آخر الأخبار

‏حين تتكلم واشنطن بلغة الانهيار: هل بدأ الاقتتال داخل النظام الإيراني أم أنها بداية إسقاط مُمنهج؟

شارك

ابو بكر ابن الأعظمية

في توقيت بالغ الحساسية، وبعد انهيار جولة مفاوضات كانت تُسوَّق كنافذة أخيرة لخفض التوتر، خرج دونالد ترامب بتصريح أشبه بقنبلة سياسية حين قال إن “هناك اقتتالاً هائلاً داخل القيادة الإيرانية”. عبارة قصيرة، لكنها ثقيلة الدلالات، وتفتح الباب أمام قراءة أعمق لما يجري خلف الكواليس: هل نحن أمام تصدّع حقيقي داخل النظام الإيراني؟ أم أن الولايات المتحدة بدأت مرحلة جديدة من الحرب النفسية تمهيداً لما هو أخطر؟
ما جرى في كواليس المفاوضات الأخيرة لم يكن مجرد فشل تقني أو اختلاف في وجهات النظر، بل كشف عن فجوة عميقة في بنية القرار الإيراني. فالمعلومات التي تسربت عن تضارب مواقف داخل طهران، وعدم قدرة الوفد الإيراني على تقديم رؤية موحدة، تعزز فرضية أن النظام يعيش حالة ارتباك غير مسبوقة، خصوصاً في ظل الضغوط العسكرية والاقتصادية المتراكمة. في المقابل، فإن الانسحاب الأمريكي المفاجئ من مسار الحوار لم يكن خطوة عشوائية، بل يبدو أنه قرار محسوب يستند إلى قراءة استخبارية ترى أن اللحظة الحالية هي لحظة ضعف لدى الخصم.
لكن، هل ما قاله ترامب يعكس حقيقة ما يجري داخل إيران؟ أم أنه جزء من تكتيك سياسي أوسع؟
التحليل الواقعي يقودنا إلى فرضيتين متداخلتين. الأولى تقول إن النظام الإيراني يواجه بالفعل صراعاً داخلياً بين مراكز قوى متعددة: الحرس الثوري، المؤسسة الدينية، والتيار السياسي، وكل منها يسعى لإعادة رسم موقعه في مرحلة ما بعد التصعيد. هذا النوع من الصراعات غالباً ما يظهر عند الأنظمة التي تتعرض لضغط خارجي مكثف، حيث تبدأ التصدعات من الداخل قبل أن تظهر للعلن.
أما الفرضية الثانية، وهي لا تقل أهمية، فترى أن واشنطن تمارس حرباً نفسية مدروسة، تهدف إلى تضخيم أي خلاف داخلي داخل إيران وتحويله إلى “صورة انهيار” في الوعي الدولي. هذه الاستراتيجية ليست جديدة، فقد استخدمتها الولايات المتحدة مراراً لتفكيك خصومها، عبر ضرب الثقة بين مكونات النظام، ودفعه إلى الشك الداخلي، وهو ما يُعرف في علم الصراع بـ"تفكيك التماسك البنيوي".
لكن اللافت هنا ليس فقط مضمون التصريح، بل توقيته. فواشنطن لم تكن بحاجة إلى إعلان كهذا لو كانت تسير في مسار تفاوضي مستقر. هذا يعني أن المرحلة القادمة قد لا تكون دبلوماسية، بل مرحلة ضغط أقصى، وربما إعادة تشكيل للمنطقة سياسياً وأمنياً. فحين تبدأ القوى الكبرى بالحديث عن صراعات داخلية في دولة ما، فإن ذلك غالباً ما يكون تمهيداً لتحولات كبرى، سواء عبر العقوبات، أو التصعيد العسكري، أو حتى تغيير موازين الحكم.
إيران اليوم تقف في منطقة رمادية خطيرة: من جهة، تواجه حصاراً وضغطاً عسكرياً متزايداً، ومن جهة أخرى تعاني من تحديات داخلية تشمل الاقتصاد، والاحتجاجات، وصراع مراكز القرار. هذه المعادلة تُنتج بيئة قابلة للاشتعال، حيث يمكن لأي شرارة – سياسية أو أمنية – أن تتحول إلى انفجار داخلي.
ومع ذلك، لا يمكن إغفال حقيقة أن النظام الإيراني، عبر تاريخه، أظهر قدرة عالية على امتصاص الأزمات وإعادة ترتيب أوراقه. فهو ليس نظاماً هشاً بالمعنى التقليدي، بل منظومة معقدة تتكيف مع الضغوط وتعيد إنتاج نفسها. لكن السؤال اليوم: هل الضغوط الحالية تجاوزت قدرة هذا النظام على التكيّف؟
السيناريوهات المطروحة متعددة. قد نشهد تصدعاً تدريجياً داخل بنية النظام، أو إعادة توحيد للصفوف تحت ضغط “الخطر الخارجي”، أو حتى صفقة مفاجئة تُنهي هذا التصعيد بشكل مؤقت. لكن ما هو مؤكد أن المرحلة القادمة لن تكون شبيهة بما قبلها، وأن المنطقة تقف على حافة تحوّل كبير.
في ميزان السياسة الدولية، لا تُطلق مثل هذه التصريحات عبثاً. ما قاله ترامب ليس مجرد رأي، بل هو رسالة موجهة بدقة: إلى الداخل الإيراني، وإلى الحلفاء، وإلى المجتمع الدولي. إنها رسالة مفادها أن إيران باتت تحت المجهر، وأن لحظة الاختبار قد بدأت.
فإما أن تكون طهران أمام تصدّع حقيقي يأكلها من الداخل، وإما أن واشنطن قررت أن تزرع هذا التصدّع إعلامياً تمهيداً لإسقاطه سياسياً. وفي كلا الحالتين، فإن الحقيقة الصادمة هي أن إيران لم تعد تتحرك بثقة كما في السابق، بل أصبحت ساحة صراع مفتوحة بين ضغوط الخارج وهواجس الداخل.
اليوم، لم يعد السؤال: هل هناك اقتتال داخل القيادة الإيرانية؟
بل السؤال الأخطر: من سيحسم هذا الاقتتال… الداخل الإيراني أم القرار الدولي؟
وإذا كانت الحروب تبدأ بالكلمات، فإن ما نسمعه الآن قد لا يكون مجرد تصريح عابر، بل الرصاصة الأولى في معركة أكبر لم تُكتب نهايتها بعد.

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا