بقلم: بهاء الدين أحمد
حين يصبح الرقم مقبرة وطن
ليست الأرقام بريئة.
وحين نتحدث عن أكثر من 36 ألف قتيل في غضون أيام قليلة، فإننا لا نتحدث عن “حدث أمني” ولا عن “اضطرابات داخلية”، بل عن مجزرة منظمة، وعن لحظة انهيار أخلاقي وسياسي كامل للدولة، تتحول فيها السلطة من كيان حاكم إلى آلة قتل جماعي.
ما يجري اليوم في طهران، وما كشفته تقارير ووثائق مسرّبة من داخل المؤسسات الإيرانية، لا يمكن قراءته بوصفه امتدادًا لاحتجاجات سابقة، ولا حتى كنسخة أكثر عنفًا من قمع مألوف؛ بل هو تحول نوعي في طريقة تعامل النظام مع المجتمع، ومع فكرة “الشعب” نفسها.
هل ما زالت إيران دولة؟
أم أنها تحوّلت إلى نظام أمني يعيش على الخوف، ويتغذى على الدم؟
من الاحتجاج إلى الانتفاضة – لماذا انفجرت طهران؟
لفهم ما جرى، يجب أن نكسر الرواية الرسمية التي تصرّ على تفسير الأحداث باعتبارها “تحريضًا خارجيًا” أو “مؤامرة إعلامية”.
الواقع أكثر بساطة… وأكثر رعبًا.
1. الانهيار الاقتصادي كشرارة لا كسبب
الاقتصاد الإيراني لم ينهَر فجأة.
العملة تتهاوى منذ سنوات، التضخم يلتهم الرواتب، والطبقة الوسطى – التي كانت صمام الأمان الاجتماعي – اختفت فعليًا.
لكن الفقر وحده لا يصنع انتفاضة بهذا الحجم.
ما صنع الانفجار هو الإذلال اليومي:
إذلال المواطن أمام مؤسسات الدولة
إذلال الشاب أمام أجهزة الأمن
وإذلال المجتمع أمام نخبة دينية–عسكرية تعيش خارج أي محاسبة
2. جيل بلا خوف… وهذه هي الكارثة بالنسبة للنظام
الاحتجاجات الأخيرة لم تكن احتجاجات “مطالب”.
لم يكن المتظاهرون يطالبون براتب أو إصلاح أو تعديل قانون.
كانوا يصرخون بشيء أخطر:
“أنتم لا تمثلوننا.”
وهنا يكمن الرعب الحقيقي للنظام:
جيل لا يقدّس الرموز
لا يخاف من السجن
ولا يرى في “ولاية الفقيه” قداسة سياسية أو دينية
هذا الجيل لا يريد إصلاح النظام…
بل الخروج منه.
قرار القتل… من اتخذه؟ ولماذا بهذا الحجم؟
مقتل أكثر من 36 ألف مواطن خلال أيام لا يمكن أن يكون نتيجة “انفلات أمني” أو “قرارات ميدانية”.
هذا الرقم – إن صحّت الوثائق – يعني شيئًا واحدًا فقط:
1. المجلس الأعلى للأمن القومي: غرفة القرار
في إيران، لا تُتخذ قرارات بهذا الحجم دون المرور عبر:
الحرس الثوري
وزارة الاستخبارات
ومكتب المرشد الأعلى
وهذا يعني أن القتل لم يكن خطأً، بل سياسة.
2. لماذا القتل وليس الاحتواء؟
لأن النظام يدرك أنه خسر المجتمع.
وحين تخسر الدولة مجتمعها، لا يبقى أمامها سوى خيارين:
أو الإبادة الرمزية والمادية
إيران اختارت الخيار الثاني.
الجريمة الأكبر… حين تُقتل الحقيقة مع الضحايا
القمع لم يتوقف عند الشارع.
بل انتقل إلى:
المستشفيات
المشارح
السجلات المدنية
والإعلام
1. المستشفيات كساحات تصفية
وفق إفادات طبية مسرّبة:
مُنع الأطباء من تسجيل أسباب الوفاة الحقيقية
واختفى آلاف الجرحى بعد دخولهم المشافي
هنا لم تعد الدولة تقمع الاحتجاج…
بل تدير الموت إداريًا.
2. الإعلام الرسمي: ماكينة إنكار
الإعلام الإيراني لم يكذب فقط…
بل محا الوجود:
لا أسماء
لا صور
لا جنائز
لا ذاكرة
وهذا أخطر من القتل نفسه.
طهران ليست وحدها… إيران كلها في القفص
الخطأ الشائع هو اختزال ما جرى في “طهران”.
الاحتجاجات شملت مئات المدن، من:
الأهواز
إلى مشهد
إلى كرمانشاه
إلى سيستان وبلوشستان
هذا يعني أننا أمام انتفاضة وطنية لا طائفية، ولا مناطقية.
1. الأقليات… من الهامش إلى القلب
البلوش، الأكراد، العرب، والتركمان لم يعودوا “أطرافًا”.
بل صاروا في صلب المشهد، لأنهم:
الأكثر قمعًا
والأكثر خبرة بالمواجهة مع الدولة
لماذا صمت العالم؟
السؤال الذي يفرض نفسه:
كيف يمكن لمجزرة بهذا الحجم أن تمر دون رد دولي حاسم؟
1. إيران ليست دولة عادية
إيران:
لاعب إقليمي
ورقة تفاوض نووي
شريك اضطراري في ملفات كبرى
ولهذا، يُفضّل العالم “إدارة الجريمة” بدل إيقافها.
2. حقوق الإنسان… حين تصبح ملفًا ثانويًا
في النظام الدولي الحالي، الدم لا يهم إن لم يهدد التوازنات.
ما بعد المجزرة… إلى أين تتجه إيران؟
القتل قد يُسكت الشارع مؤقتًا…
لكنه لا يصنع شرعية.
1. الشرعية المفقودة لا تُستعاد بالقوة
النظام الإيراني اليوم:
بلا عقد اجتماعي
بلا ثقة شعبية
وبلا أفق إصلاحي
2. السيناريوهات المحتملة
دولة أمنية عارية: حكم بالسلاح فقط
تفكك داخلي بطيء
انفجار أكبر مؤجل
وفي كل الحالات…
ما قبل هذه الاحتجاجات ليس كما بعدها.
الدم الذي لن يجف
قد ينجح النظام في دفن الجثث،
لكنه لن يدفن الأسئلة.
36 ألف قتيل ليسوا رقمًا…
إنهم اتهام تاريخي.
وطهران اليوم لا تحترق بالنار فقط،
بل بالعار السياسي.
المصدر:
الحدث