آخر الأخبار

ترامب بين وهم القوة وحقيقة المأزق: هل يختلق البيت الأبيض “نصراً” للخروج من حرب إيران؟

شارك

تحليل سياسي
أبو بكر ابن الأعظمية

في السياسة الدولية، لا تنتهي الحروب دائماً بانتصار واضح أو هزيمة صريحة. أحياناً تنتهي ببيانٍ سياسي غامض، أو خطابٍ يعلن “النصر” بينما الحقيقة على الأرض تقول شيئاً آخر. هذه هي القاعدة القديمة في عالم الصراع بين الدول: عندما تعجز القوة عن تحقيق أهدافها، تبدأ الحيلة السياسية في العمل.
التصريحات التي أطلقها المفكر الاستراتيجي الكويتي عبد الله النفيسي حول احتمال إعلان دونالد ترامب إنهاء المواجهة مع إيران من طرف واحد، ليست مجرد تحليل عابر، بل تعكس قراءة عميقة لحالة القلق التي قد تتسلل إلى دوائر القرار في واشنطن عندما تدرك أن المعركة التي ظنتها سهلة تحولت إلى مأزق استراتيجي.
فالقوة الأمريكية، رغم جبروتها العسكري، اكتشفت مرة أخرى أن الشرق الأوسط ليس ميداناً بسيطاً يمكن حسمه بالقصف أو العقوبات أو الرهانات السياسية السريعة.
وهم الضربة الحاسمة
منذ بداية التوتر مع إيران، راهنت واشنطن على معادلة واضحة:
القصف العسكري، والضغط الاقتصادي، وإثارة التصدعات الداخلية.
لكن ما حدث على أرض الواقع كشف أن هذه المعادلة لم تحقق ما كانت تطمح إليه الإدارة الأمريكية.
فالضربات العسكرية، مهما بلغت قوتها، لم تتمكن من إحداث الانهيار الذي كانت واشنطن تراهن عليه.
والعقوبات الاقتصادية، رغم شدتها، لم تدفع النظام الإيراني إلى الاستسلام أو القبول بشروط مهينة.
أما الرهان على الانشقاق الداخلي، فقد بدا حتى الآن رهانا صعب التحقيق.
وهنا تبدأ لحظة المراجعة القاسية في عقل صانع القرار.
فالتاريخ السياسي يعلمنا أن القادة عندما يفشلون في تحقيق أهدافهم الكبرى، فإنهم يبحثون عن صيغة للخروج من المأزق دون الاعتراف بالفشل.
وهذا ما يلمح إليه النفيسي عندما يتحدث عن احتمال “اختلاق رواية ما” تحفظ ماء الوجه أمام الرأي العام الأمريكي والعالمي.
عندما تتحول القوة إلى عبء
المفارقة الكبرى في السياسة الدولية هي أن القوة الهائلة قد تتحول أحياناً إلى عبء ثقيل.
فالدولة العظمى لا تستطيع أن تعترف بسهولة بأنها أخطأت الحسابات، لأن الاعتراف بالخطأ قد يضرب هيبتها العالمية.
ولهذا فإن الولايات المتحدة، في كثير من محطاتها التاريخية، كانت تلجأ إلى إعادة تعريف النصر.
في فيتنام أعلنت واشنطن أنها حققت أهدافها قبل الانسحاب.
وفي أفغانستان خرجت بعد عشرين عاماً من الحرب لكنها قدمت الانسحاب على أنه “إعادة ترتيب للوجود العسكري”.
وفي العراق تحولت الحرب من “إسقاط النظام” إلى “بناء الديمقراطية” ثم إلى “محاربة الإرهاب”.
هذه القدرة على تغيير الرواية هي أحد أهم أدوات السياسة الأمريكية عندما تتعثر المشاريع الكبرى.
الصراع الحقيقي: النفط والصين
لكن ما يضيفه تحليل النفيسي هو بعدٌ أكثر عمقاً: الصراع مع إيران ليس صراعاً إقليمياً فحسب، بل جزء من المواجهة الكبرى بين الولايات المتحدة والصين.
فالصين، التي أصبحت العملاق الاقتصادي الأول في العالم، تعتمد بشكل هائل على النفط القادم من الشرق الأوسط.
وهنا تتحول المنطقة إلى ساحة صراع جيوسياسي بامتياز.
فالسيطرة على مصادر الطاقة أو على طرق تصديرها تعني امتلاك ورقة ضغط استراتيجية في مواجهة بكين.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم كثير من التحركات الأمريكية في السنوات الأخيرة، سواء في الخليج أو في فنزويلا أو حتى في أفريقيا.
إنها معركة السيطرة على شرايين الطاقة في العالم.
إيران: العقدة الأصعب
لكن إيران ليست دولة صغيرة يمكن إخضاعها بسهولة.
فهي تمتلك عدة عناصر تجعل الصراع معها معقداً:
أولاً: موقعها الجغرافي الذي يطل على مضيق هرمز، أحد أهم الممرات النفطية في العالم.
ثانياً: امتلاكها شبكة نفوذ إقليمية تمتد في عدة ساحات في الشرق الأوسط.
ثالثاً: خبرتها الطويلة في مواجهة العقوبات والضغوط الدولية.
لهذا فإن أي محاولة لإسقاطها أو تحجيمها بشكل كامل تبدو مغامرة خطيرة.
وهذا ما قد يفسر، بحسب تحليل النفيسي، حالة الإحباط التي بدأت تتسلل إلى حسابات البيت الأبيض.
بعد إيران… من التالي؟
التصريح الأكثر إثارة في قراءة النفيسي هو حديثه عن أن المرحلة القادمة قد تتجه نحو إعادة ترتيب معادلة الطاقة مع السعودية.
فالمملكة تعد أحد أهم مزودي الصين بالنفط، إذ توفر نسبة كبيرة من احتياجاتها من الطاقة.
وهذا يعني أن الصراع الأمريكي مع بكين قد يتجه مستقبلاً إلى التأثير على مصادر الطاقة التي تغذي الاقتصاد الصيني.
لكن هذا السيناريو يفتح أبواباً كثيرة من الأسئلة:
هل يمكن للولايات المتحدة أن تضغط فعلاً على حلفائها في الخليج؟
وهل يمكن أن تتحول معركة الطاقة إلى مواجهة سياسية داخل التحالفات التقليدية نفسها؟
هذه الأسئلة تكشف أن الصراع العالمي القادم قد لا يكون عسكرياً فقط، بل اقتصادياً واستراتيجياً بالدرجة الأولى.
الشرق الأوسط… ساحة اختبار القوى الكبرى
ما يحدث اليوم يؤكد حقيقة قديمة:
الشرق الأوسط كان دائماً مختبر القوة العالمية.
فالإمبراطوريات الكبرى عبر التاريخ دخلت هذه المنطقة وهي تعتقد أنها قادرة على السيطرة عليها بسهولة، لكنها سرعان ما اكتشفت أن تعقيداتها السياسية والاجتماعية تفوق كل التوقعات.
من البريطانيين في القرن الماضي، إلى السوفييت، وصولاً إلى الأمريكيين اليوم… كانت هذه المنطقة دائماً مقبرة للأوهام الاستراتيجية.
ولهذا فإن أي قوة عظمى تحاول فرض إرادتها فيها دون فهم عميق لتركيبتها السياسية والثقافية قد تجد نفسها في النهاية أمام مأزق كبير.
هل يكتب ترامب نهاية مختلفة؟
السؤال الذي يطرح نفسه اليوم ليس فقط:
هل ستنتهي المواجهة مع إيران قريباً؟
بل السؤال الأهم هو:
كيف ستكتب الولايات المتحدة نهاية هذه المواجهة؟
هل ستعلن نصراً حقيقياً؟
أم ستصنع نصراً إعلامياً يحفظ هيبتها أمام العالم؟
في السياسة الدولية، لا تكون الحقيقة دائماً كما تبدو في العناوين.
فخلف كل بيان سياسي هناك حسابات معقدة، وخلف كل إعلان للنصر قد تختبئ قصة انسحاب صامت.
والأيام القادمة وحدها ستكشف ما إذا كان البيت الأبيض سيواصل المواجهة… أم سيكتب الفصل الأخير من هذه الحرب بطريقة تليق بقوةٍ لا تريد الاعتراف بأنها وصلت إلى حدود قدرتها.

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا