاكتشاف لا يعيد فقط الاعتبار للنانوتيرانوس كنوع مستقل محتمل في نظر العلم، بل يفتح الباب أمام استخدام تقنية غير تقليدية تتمثل في عظم الحلق لدراسة عينات نادرة أخرى كانت تعتبر عصية على التحليل بسبب نقص العظام الرئيسية. ربما تكون الحقائق العلمية حولنا في مكان ما، لكنها مدفونة في أدق التفاصيل المجهرية لعظمة صغيرة، تنتظر مدفونة لملايين السنين لتبوح بأسرار جديدة.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

إقرأ أيضا


حمل تطبيق آخر خبر

آخر الأخبار