قبل عام واحد، راقب المجتمع الدبلوماسي الدولي بذهول كيف تحطمت البنية الهشة للوساطة في الشرق الأوسط. فقد شكل استهداف فريق التفاوض الفلسطيني في الدوحة -في اللحظة نفسها التي كان فيها الفريق يبحث بنشاط في مقترح لوقف إطلاق النار برعاية الولايات المتحدة– فشلا كارثيا للردع وانتهاكا بالغا للأعراف الدبلوماسية.
وبينما ركزت التعليقات الأولى على التداعيات التكتيكية للعملية بالنسبة للصراع، أو على الاعتداء العنيف على سيادة قطر، فإن التقييم المتزن بعد مرور 12 شهرا يكشف واقعا أكثر إثارة للقلق.
فلم تكن هذه الضربة مجرد هجوم غير مبرر على قطر، ولم تكن مجرد محاولة للقضاء على خصم في المفاوضات، بل كانت ضربة مباشرة ومدمرة للمصالح الإستراتيجية للولايات المتحدة، واعتداء على مؤسسة الوساطة ذاتها.
فمن خلال السماح بتحويل طاولة المفاوضات إلى هدف عسكري، أضرت حكومة نتنياهو بأداة دبلوماسية تحتاج إليها واشنطن اليوم أكثر من أي وقت مضى.
وفي أعقاب الأزمة، ألقت الاعتذارات اللاحقة والمسارعة إلى إصدار ضمانات أمنية أمريكية ضوءا ساطعا على حقيقة أساسية في فن إدارة شؤون الدول: لا يمكن التعامل مع أمن الوسيط باعتباره تفصيلا هامشيا أو تنازلا ثانويا، إنه الشرط الأساسي المطلق لفاعلية الدبلوماسية الأمريكية.
فلا جدوى في نهاية المطاف، من الدعوة إلى مفاوضات معقدة وعالية المخاطر إذا كانت الدولة المضيفة تفتقر إلى حماية مضمونة، تحول دون تحول عملية التفاوض نفسها إلى فخ قاتل.
ونحن نستعيد أحداث العام الماضي، يتعين علينا أن نفحص بصورة نقدية العبء الاستثنائي الذي غالبا ما لا يحظى بالاعتراف الكافي، والذي تتحمله قطر، والاعتماد الهيكلي للسياسة الخارجية الأمريكية على مثل هؤلاء الوسطاء، والحاجة الملحة إلى إنشاء ملاذات غير قابلة للانتهاك للدبلوماسية الدولية.
إن تعرض فريق تفاوض لهجوم أثناء مراجعته وثيقة أمريكية، وفي أراضي حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي، يبعث برسالة مقلقة إلى أي طرف مستقبلي قد يفكر في المشاركة في مبادرة سلام ترعاها الولايات المتحدة
لفهم الأثر العميق لضربة الدوحة، يجب أولا تفكيك المنطق المعيب الذي سعى إلى تبريرها، ففي أعقاب العملية مباشرة، صور مؤيدوها الأمر من منظور عسكري ضيق باعتباره عملية لتحييد شخصيات سياسية رئيسية، وممارسة أقصى قدر من الضغط على جهة فاعلة من غير الدول.
وهذا التصور الشائع لدى أولئك الذين يخلطون بين النجاح التكتيكي للقوة العسكرية والنصر الإستراتيجي، تجاهل تماما السياق الأوسع للمحادثات، إذ لم يكن الوفد الفلسطيني يعمل في فراغ، بل كان موجودا في الدوحة بناء على طلب صريح من جهات دولية ميسرة، من أجل تقييم إطار صُمم وصُقل وقُدم من البيت الأبيض.
وعندما تستهدف دولة مفاوضين في مثل هذه الظروف، فإن الرسالة التي تبعث بها إلى العالم ليست رسالة قوة، بل رسالة تحدٍ منهجي للعملية الدبلوماسية. فالضربة لم تسرع التوصل إلى حل، بل جمدت قنوات الاتصال، وشددت مواقف الأطراف المتنازعة، وأحرجت بشدة الجهات الدولية التي أمضت أشهرا في إقناع الأطراف بالجلوس إلى طاولة المفاوضات.
ومن خلال تحويل منطقة آمنة مخصصة للدبلوماسية إلى ساحة حرب، حطم الهجوم العنصر الأساسي لأي مفاوضات: ألا وهو الحد الأدنى من الثقة اللازمة للجلوس في غرفة واحدة والتحدث.
وفوق ذلك، قوضت الضربة بشدة مصداقية الولايات المتحدة بوصفها ضامنا للعمليات الدبلوماسية، فعندما تدعو واشنطن الأطراف إلى المشاركة في إطار مدعوم أمريكيا، فإنها تضع ضمنيا سمعتها الخاصة على المحك فيما يتعلق بسلامة ذلك الإطار ونزاهته.
وبالتالي فإن تعرض فريق تفاوض لهجوم أثناء مراجعته وثيقة أمريكية، وفي أراضي حليف رئيسي من خارج حلف شمال الأطلسي، يبعث برسالة مقلقة إلى أي طرف مستقبلي قد يفكر في المشاركة في مبادرة سلام ترعاها الولايات المتحدة؛ لأن ذلك أظهر أن الغطاء الدبلوماسي الأمريكي قابل للاختراق، وأن القرب من مقترح أمريكي لا يوفر أي حماية من التعرض للتصفية المفاجئة.
إن درس العام الماضي واضح: عندما تتعرض بنية الوساطة للهجوم، يخسر الجميع، تخسر الولايات المتحدة خياراتها الإستراتيجية، وتخسر المنطقة استقرارها، ويخسر العالم طريقه للخروج من دوامة الحرب الدائمة
فرضت أحداث العام الماضي مراجعة طال انتظارها للدور الفريد والهش الذي تؤديه دولة قطر في العلاقات الدولية المعاصرة، إذ طورت الدوحة على مدى عقود، سياسة خارجية متخصصة للغاية تتمحور حول وساطة النزاعات، وأصبحت جسرا حيويا بين أطراف شديدة الاستقطاب.
غير أن هذا الدور يأتي بتكلفة استثنائية، إذ يعرض الدولة الخليجية الصغيرة لاحتكاكات جيوسياسية هائلة، وتدقيق خارجي مكثف، ومخاطر مباشرة على أمن أراضيها.
وتنبع القيمة الدبلوماسية لقطر من استعدادها لاستضافة قنوات اتصال تفتقر إليها واشنطن، إذ تواجه الولايات المتحدة، بسبب القيود القانونية الداخلية والضغوط السياسية والعداوات التاريخية، عقبات في التواصل مع بعض الجهات الحكومية وغير الحكومية في أنحاء الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.
وسواء تعلق الأمر بحركة طالبان، أو بفصائل فلسطينية مختلفة، أو بوسطاء إيرانيين، تعتمد واشنطن بصورة منتظمة على الدوحة لتؤدي دور شريكها الدبلوماسي، الذي يوفر المساحة المادية، والبنية التحتية الآمنة للاتصالات، والجهاز الدبلوماسي المتمرس والموثوق، وهي أمور ضرورية لإبقاء شرايين الاتصال الحيوية هذه مفتوحة.
وهذا ليس دورا سلبيا ولا مريحا، لأن قطر تتحمل، من خلال استضافة مكاتب سياسية ووفود تعتبرها أطراف غربية مختلفة جهات منبوذة، تبعات الارتدادات الجيوسياسية، وكثيرا ما تتعرض لانتقادات سيئة النية من معلقين وسياسيين يخلطون عمدا بين استضافة قناة دبلوماسية وبين تأييد أيديولوجية معينة.
ويتجاهل هذا الخطاب حقيقة أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة طلبت صراحة استخدام هذه القنوات نفسها واستفادت منها لتأمين إطلاق سراح رهائن أمريكيين، وإدارة التصعيدات الإقليمية، والتفاوض بشأن عمليات انسحاب معقدة للقوات.
وأهم من ذلك أن الضربة التي وقعت قبل عام أثبتت أن التزام قطر بالوساطة ينطوي على مخاطر مادية ملموسة، إذ تعرض الدولة أراضيها السيادية، من خلال إبقاء أبوابها مفتوحة أمام الدبلوماسية، لامتداد صراعات بعيدة عنها.
ومع ذلك، ورغم الصدمة العميقة التي أحدثتها ضربة الدوحة، لم تغلق قطر أبوابها ولم تنكفئ على نفسها، ففي خضم الأزمة، ومع اقتراب المنطقة من شفا اندلاع صراع أوسع، لجأت واشنطن وحلفاؤها إلى الدوحة مرة أخرى لإعادة فتح الباب، وترميم خيوط الاتصال التي تمزقت، واستئناف العمل الشاق للوساطة.
ويمثل هذا الإصرار في مواجهة تهديدات مباشرة للأمن القومي شكلا من أشكال الشجاعة الدبلوماسية التي كثيرا ما يتعامل معها المجتمع الدولي باعتبارها أمرا مفروغا منه.
قطر تتحمل، من خلال استضافة مكاتب سياسية ووفود تعتبرها أطراف غربية مختلفة جهات منبوذة، تبعات الارتدادات الجيوسياسية، وكثيرا ما تتعرض لانتقادات سيئة النية من معلقين وسياسيين يخلطون عمدا بين استضافة قناة دبلوماسية وبين تأييد أيديولوجية معينة
إن أهم تحول فكري يجب أن يحدث في أعقاب ضربة الدوحة يتعلق بالطريقة التي ينظر بها المجتمع الدولي إلى أمن الوسيط.
فقد جرى تقليديا التعامل مع سلامة الدولة المضيفة والوفود التي تستضيفها باعتبارها مسألة هامشية، أو تفصيلا لوجيستيا تتولى أجهزة إنفاذ القانون المحلية إدارته، أو أمرا يُفترض وجوده ضمن المظلة العامة للمجاملة الدولية، لكن أزمة العام الماضي تحدت هذا الافتراض بصورة جوهرية.
وقد كشفت الحملة الدبلوماسية المحمومة التي أعقبت الهجوم -والتي شملت اعتذارات أمريكية رفيعة المستوى وغير مسبوقة، وتبادلا مكثفا للمعلومات الاستخباراتية، وضمانات أمنية صريحة وملزمة لقطر- أن أمن الوسيط يمثل في الواقع شرطا هيكليا أساسيا لمنظومة الدبلوماسية العالمية بأكملها.
ومن دون ضمانات سلامة قوية وراسخة تحظى باحترام عالمي، ينهار تماما الهيكل الذي تقوم عليه أي عملية سلام.
وإذا تأملنا الآليات الأساسية للمفاوضات الدولية، نجد أن الوساطة تتطلب بيئة تستطيع فيها الأطراف الدخول في تسويات حساسة وغير شعبية إلى حد بعيد، بعيدا عن الضغوط المباشرة لساحة المعركة.
كما تتطلب أجواء يستطيع فيها المفاوضون تلقي المقترحات المعقدة ومناقشتها والرد عليها دون الخوف الوشيك من الاغتيال، فإذا كانت الدولة المضيفة عاجزة عن ضمان أن تكون طاولة المفاوضات بمنأى عن الاستهداف العسكري، تصبح العملية برمتها عبثية.
وسيرفض المفاوضون السفر، وسترفض الدول المضيفة توفير أماكن للمفاوضات، وستكون الآلية الوحيدة المتبقية لحل النزاعات هي العنف الشامل غير المقيد.
إن الضمانات الأمريكية التي قدمت للدوحة في أعقاب الضربة لم تكن مجرد بادرة حسن نية لتهدئة شريك مستاء، بل كانت محاولة يائسة لإنقاذ قابلية السياسة الخارجية الأمريكية للاستمرار.
فإذا قررت قطر أن مخاطر استضافة هذه القنوات تفوق فوائدها الإستراتيجية، فستخسر الولايات المتحدة فورا أكثر أدواتها الدبلوماسية فاعلية لكبح الأزمات في المنطقة.
وستجد واشنطن نفسها، في لحظات الأزمات الحادة، أشبه بمن فقد حاستي البصر والسمع وظيفيا، عاجزة عن إيصال رسائل عاجلة لخفض التصعيد أو التفاوض على إطلاق سراح مواطنيها، ومن ثم فإن حماية قطر تعني في جوهر الأمر، حماية القدرة التشغيلية للدبلوماسية الأمريكية.
وهناك بنية متعددة الأطراف للوساطة الحديثة يجب بناؤها والحفاظ عليها والدفاع عنها بقوة، ويجب على الوسطاء توفير مناطق دبلوماسية آمنة تعزل أطراف التفاوض عن ساحات القتال النشطة، مع الحفاظ في الوقت نفسه على خطوط اتصال مباشرة مع عواصمهم.
كما يجب أن يعمل الوسيط بوصفه مستودعا محايدا للمقترحات، بما يضمن نقل الترجمات والتعريفات والالتزامات بدقة، دون تشويه أيديولوجي أو تأويل قائم على التمني، كما شهدنا في عمليات وساطة أخرى خلال السنوات الأخيرة.
ويجب على الوسيط أن يوفر منطقة عازلة سياسية، تمتص التكاليف السياسية الداخلية والدولية للانخراط، وتتيح للحكومات المعادية التواصل دون الاضطرار إلى تحمل التداعيات الإعلامية والسياسية الفورية التي تصاحب التنازل الثنائي المباشر.
ولا يمكن لأي من ذلك أن يعمل بفاعلية من دون إنشاء ملاذ غير قابل للانتهاك والحفاظ عليه والدفاع عنه.
كشفت الحملة الدبلوماسية المحمومة التي أعقبت الهجوم -والتي شملت اعتذارات أمريكية رفيعة المستوى وغير مسبوقة، وتبادلا مكثفا للمعلومات الاستخباراتية، وضمانات أمنية صريحة وملزمة لقطر- أن أمن الوسيط يمثل في الواقع شرطا هيكليا أساسيا لمنظومة الدبلوماسية العالمية بأكملها
وفي الوقت الذي نتأمل فيه دروس هذه الذكرى السنوية، يتطلب الطريق إلى الأمام رفضا حاسما للعسكرة قصيرة النظر التي قادت إلى ضربة الدوحة.
ويجب على المجتمع الدولي بقيادة الولايات المتحدة، أن يعمل على تقنين وتعزيز قاعدة الحصانة الدبلوماسية، وينبغي النظر إلى الأماكن المخصصة لصنع السلام بالقدر نفسه من الاحترام القانوني والأخلاقي الذي تحظى به المستشفيات، ومواقع التراث الثقافي، والممرات الإنسانية.
وبالنسبة للولايات المتحدة، يتطلب ذلك التزاما متجددا بالاتساق المؤسسي، فلا تستطيع واشنطن أن تتجاهل انتهاك حلفائها لحرمة الأماكن الدبلوماسية، كما لا يمكنها السماح للاستعراضات السياسية الداخلية بأن تقوض الشراكات الحيوية التي تجعل الوساطة العالمية ممكنة.
إن درس العام الماضي واضح: عندما تتعرض بنية الوساطة للهجوم، يخسر الجميع، تخسر الولايات المتحدة خياراتها الإستراتيجية، وتخسر المنطقة استقرارها، ويخسر العالم طريقه للخروج من دوامة الحرب الدائمة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة