أبو بكر ابن الأعظمية
في الشرق الأوسط، لا تُنشر منظومات الدفاع الصاروخي عبثًا، ولا تتحرك الأساطيل البحرية الثقيلة دون حسابات دقيقة. عندما تتكامل طبقات الدفاع من الرادارات البعيدة إلى أنظمة الاعتراض خارج الغلاف الجوي، ثم إلى الطبقات القريبة متعددة المستويات، فإننا أمام مشهد استراتيجي كبير يتجاوز مفهوم “الدفاع التقليدي” إلى إعادة صياغة ميزان الردع الإقليمي بالكامل.
السؤال الجوهري هنا ليس تقنيًا، بل سياسي – استراتيجي:
هل نحن أمام درع ردعي بحت؟
أم أمام هندسة أمنية تمهّد لتحرك هجومي محسوب؟
أولًا: المعركة تبدأ من الثانية الأولى
الصاروخ الباليستي الإيراني – إن أُطلق – يدخل في سلسلة رصد معقدة منذ لحظة اشتعال محركاته. في هذه المرحلة، تلعب رادارات AN/TPY-2 دور العين البعيدة، إذ تستطيع:
تحليل مسار الصاروخ لحظيًا
حساب نقطة السقوط المتوقعة
تمرير البيانات فورًا إلى مراكز القيادة
عندما تتكامل هذه البيانات مع أنظمة إنذار مبكر إقليمية وأقمار صناعية، يصبح عنصر المفاجأة محدودًا للغاية. الصاروخ لم يعد شبحًا غامضًا، بل هدفًا محدد الإحداثيات منذ الثواني الأولى.
هذا التطور وحده يغير فلسفة الردع. فإيران بنت جزءًا كبيرًا من استراتيجيتها الدفاعية على عنصر “الإغراق العددي” والضغط الصاروخي المكثف. لكن إذا كان الرصد دقيقًا منذ البداية، فإن حسابات الاختراق تتبدل.
ثانيًا: الطبقة العليا – THAAD وكسر الدفعة الأولى
منظومة THAAD تعتمد على مبدأ “القتل الحركي” (Hit-to-Kill)، أي الاصطدام المباشر بالرأس الحربي خارج الغلاف الجوي أو عند أطرافه العليا. وظيفتها ليست اعتراض كل صاروخ، بل تحطيم الكتلة الهجومية الأولى وتقليصها.
اعتراض الصواريخ الباليستية المتوسطة المدى
تحييد الرؤوس قبل مرحلة الانفصال النهائي
منح الطبقات الأدنى وقتًا ومساحة للمناورة
وجودها في الأردن يمنحها زاوية اعتراض متقدمة تجاه المسارات الغربية المحتملة. وهي بذلك تشكل طبقة “كسر الصدمة الأولى”، أي منع الصاروخ من بلوغ مرحلته النهائية بكامل طاقته.
إذا نجحت هذه الطبقة بنسبة عالية، فإن فعالية الترسانة المهاجمة تتراجع بشكل ملموس.
ثالثًا: الطبقة الوسطى – البحر كمنصة اعتراض مرنة
في البحر المتوسط وبحر العرب، تنتشر مدمرات أميركية مزودة بمنظومة Aegis Combat System القادرة على إطلاق صواريخ SM-3 وSM-6.
ميزة الطبقة البحرية أنها:
متحركة وغير ثابتة
توفر اعتراضًا في مرحلة الطيران المتوسط
مرافقة حاملات الطائرات مثل USS George H. W. Bush وUSS Abraham Lincoln تعني أن القدرة ليست دفاعية فحسب، بل تحمل بعدًا هجوميًا أيضًا.
البحر هنا ليس فقط منصة إطلاق، بل طبقة احتياط استراتيجية تعزز احتمالات الاعتراض المتكرر.
داخل إسرائيل، تتكامل عدة منظومات دفاعية:
Arrow 3 لاعتراض بعيد خارج الغلاف الجوي
Arrow 2
David's Sling للمدى المتوسط
Patriot
Iron Dome
الفلسفة هنا تقوم على “الفرص المتعددة للاعتراض”.
إذا فشل اعتراض في طبقة، تنتقل المهمة إلى الطبقة التالية.
بهذا الشكل، يصبح أي صاروخ مهاجم أمام سلسلة متعاقبة من محاولات التحييد، ما يقلل احتمالية اختراق ناجح واسع النطاق.
خامسًا: هل الهدف دفاعي أم تمهيد لهجوم؟
عندما تُبنى شبكة دفاعية بهذا العمق، فإنها تحقق هدفين متوازيين:
ردع الخصم عبر تقليل جدوى ترسانته.
توفير مظلة حماية لأي عملية هجومية محتملة.
التحليل القائل إن إسرائيل قد تكون هي المحرك الأساسي لأي تحرك ضد إيران يستند إلى منطق استراتيجي بسيط:
إذا ضمنت أن الرد الصاروخي سيتم احتواؤه بدرجة كبيرة، فإن كلفة الضربة الاستباقية تنخفض سياسيًا وعسكريًا.
لكن في المقابل، قد يكون الهدف هو رفع مستوى الردع ومنع الحرب عبر إظهار الجاهزية القصوى.
الفرق بين الردع والهجوم أحيانًا لا يُحسم إلا في لحظة اتخاذ القرار.
سادسًا: هل تفقد الصواريخ الباليستية قيمتها العملياتية؟
إيران اعتمدت على الصواريخ الباليستية كركيزة ردع رئيسية في مواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي والأميركي. لكن مع تطور الدفاعات متعددة الطبقات، يتحول الصراع إلى معادلة حسابية:
كم صاروخًا يُطلق؟
كم نسبة الاعتراض؟
ما كلفة كل صاروخ مقابل كل معترض؟
إذا انخفضت نسبة الاختراق إلى حدٍّ ضئيل، فإن الرسالة الاستراتيجية واضحة: الترسانة لم تعد حاسمة كما كانت.
وهذا تحديدًا ما قد تسعى إسرائيل لإثباته:
تحييد القيمة العملياتية للقدرة الصاروخية الإيرانية قبل أي مواجهة مباشرة.
سابعًا: المنطقة أمام مفترق طرق
السيناريوهات المحتملة تتراوح بين:
ردع متبادل مستقر دون مواجهة
ضربة محدودة مع احتواء الرد
تصعيد واسع متعدد الجبهات
حتى اللحظة، المؤشرات تدل على رفع مستوى الاستعداد وليس إعلان الحرب. لكن في الشرق الأوسط، التوازنات قابلة للاهتزاز سريعًا.
شبكة الدفاع الصاروخي المتكاملة ليست مجرد تقنية عسكرية، بل رسالة سياسية تقول إن أي هجوم سيواجه منذ الثانية الأولى، مرورًا بالفضاء، ثم البحر، ثم الطبقات القريبة.
لكن يبقى السؤال:
هل تُبنى هذه الشبكة لمنع الحرب؟
أم لضمان التفوق فيها إذا وقعت؟
في هذه اللحظة الدقيقة، تقف المنطقة عند عتبة قرار قد يعيد رسم خرائط الردع لعقود قادمة.
المصدر:
الحدث