بغداد اليوم - بغداد
بينما يظل مضيق هرمز ممراً جغرافيا حيوياً تحكمه القوة والجغرافيا على الأرض، يطرح الواقع السياسي سؤالاً أعمق: هل يوجد بديل حقيقي حين تشتعل الأزمات؟
الممر الحقيقي قد لا يكون مجرد مضيق مائي، بل مساراً دبلوماسياً وسياسياً تُصنع فيه التفاهمات بعيداً عن فوهات النيران إذا استمرت الخصومات بلا مخرج، يفقد حتى أهم الممرات المائية قيمته الفعلية.
هنا تبرز أهمية "مهندسي السلام" والوسطاء الذين يملكون ثقة جميع الأطراف المتخاصمة ممن يملكون القدرة على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة وإيجاد مساحات للتفاوض بين الفرقاء السياسيين فالبديل الحقيقي لأي أزمة ليس فتح جبهات جديدة، بل وجود إرادة قادرة على صياغة اتفاقيات تجعل من الاستقرار خياراً ثابتاً للجميع.
مكانٌ واحد في هذا العالم الكبير.. يمر فيه الخصوم دون أن يتعرض بعضهم لبعض، مكانٌ بعيد تماماً عن حافة المواجهة عند مضيق هرمز أو فتح فوهات النيران المباشرة.
هنا في أربيل، يقف نيجيرفان بارزاني حاضراً في أكثر الملفات استعصاءً على الحل الدولي، سياسيٌ خَطّ لنفسه أسلوباً فريداً في بيئة كردية وعراقية شديدة التعقيد.
في الوقت الذي عجزت فيه عواصم القرار عن إنتاج مثل هذا التأثير، يطبق بارزاني أسلوب البناء على "الممكن فقط" في إدارة الخلافات حتى الوصول إلى الحلول.
من طهران إلى واشنطن، ومن دمشق إلى العواصم الأوروبية.. حظي باحترام كافة الغرماء وبات مقبولة من الجميع؛ إذ أثبت قدرته على إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة حتى في أعتى الأزمات:
في ملف السلام التركي - الكردي: كان الاعتماد عليه لتقود التفهمات بين أنقرة والقادة الكرد بعد عقود من التناحر.
في العراق: جعل التفاهم بين أربيل وبغداد الأصل الثابت، وبات مطلوباً بقوة في العاصمة بغداد لقيادة وإدارة أخطر المراحل الحساسة.
في سوريا الجديدة: كان حاضراً لتقريب وجهات النظر بين الشرع والزيدي، ولعب دوراً بارزاً في تقريب وجهات النظر بين دمشق والقوى الكردية، مساهماً في الوساطة بين قوات سوريا الديمقراطية ودمشق بسلاسة.
حيث كشفت وكالة أسوشيتد برس في وقت سابق دور بارزاني بوصفه "بأنه القادر"، فيما كشفت صحيفة أكسيوس أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لجأت إلى نيجيرفان بارزاني كسبيل أوحد ووصول مباشر إلى قادة الحرس الثوري في إيران، في محاولة من البيت الأبيض لفهم الموقف الإيراني الحقيقي والدفع بمسار التفاوض إلى الأمام، ولم يكن اختيار الأمريكيين له عابراً؛ فخبرته في إيران، وإجادته اللغة الفارسيّة بطلاقة، وشبكة اتصالاته الواسعة جعلته المنقذ و"صاحب الدار" كما يُنقل عن الإيرانيين أنفسهم.
وصَفَه الدبلوماسي الأمريكي المخضرم بريت مكغورك بـ "حلّال المشكلات البراغماتي".
نيجيرفان بارزاني لا يملك ترسانة عسكرية كبرى، ولا يقود دولة عظمى، لكنه يملك شيئاً أكثر ندرة في الشرق الأوسط: ثقةعظيمة وقدرة استثنائية على إبقاء الباب مفتوحاً للحوارات.. مرحّب به في البيت الأبيض، في باريس، في طهران، في أنقرة، وفي الخليج. لقد اختار أن تكون الدبلوماسية هي اللغُة التي يملك أسرارها لفتح الأبواب المستعصية.
المصدر:
بغداد اليوم