آخر الأخبار

غوتيريش يودع الأمم المتحدة.. ماذا فعل ساكن الطابق 38؟

شارك

إنه منصب يتيح لصاحبه أن يدق الجرس، لكنه لا يمنحه دائما القدرة على إطفاء الحريق، ربما كان هذا أحد أصدق التعليقات على حصاد البرتغالي أنطونيو غوتيريش بعد 10 سنوات شغل فيها منصب الأمين العام للأمم المتحدة.

عندما يقف غوتيريش على منبر الجمعية العامة للأمم المتحدة هذه المرة، سيكون هذا على الأغلب ظهوره البارز الأخير، قبل أن يودّع منصبه في اليوم الأخير من هذا العام.

قصص مقترحة

list of 2 items
* list 1 of 2 إيران.. مباحثات إيرانية باكستانية حول عملية السلام ومساعٍ قطرية لتسهيل اتفاق
* list 2 of 2 استطلاع: شعبية ترمب عند أدنى مستوى في مسيرته السياسية end of list

سيستمع نحو 130 من قادة العالم، ناهيك عن عشرات آخرين من كبار المسؤولين، مجددا إلى دعوات الرجل ومناشداته وتحذيراته، أما من يتابعون عبر الشاشات من عموم الناس فربما يظنون من اسم منصبه أنه الرئيس الأعلى في هذا العالم.

أليست الأمم المتحدة هي المنظمة الدولية الأكبر؟ أليس الرجل هو المسؤول الإداري الأول الذي يشرف على تسيير أعمال المنظمة في جميع أنحاء العالم؟

ولأن الإجابة عن السؤالين هي: نعم، فمن الطبيعي أن نتفهّم غضب عموم الناس من الأمين العام للأمم المتحدة، بل سخريتهم أحيانا عند الملمات التي لا يجدون لها حلا، من أنه لا يفعل غير الشجب والإدانة والاستنكار والتعبير عن القلق.

في الأعوام الأخيرة لولاية الأمين العام السابق بان كي مون التي امتدت بين عامي 2007 و2016، تحول الرجل في فترات كثيرة إلى مادة للسخرية، ورصد البعض له عشرات التصريحات التي عبّر فيها عن قلقه إزاء ما يحدث في العالم، فقال ناشطون إنه أعرب عن قلقه 140 مرة في عامه الأخير، مقابل 180 مرة في عام 2014.

لكن نظرة مقارنة إلى ما يتوقعه الناس من الأمين العام، وما يملكه من صلاحيات محدودة على الصعيد العملي، ربما تقود إلى الاعتقاد بأنه أحد أصعب المناصب وأكثرها ضغطا وتعقيدا في العالم، فبينما يظهر هو في الواجهة تبقى الحقيقة أنه لا يملك جيشا ولا سلطة تنفيذية لفرض القرارات، فالسلطة الحقيقية لدى الدول الكبرى والقرارات الفعالة لا تصدر دون توافقها.

إعلان

الأمين العام لو أراد أن يتحدث يوما بصراحة دافعا عن نفسه هذه التهمة، فسيكفيه أن يذكّر المنتقدين بأن هناك 5 دول في العالم تستطيع أي واحدة منها تعطيل أي قرار مهم في مجلس الأمن حتى لو وافقت عليه جميع الدول وتمناه جميع الناس.

هل يعني كون السلطة الحقيقية في يد "أقوياء النظام الدولي الراهن" أن غوتيريش يستعد لإنهاء عقد كامل في هذا المنصب دون أن يفعل شيئا ذا بال؟ الإجابة فيما نعتقد ستكون بالنفي المشدد، وفيما يلي التفاصيل.

مصدر الصورة بان كي مون (الأوروبية)

لحظات فارقة

في عام 1998، تُوفيت الطبيبة النفسية لويزا جويماريس إي ميلو، بعد معاناة طويلة مع السرطان.

الزوج أنطونيو غوتيريش، الذي كان آنذاك في أوج مسيرته السياسية رئيسا لوزراء بلاده البرتغال، وصف الحدث بأنه مأساة شخصية عميقة غيّرت نظرته للحياة وعززت لديه لاحقا التعاطف مع المعاناة الإنسانية، وهو ما انعكس على أدائه عند توليه لاحقا مناصب ترتبط بالجانب الإنساني في هذا العالم.

أما ثاني اللحظات الخاصة في مسيرة الرجل، فهي قراره بالاستقالة من منصب رئيس الوزراء بعد أن خسر حزبه الاشتراكي في الانتخابات المحلية التي جرت عام 2001، وهو قرار أكسبه صورة السياسي الذي يعطي الأولوية لاستقرار وطنه على التمسك بالسلطة.

وتبقى اللحظة الثالثة أو قل إنها في الواقع لحظتان؛ أولاهما مبكرة، عندما حرص الشاب الحاصل للتو على شهادة جامعية في الهندسة على الانخراط في العمل الإنساني، حيث تولى رئاسة جمعية تتولى تنفيذ مشاريع التنمية الاجتماعية في الأحياء الفقيرة بالعاصمة البرتغالية لشبونة.

وأما الأخرى، فكانت على نطاق أوسع كثيرا، عندما تولى ابتداء من عام 2005 رئاسة مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في فترة امتدت لـ10 سنوات وصفها بنفسه بأنها كانت من أفضل سنوات حياته.

مصدر الصورة إنفوغراف-أنطونيو غوتيريش (الجزيرة)

أجراس إنذار

الآن يوشك السياسي البرتغالي وقد بلغ من العمر 77 عاما على إنهاء المهمة الأكبر في حياته، حيث تنتهي ولايته الثانية والأخيرة أمينا عاما للأمم المتحدة بنهاية هذا العام، وهو ما يجعل خطابه أمام الدورة 81 للجمعية العامة المقرر غدا الثلاثاء ربما آخر ظهور كبير في حياته العملية.

ومنذ بداية العام يدرك غوتيريش أنه يوشك على إنهاء مهمته، وهذا ما ظهر في المؤتمر الصحفي الموسع الذي استهل به عامه الأخير، حيث جاء حافلا بالكثير من الصراحة والإثارة على عكس المعتاد من خطابات السياسيين والدبلوماسيين.

الحرب على غزة، وكذلك حرب الـ12 يوما بين إسرائيل وإيران والتي انضمت إليها الولايات المتحدة في أواخرها، وكذلك الصراع في السودان، إضافة إلى الحرب المستمرة منذ أوائل عام 2022 بين روسيا وأوكرانيا، وتأثيرات عودة دونالد ترمب إلى السلطة في واشنطن، كلها أحداث كانت في ذهن الرجل وفي خلفيات حديثه وهو يبدأ العد التنازلي لمغادرة الطابق رقم 38 في مقر الأمم المتحدة بمدينة نيويورك الأمريكية.

ولذلك فقد غابت الدبلوماسية الناعمة عن تصريحات الرجل وهو يدعو إلى التعددية القطبية، مؤكدا أن "مشكلات العالم لن تُحل بهيمنة دولة واحدة على مقاليد الأمور بحيث تتخذ وحدها القرارات، كما أنها لن تُحل أيضا من خلال قوتين تقسمان العالم إلى مناطق نفوذ متنافسة".

إعلان

كما دق غوتيريش ناقوس خطر كبير بتأكيده أن "الإفلات من العقاب بات محرك الصراعات الحالية، مما يؤجج التصعيد، ويوسع نطاق عدم الثقة، ويفتح الأبواب أمام المفسدين الأقوياء للدخول من كل اتجاه".

وختم غوتيريش بتأكيد محورية الأمم المتحدة وأهميتها قائلا: إن الخروج عن مسارها يعني الدخول رسميا في عصر "شريعة الغاب"، حيث يفرض القوي إرادته تحت مسمى "السلام".

وكما أطلق التحذيرات في خطاب بداية العام، فمن المتوقع أن يكرر غوتيريش الأمر نفسه في خطابه أمام الجمعية العامة، ليثير السؤال عن قيمة الصوت الأخلاقي إذا لم تكن وراءه قوة، وليبرز للمرة الأخيرة تلك المعضلة المتمثلة في مسؤول يطلق التحذيرات إلى عالم لا يبدو قادته مستعدين لسماعها أو الاهتمام بها.

زاوية الإنسان لا خرائط النفوذ

إذا كانت شهرة غوتيريش على الصعيد المحلي جاءت أساسا من توليه رئاسة الحكومة في البرتغال، فإن بداية مسيرته لوضع بصمة في العمل الأممي كانت في ذلك العقد الذي أصبح فيه مفوضا ساميا للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، وذلك في الفترة بين عامي 2005 و2015.

وصل الرجل إلى منصبه ليجد أن نحو 38 مليون شخص قد شردتهم الحروب والصراعات والاضطهاد، ثم اكتشف وهو يغادر أن العدد تزايد رغم كل الجهود المبذولة ليتجاوز 60 مليونا، بفعل حروب وصراعات كان أبرزها في سوريا والعراق واليمن وجنوب السودان وأفريقيا الوسطى وغيرها.

وكانت سوريا على وجه الخصوص اختبارا قاسيا له؛ ففي عام 2015 تجاوز عدد اللاجئين السوريين في الدول المجاورة 4 ملايين، إلى جانب ملايين النازحين داخل البلاد، وحذر غوتيريش آنذاك من أن العالم يواجه أكبر أزمة لجوء ناجمة عن نزاع واحد خلال جيل.

وتشير المفوضية إلى أن سنواته شهدت أحد أعمق مسارات الإصلاح الهيكلي في تاريخها، مع توسيع قدرتها على الاستجابة لحالات النزوح الكبرى.

أما غوتيريش، فقد بدا أن هذه السنوات صنعت الجزء الأكثر وضوحا من شخصيته الدولية، وهو الميل إلى النظر إلى الصراعات من زاوية الإنسان الذي يدفع ثمنها، لا من زاوية خرائط النفوذ وحدها.

مصدر الصورة غوتيريش خلال إحدى جلسات مجلس الأمن (الفرنسية)

إلى نيويورك

في أكتوبر/تشرين الأول 2016 اختارته الجمعية العامة أمينا عاما تاسعا للأمم المتحدة، وتسلم منصبه مطلع يناير/كانون الثاني 2017 خلفا للكوري الجنوبي بان كي مون، ثم أعادت الجمعية تعيينه بالإجماع لولاية ثانية بدأت مطلع عام 2022 وتنتهي بنهاية 2026.

دخل غوتيريش الأمم المتحدة وهو يعرفها من الداخل، لكنّ العقد الذي انتظره كان استثنائيا في حجم أزماته: سوريا، واليمن، وجائحة كورونا، والانقلاب والحرب في ميانمار، والحرب في السودان، والحرب الروسية الأوكرانية.

ثم جاءت حرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على غزة، وما إن هدأ عدوان إسرائيل هناك، حتى بدأت بمشاركة الولايات المتحدة في حرب كبيرة أخرى استهدفت إيران هذه المرة في تجدد طويل الأمد لحرب الـ12 يوما في العام الماضي.

ليس هذا فقط، فأزمة المناخ مستمرة، وأُضيف إليها السباق المحموم على تقنيات الذكاء الاصطناعي.

في حرب أوكرانيا، حاول غوتيريش الجمع بين لغة القانون ومساحة الوساطة، بدءا من المسارعة بوصف الهجوم الروسي الذي انطلق في فبراير/شباط 2022، بأنه مخالف لميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي، وحتى تجديده الدعوة أوائل هذا العام إلى وقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار تمهيدا لسلام يستند إلى الميثاق والقانون الدولي.

بين هذا وذاك، حققت الأمم المتحدة تحت قيادته بعض النجاحات؛ منها مبادرة حبوب البحر الأسود عام 2022، بالمشاركة مع تركيا التي أتاحت تصدير أكثر من 32 مليون طن من الحبوب والمواد الغذائية من الموانئ الأوكرانية قبل انتهاء العمل بها في يوليو/تموز 2023.

غزة الكاشفة

أما حرب غزة فربما كانت أكثر الملفات التي كشفت الفارق بين قوة الكلمة وضعف الأداة.

إعلان

ففي ديسمبر/كانون الأول 2023 لجأ غوتيريش للمرة الأولى خلال ولايته إلى المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة، وهي صلاحية تسمح للأمين العام بأن يلفت انتباه مجلس الأمن إلى قضية يرى أنها تهدد السلم والأمن الدوليين، مطالبا المجلس بالتحرك لتجنب كارثة إنسانية وبوقف إطلاق النار.

لكن مجلس الأمن لم يعتمد يومها مشروع القرار الداعي إلى وقف إنساني فوري لإطلاق النار بسبب الفيتو الأمريكي. وهكذا ظهرت المفارقة في أوضح صورها؛ فالأمين العام يُقدِم على استخدام نادر لإحدى أقوى الأدوات السياسية التي يمنحه إياها الميثاق، لكن القرار النهائي يبقى في أيدي الدول الكبرى.

وظل غوتيريش لاحقا يدعو إلى وقف النار وإدخال المساعدات، ويتمسك بحل الدولتين، ويؤكد أن غزة يجب أن تبقى جزءا لا يتجزأ من دولة فلسطينية، وأن الضفة الغربية والقدس الشرقية وغزة يجب أن تظل موحدة في إطار حل سياسي يستند إلى القانون الدولي.

ولم يفت غوتيريش في جلسة لمجلس الأمن عام 2023 أن يشير إلى أن الشعب الفلسطيني يخضع لعقود من الاحتلال الخانق، مؤكدا أن "الهجمات التي تشهدها المنطقة لا تأتي من فراغ".

مصدر الصورة غوتيريش مع ترمب خلال الدورة 72 للأمم المتحدة في سبتمبر 2017 (الأوروبية)

المناخ والذكاء الاصطناعي

إذا كانت الحروب قد استنزفت جانبا كبيرا من ولايته، فقد حاول غوتيريش جعل المناخ القضية الأخرى الموازية لها.

ولم تكن لغته في هذا الملف دبلوماسية دائما، ففي يوليو/تموز 2023، وبعد تسجيل درجات حرارة قياسية عالميا، أعلن أن "عصر الاحترار العالمي" قد انتهى وأن العالم دخل ما يمكن وصفه بـ"عصر الغليان"، مطالبا الحكومات -خصوصا الاقتصادات الكبرى- بتسريع خفض الانبعاثات والتحول نحو الطاقة النظيفة.

مع اقتراب اجتماعات الجمعية العامة لعام 2026، عاد ليضع المناخ إلى جانب الذكاء الاصطناعي غير المنضبط واتساع عدم المساواة ضمن التهديدات الوجودية التي تتطلب تعاونا دوليا، في وقت وصف فيه المرحلة العالمية بأنها "عصر من عدم اليقين العميق".

سلطة بلا عصا

هل نختم بمحاولة تقييم أداء غوتيريش خلال 10 سنوات من الأمانة العامة للأمم المتحدة؟

ربما يجدر بنا أن نفهم طبيعة منصبه قبل أن نتحدث عن حصيلة إنجازه، فالرجل هو الرأس الإداري للمنظمة، يمكنه الحضور أمام هيئاتها والمشاركة في فعالياتها، كما يمكنه تعيين المبعوثين وحشد الرأي العام الدولي، بل تمنحه المادة 99 -كما أسلفنا- الحق في تنبيه مجلس الأمن إلى الأخطار التي تهدد السلم الدولي.

لكن الأمين العام لا يستطيع مع كل ذلك إصدار أمر إلى دولة بوقف حرب، ولا حتى فرض عقوبات عليها، كما لا يمكنه إرسال قوات للفصل بين المتحاربين.

فالمسؤولية الأساسية عن حفظ السلم والأمن الدوليين بيد مجلس الأمن بشكل حصري، وتحتاج القرارات الجوهرية فيه إلى 9 أصوات من أصل 15، وألا يستخدم أي من الأعضاء الـ5 الدائمين -الولايات المتحدة وروسيا والصين وفرنسا وبريطانيا- حق النقض ضدها.

أما إذا استخدمت دولة دائمة العضوية الفيتو، فالقرار سيتوقف حتما، مهما كانت رغبة الأمين العام أو غالبية الدول الأخرى.

إن أردنا اختصارا أكبر لهذا المنصب فسنقول إنه يتيح لصاحبه أن يدق الجرس، لكنه لا يمنحه دائما القدرة على إطفاء الحريق.

حصيلة العقد

وانطلاقا مما سبق، لا يمكن اختزال 10 سنوات لغوتيريش في وصف مطلق بالنجاح أو الفشل.

فالحروب بدأت أو توسعت في عهده لكنه لم يطلب ذلك، والتحولات المناخية تتفاقم رغم أنه يحذر منها ليل نهار، والاهتمام بالإنسان يتضاءل رغم كل الجهود.

لكن محدودية النتائج لا تعني أن عمل الأمم المتحدة ومؤسساتها عديم الأثر، بل يمكن بتفكير هادئ أن ندرك أن الوضع ربما كان أسوأ إذا لم توجد هذه المنظمة الدولية وغابت بالتالي قوتها المعنوية والأخلاقية.

أما عن غوتيريش نفسه فيدافع عنه ريتشارد غوان من مجموعة الأزمات الدولية قائلا إن صديقا برتغاليا أخبره عندما تولى غوتيريش منصب الأمين العام، أنه لم يكن معجبا به دائما رئيسا للوزراء، لكن العديد من قراراته وسياساته بدت صائبة عند النظر إليها بأثر رجعي.

ولذلك يعتقد غوان أن مسؤولي الأمم المتحدة والعالم قد يتوصلون إلى النتيجة نفسها بأثر رجعي، أو يندمون على أنهم لم يأخذوا تحذيرات غوتيريش على محمل الجد.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا