كيف تشكلت أزمة الكلاب الضالة في مصر عبر العصور؟ الدحيح يجيب
في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
وهو ما يشرحه "الدحيح " باستفاضة خلال حلقته الجديدة، ويبدأ أحمد الغندور، مقدم البرنامج، نسج القصة من مشهد غريب شهدته شوارع القاهرة في القرن التاسع عشر.
فقد أقدمت امرأة قاهرية لم تنجب على إقامة مراسم جنازة كاملة لكلبها المتوفى بوصفه ابنها، مستأجرة النواحات وقارئات القرآن، وموجهة الموكب نحو مقابر الإمام الشافعي.
قصص مقترحة
list of 2 items* list 1 of 2 "عائد من الموت".. قصة جندي مصري حاصرته إسرائيل وظنه أهله شهيدا
* list 2 of 2 "تمساح أبي الهول".. صياد ماهر جاب البحار المصرية قبل 45 مليون سنة end of list
ولم يتوقف الموكب إلا حين اكتشف الأهالي الحقيقة، فتدخل الأمن وتحولت الواقعة إلى إحدى أغرب اللقطات التي وثقها المستشرق الإنجليزي إدوارد لين في كتابه "عادات المصريين المحدثين وتقاليدهم".
ويستعرض من خلالها مفهوم "الأنثروبومورفيزم " أو إسقاط الصفات والمشاعر البشرية على الحيوان كبديل اجتماعي في لحظات الحزن والوحدة.
لكن صورة العلاقة بين القاهريين والكلاب لم تكن دائما مشحونة بالتضاد والتأزم، ففي القرنين السابع عشر والثامن عشر، وقبل قدوم الحملة الفرنسية، كانت الكلاب جزءا لا يتجزأ من النسيج الحضري واليومي للمدينة، بحسب ما عرضته الحلقة.
وتوثق الحلقة، التي يمكنكم مشاهدتها كاملة ب الضغط هنا، أن الكلاب الضالة آنذاك كانت تؤدي وظائف خدمية محددة، تشمل حراسة الأزقة والحارات ليلا والتخلص من القمامة والمخلفات البيئية.
وكانت السلطات والمجتمع ترعى هذه التجمعات عبر توفير أحواض مياه، يدفع أصحاب الدكاكين أجور السقائين لتعبئتها دوريا.
مصدر الصورة
حملات تسميم الكلاب
وجاء التحول التاريخي الأول مع وصول الحملة الفرنسية عام 1798، حيث اصطدمت الدوريات الليلية لجنود نابليون بونابرت بشراسة الكلاب المدافعة عن حاراتها.
وفي 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1798، نفذت القوات الفرنسية أول حملة تسميم جماعي وممنهج للكلاب في تاريخ مصر الحديث عبر توزيع قطع اللحم المسموم في الشوارع.
وكان ذلك سلوكا مستمدا من سياسات باريس التنظيمية آنذاك، التي فرضت حظر تجوال للكلاب، وأنشأت ملاجئ بلدية لاحتجازها، واستفادت من جثثها تجاريا عبر فئات "السلاخين ".
ومع بزوغ عصر محمد علي وتدشين ملامح الدولة الحديثة، اتسع نطاق التغيير العمراني والاجتماعي، إذ أدت إزالة تلال القمامة التاريخية وردم البرك لتوسيع الشوارع إلى سلب الكلاب مصادر غذائها ووظيفتها البيئية القديمة.
وتلا ذلك حملات إبادة وتهجير واسعة، جرى فيها شحن الكلاب على مراكب وإلقاؤها في البحر بين القاهرة والإسكندرية، وكما لاحظ إدوارد لين حينها، بدأ هذا النمط التنظيمي الوافد يغير السلوك المجتمعي تدريجيا.
فتصاعد العنف والقسوة ضد هذه الكائنات بعد أن كانت محاطة بنوع من التعايش الشعبي، كالمشهد الذي أظهرته دراسات أنثروبولوجية حديثة في أزقة حي "الحطابة ".
وعلى الصعيد الفكري والديني، يوضح الدحيح أن هذه العلاقة ظلت محكومة بقراءات مركبة، فبينما تناولت الفقهيات أحكام الطهارة ونجاسة اللعاب، حضرت الرحمة بوضوح في الموروث الإسلامي والقرآني.
مصدر الصورة
تأثير العمران
غير أن التحولات العمرانية المعاصرة، وانتشار المجمعات السكنية أو ما يعرف بـ "الكومباوندات " والشوارع السريعة، عمقت الفجوة بين الإنسان والحيوان المحلي وضاعفت أزمة المساحات الحضرية.
ويرجع أصل هذا الارتباط إلى تاريخ استئناس الكلاب الذي بدأ قبل نحو 38 ألف عام، كأول حيوان يستأنسه الإنسان، إذ اقتربت الذئاب الأقل عدوانية من نفايات المستوطنات البشرية بحثا عن الغذاء وفق "فرضية أكل المخلفات "
وتطورت جيناتها لاحقا مع الثورة الزراعية للتمكن من هضم النشويات، فيما واصل الإنسان إعادة تشكيلها عبر الانتخاب الاصطناعي.
ويختتم الدحيح بطرح علمي حول السيطرة على أعداد الكلاب؛ إذ تؤكد مفاهيم علم البيئة أن القتل المباشر بالسم أو الرصاص دون إدارة منظومة النفايات يؤدي إلى نتائج عكسية بفعل "القدرة الاستيعابية البيئية " (Carrying Capacity).
فالفراغ الناتج يتيح موارد غذائية أكبر للكلاب المتبقية، فتزيد معدلات تكاثرها لسد الفجوة البيئية، رغم أن 19% فقط من جراء الكلاب الضالة تصل لسن التكاثر بسبب حوادث السيارات والعنف البشري.
وكانت مصر قد أطلقت عام 2021 الإستراتيجية الوطنية للقضاء على مرض السعار، من خلال التطعيم وحملات توعية المواطنين بأهمية تجنب الاتصال بالحيوانات الضالة والتأكد من التلقيح الدوري للحيوانات الأليفة، مع توفير العلاج الوقائي الفوري.
وفي فبراير/شباط من العام الجاري، أعلنت السلطات المصرية "تحصين وتعقيم أكثر من 11 ألف كلب ضال " خلال أكثر من شهر في إطار الإستراتيجية الوطنية لمكافحة مرض السعار.
وتستهدف الحكومة المصرية القضاء على ظاهرة الحيوانات الضالة المسببة لمرض السعار بحلول عام 2030، وهي ظاهرة تكلف خزانة الدولة 1.2 مليار جنيه ( 23.6 مليون دولار) سنويا، لشراء أمصال لعلاج المواطنين الذين يتعرضون للعقر.