في يناير/كانون الثاني 2023، أدلت رئيسة الحزب اليميني المتطرف "البديل" أليس فايدل -بتصريحات بمناسبة مرور 10 أعوام على التأسيس -في مقابلة لوكالة الأنباء الألمانية- ركزت فيها على الاستعدادات لانتخابات محلية في 3 ولايات هي ساكسونيا أنهالت يوم 6 سبتمبر/أيلول 2026، ومكلنبورغ فوربومرن وبرلين في 20 من الشهر ذاته.
ولكن اللافت في هذه المقابلة لم يكن الانتخابات في حد ذاتها، لأن تحضيرات الحزب حولها وعلوّ شأنه في استطلاعات الرأي كان واضحا منذ بداية العام، بل التصريحات فُهمت في أوساط المراقبين على أنها استعدادات لما بعد الانتخابات وكأن رئيسة الحزب كانت تعرف مسبقا بأن حزبها سيربحها بأغلبية تضمن له إما الحكم بهذه الولايات أو على الأقل في إحداها.
وتقول فايدل "نعمل على برامج لتطوير وتدريب الكوادر من أجل أن نتمكن من تولي مسؤوليات حكومية (..) يجب علينا بناء ذلك بطريقة منظمة وإدارة الحزب وكأننا ندير شركة كبرى".
وبعد الحوار بعامين أي يوم 26 يونيو/حزيران 2025، تم تأسيس أكاديمية "أسود ـ أحمرـ ذهبي" (ألوان العلم الألماني) وبحسب السجل التجاري لحي "شارلوتنبورغ" ببرلين، فإن الأكاديمية مدرجة في السجل التجاري وتعرف نفسها بأنها أكاديمية "مختصة بتعليم الكبار والتدريب على المهارات اللازمة لممارسة الأنشطة السياسية والإدارية، سواء في إطار العمل الوظيفي أو التطوعي" علما بأن الأكاديمية لا تمتلك صفحة خاصة بها على الإنترنت، في حين لا يقدم "البديل" في موقعه أي معلومات بشأن المناهج الدراسية أو المشاركين أو إجراءات اختيار المهتمين بالالتحاق بها.
ووفق المجلة، فإن الأكاديمية تعمل من خلال برامجها التدريبية على إعطاء إجابات ممنهجة على أسئلة من بينها: كم عدد الموظفين الذين تحتاج إليهم أي وزارة؟ وماذا يستطيع الحزب أن يفعل عند تولي إدارتها مثل توزيع الموظفين والهيكل الإداري والإجراءات والقرارات؟ وكيف يمكن للحزب تسريع زيادة عدد كوادره خلال الأشهر القليلة المتبقية قبل انتخابات برلمانات الولايات الثلاث المذكورة؟
أما أهداف الأكاديمية فقد حددتها رئيسة الحزب -خلال مؤتمر الحزب في يوليو/تموز الماضي- بالحديث عن هدفين قائلة "أول الأهداف تدريب الكوادر المتخصصة لشغل المناصب في الصفين الثاني والثالث على المستوى الاتحادي. أما الهدف الثاني فهو إعداد فروع الحزب في الولايات بصورة إستراتيجية تتيح لهم تولي مسؤوليات حكومية.
ونقلت "فوكوس" عن غناوك قوله إن الأكاديمية تقدم المساعدة لجميع فروع الحزب بالولايات المختلفة، مضيفا إنه إذا كانت هذه الفروع بعد الانتخابات بحاجة إلى مدير مكتب أو كاتب خطابات أو مستشار متخصص في مجال معين "فيمكننا المساعدة".
وبحسب غناوك، فإن فروع حزب "البديل" ستكون من الناحية السياسية قادرة في حال تولت السلطة على توفير موظفين يشغلون مناصب الصف الأول والثاني. أما من الناحية الإدارية، فسيكون الوضع مختلفا، إذ يمكن للأكاديمية عندها تقديم المساعدة في ترشيح الكوادر وتوفيرها لمناصب الصف الثالث.
ويوجد لدى الأكاديمية أيضا سجل يضم أسماء الكوادر ومؤهلاتهم، وذلك بحسب تصريحات أدلى بها غناوك لصحيفة "فرانكفورتر ألغماينه" قائلا إن القيادة الاتحادية للحزب مستعدة لسيناريو إدارة شؤون الوزارات في حال احتاج مرشح الحزب لمنصب رئيس حكومة ولاية "سكسونيا أنهالت" أولريش زيغموند إلى موظفين إداريين مؤهلين.
وعلى المستوى الاتحادي، شكّل "البديل" أيضا مجموعة عمل للمشاركة في الحكومة وأنشأ لهذا الغرض وظيفتين جديدتين براتب إجمالي يبلغ 185 ألف يورو سنويا، وتهدف المجموعة إلى إعداد الحزب بشكل ممنهج لمواجهة تحديات وعقبات قد تظهر أمام مشاريع قوانين قد يطرحها الحزب على المستوى الاتحادي.
ويستعين "البديل" في تأهيل الموظفين اللازمين بخبرة حليفه النمساوي حزب "الحرية" الذي راكم على مدى عقود خبرات واسعة في مجال إدارة شؤون الحكم وتولي مسؤوليات حكومية.
فوفقا لتقارير متطابقة ظهرت في صحف نمساوية أهمها صحيفتا "زالسبورغر ناخرشتن" و"كرونن تسايتونغ" وقناة "أو آر إف" (ORF) بداية العام الجاري، فإن وفدا من "البديل" -كان على رأسه سيغموند مرشح الحزب بولاية سكسونيا أنهالت- أمضى في مدينة زالسبورغ النمساوية يومين وعقد اجتماعات مغلقة مع "الحرية" من أجل الاستفادة من خبرات الحزب في إدارة شؤون الدولة.
ولا يقتصر تأكيد الخبر على وسائل الإعلام المذكورة، بل أعلنه أيضا حزب "الحرية" في بيان على موقعه في الإنترنت. ووفق البيان، جاءت الزيارة في إطار تبادل الخبرات وتمثلت أبرز محطات الزيارة في عرض قدمته مارلينه سفاتسِك نائبة حاكم ولاية سالزبورغ حول الممارسة العملية للعمل الحكومي.
ونقل البيان عن سفاتسِك تأكيدها على أهمية الانفتاح على تبادل الخبرات بين القوى السياسية الشريكة بالمنطقة الناطقة بالألمانية (ألمانيا والنمسا وسويسرا). وبحسب الصحيفة الألمانية الاقتصادية "هاندلسبلات" شارك في أبريل/نيسان الماضي مسؤول حكومي سابق بوزارة المالية النمساوية عن حزب "الحرية" باجتماع إستراتيجي في برلين ضم قيادات بارزة من "البديل".
ونقلت الصحيفة عن سيباستيان مونتسينماير نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب "البديل" -الذي نظم الاجتماع- قوله إن الحزب يستفيد من "نصائح وخبرات الأصدقاء في النمسا الذين يعرفون كيفية إدارة مفاوضات الائتلاف بنجاح وإدارة الوزارات".
ويشير تقرير "فرانكفورتر ألغيماينه" إلى استعدادات مكثفة يجريها "البديل" لتولي إدارة سكسونيا أنهالت بما في ذلك تحديد ما بين 150 إلى 200 منصب بإدارة الولاية يعتزم الحزب إعادة شغلها.
ونقلت الصحيفة عن مرشح الحزب لمنصب رئيس حكومة الولاية قوله إن "البديل" يبحث بالفعل عن كوادر في مختلف أنحاء ألمانيا، مؤكدا استعداده لاستقدام موظفين مؤهلين من ولايات أخرى سواء شرق البلاد أو غربها.
وبحسب التقرير، فإن الحزب يبحث بصورة خاصة عن قانونيين وإن أكاديمية "أسود ـ أحمر ـ ذهبي" تحضر لإعداد كوادر لتولي المسؤوليات الحكومية، حيث يوجد سجل بأسماء الأشخاص ومؤهلاتهم.
ولكن الأخطر من ذلك ـيقول تقرير الصحيفةـ هو احتمال تعيين أشخاص في مناصب حكومية سبق لهم أن ارتبطوا بأوساط اليمين المتطرف، مشيرا إلى أن مدير الكتلة البرلمانية للحزب بولاية سكسونيا أنهالت ورئيس بلدية محلي كانا ناشطين في منظمة نازية محظورة، الأمر الذي علق عليه مرشح الحزب بالولاية زيغموند بالقول إن الشخصين ضمن "كوادر من الصف الأول" وإن معيار التعيين سيكون فقط الالتزام بالنظام الديمقراطي الحر.
صحيح أن هذه الاستعدادات وتأسيس أكاديمية خاصة لإعداد الكوادر ربما تدل على عدم جاهزية "البديل" لإدارة شؤون الحكومة سواء على المستوى المحلي أو الاتحادي، إلا أن الحزب بات لا يتعامل مع احتمال تولي الحكم باعتباره مجرد شعار انتخابي، بل يعمل منذ سنوات على بناء شبكة من الكوادر والخبرات التي تمكنه من إدارة مؤسسات الدولة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة