زيارة مركّزة بملفات محددة
الزيارة، التي حملت طابعاً سياسياً وأمنياً واضحاً، جاءت في توقيت إقليمي حساس، يتزامن مع تطورات متسارعة في الملف السوري، واستمرار الجهود الدولية لإعادة ترتيب أوضاع المحتجزين المرتبطين بتنظيم داعش، فضلاً عن مسار التفاوض غير المباشر بين
واشنطن وطهران.
اقتصار اللقاءات على أربع شخصيات فقط يعكس – بحسب مراقبين – رغبة أمريكية في التركيز على “مفاتيح القرار” التنفيذي والدبلوماسي والقضائي، إلى جانب طرف سياسي يمثل ثقلاً برلمانياً، من دون توسيع الدائرة إلى اجتماعات بروتوكولية مع أطراف أخرى.
السوداني : البعد التنفيذي والإقليمي
استقبال رئيس
مجلس الوزراء السيد
محمد شياع السوداني للمبعوث الأمريكي شكّل المحطة الأهم في الزيارة، إذ جرى بحث العلاقات الثنائية بين
العراق والولايات المتحدة، والأوضاع العامة في المنطقة، والدور الذي يلعبه العراق لدعم الاستقرار الإقليمي، ولا سيما في سوريا.
اللقاء تناول منع التصعيد الإقليمي وأهمية اعتماد الحوار والمسارات الدبلوماسية لحل النزاعات، إضافة إلى فرص التعاون الاقتصادي ودعم التنمية المستدامة، حيث شدد السوداني على ضرورة معالجة جذور الأزمات ومنع أي اعتداء على سيادة الدول.
اختيار السوداني يعكس الطبيعة التنفيذية للملفات المطروحة، خصوصاً ما يتعلق بالأمن الإقليمي، والتنسيق العسكري، والالتزامات الدولية، وهي ملفات تقع ضمن صلاحيات
الحكومة الاتحادية .
فؤاد حسين : البعد الدبلوماسي والتفاوضي
أما لقاء وزير الخارجية فؤاد حسين، فقد حمل طابعاً دبلوماسياً موسعاً، شمل العلاقات الثنائية، والتنسيق في مكافحة الإرهاب، وملف نقل عناصر تنظيم داعش إلى السجون العراقية، فضلاً عن الاتفاق بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة الانتقالية السورية.
كما تطرق اللقاء إلى العلاقات الإيرانية–الأمريكية ومسار المفاوضات المرتقبة في جنيف بوساطة عُمانية، وهو ما يؤكد أن اختيار وزير الخارجية جاء في سياق متابعة القنوات السياسية والدبلوماسية المفتوحة، خصوصاً أن العراق يلعب دوراً متوازناً في تهدئة التوترات.
فائق زيدان : ملف القضاء والمحتجزين
لقاء
رئيس مجلس القضاء الأعلى القاضي فائق زيدان ركّز على متابعة الإجراءات القضائية المتعلقة بالمحتجزين المنقولين من السجون السورية إلى العراق.
هذا اللقاء يعكس بوضوح أن ملف السجناء والمقاتلين الأجانب لم يعد أمنياً فقط، بل أصبح قانونياً وقضائياً بامتياز، ويتطلب تنسيقاً مباشراً مع أعلى سلطة قضائية في البلاد، لضمان الالتزام بالإجراءات القانونية والسيادة الوطنية.
الحلبوسي : البعد السياسي والبرلماني
اللقاء الرابع كان مع رئيس حزب تقدم
محمد الحلبوسي ، حيث تناول الجانبان العلاقات الثنائية، والتعاون الاقتصادي، وتطورات الأوضاع في المنطقة، إضافة إلى ملف تشكيل الحكومة والتحديات المرتبطة به.
اختيار الحلبوسي تحديداً، دون بقية قادة القوى السياسية، قد يُقرأ في سياق تمثيله لتيار سياسي فاعل داخل البرلمان، إضافة إلى علاقاته الإقليمية والدولية، ما يجعله أحد الفاعلين في أي معادلة حكومية مقبلة.
لماذا لم تشمل الزيارة أطرافاً أخرى؟
يرى متابعون أن "اقتصار اللقاءات على هذه الشخصيات الأربع يعكس عدة اعتبارات منها تركيز الزيارة على ملفات محددة: أبرزها سوريا، مكافحة الإرهاب، ملف السجناء، والتنسيق الأمني، إضافة الى الاعتماد على المؤسسات الرسمية: التنفيذية، الدبلوماسية، والقضائية، باعتبارها الجهات المخولة باتخاذ القرار، فضلا عن تجنب الرسائل السياسية الحساسة: توسيع دائرة اللقاءات قد يُفسر كدعم لطرف على حساب آخر في ظل تعقيدات المشهد السياسي كما ان باراك يحمل صفة مبعوث خاص إلى سوريا، وبالتالي فإن جدول أعماله مرتبط بملفات إقليمية محددة، وليس بملف العلاقات الثنائية الشامل فقط".
قراءة في الرسائل السياسية
الرسالة الأبرز من الزيارة تبدو أنها تأكيد أمريكي على دعم استقرار العراق، والتشديد على أهمية تشكيل حكومة تلبي تطلعات الشعب، مع الحفاظ على السيادة الوطنية، ومنع الانزلاق إلى صراعات إقليمية.
كما أن اللقاءات عكست اهتماماً واضحاً بملف إعادة عناصر داعش إلى العراق، وبتنفيذ الاتفاقات المتعلقة بسوريا، في إطار رؤية أمريكية تسعى إلى تقليل بؤر التوتر في المنطقة.
اقتصار زيارة المبعوث الأمريكي توم باراك على أربع شخصيات عراقية لم يكن إجراءً عفوياً، بل يعكس توجهاً عملياً يركز على صناع القرار التنفيذي والدبلوماسي والقضائي، إضافة إلى فاعل سياسي مؤثر في المشهد البرلماني.
وفي ظل التعقيدات الإقليمية الراهنة، يبدو أن واشنطن فضّلت اعتماد مقاربة “الدوائر الضيقة” لضمان وضوح الرسائل وتسريع التنسيق، بعيداً عن اللقاءات الموسعة التي قد تحمل أبعاداً سياسية إضافية في مرحلة حساسة تمر بها المنطقة.