آخر الأخبار

جسر النار الصامت: لماذا تُسيّر واشنطن أسطولها الجوي الثقيل نحو الشرق الأوسط؟

شارك

ابو بكر ابن الاعظمية

خلال الأيام الأخيرة، بدا المشهد الجوي فوق الأطلسي والبحر المتوسط وكأنه يستعيد إيقاع الحروب الكبرى. أرقام لافتة لا يمكن تجاهلها: نحو 31 رحلة لطائرات النقل العسكري الثقيلة من طراز C-17A Globemaster III، و11 رحلة لطائرات النقل العملاقة جدًا من طراز C-5M Galaxy خلال 24 ساعة فقط، جميعها باتجاه الشرق الأوسط.
هذا ليس مجرد نشاط لوجستي اعتيادي. إنه ما يمكن تسميته بـ"جسر النار الصامت" — تحريك هائل للقدرات قبل أي إعلان رسمي، وقبل أن تتصدر العناوين كلمات مثل "ضربة"، "ردع"، أو "تصعيد".
أولاً: ماذا يعني تحريك C-17 و C-5M معًا؟
عسكريًا، هناك فارق جوهري بين الطائرتين:
C-17A Globemaster III: طائرة نقل إستراتيجي وتكتيكي قادرة على الهبوط في مدارج قصيرة نسبيًا، تنقل دبابات، منظومات دفاع جوي، بطاريات صواريخ، وحدات قوات خاصة، ومعدات متوسطة إلى ثقيلة بسرعة عالية.
C-5M Galaxy: وحش النقل الجوي الأميركي، مخصص لنقل الأحمال الضخمة جدًا، مثل منظومات دفاع صاروخي كاملة، مروحيات ثقيلة، مركبات مدرعة كبيرة، أو حتى أجزاء من أنظمة رادارية إستراتيجية.
حين تعمل الطائرتان معًا في موجة واحدة مكثفة، فإن الرسالة واضحة:
واشنطن لا تنقل مجرد إمدادات، بل تعيد تشكيل البيئة العملياتية في المنطقة.
ثانياً: لماذا الآن؟
أي تحرك جوي بهذا الحجم لا يتم إلا ضمن ثلاثة سيناريوهات محتملة:
1. تعزيز الردع قبل ضربة محتملة
نقل أنظمة دفاع جوي متقدمة، أو بطاريات مضادة للصواريخ، أو وحدات حماية للقواعد المنتشرة في الخليج والعراق وسوريا.
هذه الخطوة تعني أن الولايات المتحدة تستعد لاحتمال تعرض قواتها أو حلفائها لهجمات انتقامية.
2. تمهيد لعملية هجومية
التاريخ العسكري الأمريكي يُظهر أن الجسر الجوي الإستراتيجي يسبق دائمًا العمليات الكبرى.
قبل حرب الخليج 1991، وقبل غزو العراق 2003، كان النقل الجوي هو أول مؤشر على القرار السياسي.
3. إعادة تموضع إستراتيجي طويل الأمد
قد يكون الهدف إعادة توزيع القوة في مواجهة تصاعد التوتر مع إيران، أو تحسبًا لتوسع الحرب في غزة أو جنوب لبنان أو حتى البحر الأحمر.
ثالثاً: الرسائل غير المعلنة
التحركات العسكرية الكبرى لا تخاطب طرفًا واحدًا فقط. إنها رسائل متعددة الاتجاهات:
إلى إيران: أن أي توسع في الهجمات سيُقابل بقوة مضاعفة.
إلى الفصائل المسلحة في العراق وسوريا: أن الاستهداف المتكرر للقواعد لن يبقى بلا سقف.
إلى إسرائيل: أن واشنطن لن تتركها وحدها إذا انفجر الإقليم.
إلى الحلفاء الخليجيين: أن المظلة الأميركية ما زالت فاعلة.
رابعاً: لماذا النقل الجوي وليس البحري؟
النقل البحري أقل كلفة، لكنه أبطأ بكثير.
أما حين تختار وزارة الدفاع الأميركية الجسر الجوي الثقيل، فهي تعلن عمليًا أن عنصر الوقت حاسم.
تحريك 42 رحلة ثقيلة خلال يوم واحد ليس إجراءً روتينيًا.
إنه مؤشر على استعجال — أو على الأقل على توقع تطور سريع.
خامساً: ماذا يمكن أن تكون طبيعة المعدات؟
مع أن التفاصيل تبقى سرية، إلا أن طبيعة الطائرات تسمح بالترجيح:
بطاريات دفاع صاروخي (باتريوت أو ما يماثلها).
أنظمة رادار بعيدة المدى.
ذخائر دقيقة التوجيه.
وحدات قوات خاصة.
معدات حرب إلكترونية.
منظومات اعتراض للطائرات المسيّرة والصواريخ قصيرة المدى.
وجود C-5M Galaxy تحديدًا يشير إلى معدات ضخمة أو أنظمة مكتملة، وليس مجرد ذخيرة تقليدية.
سادساً: هل نحن أمام حرب أوسع؟
السؤال الأخطر ليس ماذا نُقل… بل لماذا الآن؟
المنطقة تعيش لحظة شديدة الهشاشة:
جبهات مفتوحة في غزة.
توتر على حدود لبنان.
هجمات في البحر الأحمر.
قواعد أمريكية تتعرض للاستهداف في العراق وسوريا.
في مثل هذا المناخ، أي خطأ في الحسابات قد يشعل مواجهة إقليمية واسعة.
لكن في المقابل، قد يكون هذا الحشد هو ما يمنع الحرب — لأن الردع أحيانًا أقوى من الضربة نفسها.
سابعاً: العراق في قلب المعادلة
العراق ليس بعيدًا عن هذا المشهد.
القواعد الأمريكية داخله تمثل نقطة تماس مباشرة بين واشنطن وطهران.
وأي تصعيد قد يضع بغداد في موقف بالغ الحساسية بين محورين متصارعين.
الجسر الجوي لا يعبر السماء فقط، بل يعبر فوق السيادة السياسية لدول المنطقة.
الخلاصة: جسر النار… بين الردع والانفجار
ما يجري ليس مجرد حركة طيران عسكري.
إنه إعادة تموضع إستراتيجي يعكس إدراكًا أمريكيًا بأن المنطقة تقف على حافة تحول كبير.
هل هو استعداد لضربة وشيكة؟
أم تحصين لمنع الضربة؟
أم رسالة ردع لمن يفكر بتوسيع المعركة؟
الأكيد أن السماء لا تتحرك بهذا الشكل عبثًا.
فالطائرات الثقيلة لا تقلع بكثافة إلا عندما يكون القرار السياسي قد اتخذ خطوة متقدمة في سلّم التصعيد.
ويبقى السؤال مفتوحًا:
هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة من الصراع في الشرق الأوسط… أم أمام عرض قوة محسوب بدقة لمنع الانفجار الكبير؟

الحدث المصدر: الحدث
شارك


حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا