في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
لم تكن رحلة التخييم التي قام بها زوجان روسيان في الريف السويدي مجرد نزهة صيفية عادية، فالرقعة التي اختاراها تقع تماما بجوار منزل ميكائيل جوهانسون، المدير التنفيذي لشركة "ساب" (Saab) السويدية للصناعات الدفاعية، وهي الشركة المسؤولة عن تصنيع مقاتلات "غريبن" المقرر إرسالها إلى أوكرانيا.
ورغم ادعاء الزوجين بأنهما ناشطان معارضان، فإن العثور بحوزتهما على أجهزة لاسلكي طويلة المدى استدعى تدخلا أمنيا سريعا انتهى بأمرهما بترك البلاد في أغسطس/آب الماضي.
هذه الحادثة لم تُقرأ على أنها مصادفة غريبة، بل وُضعت بوصفها تجسيدا حيا لواقع جديد يعانيه قادة الصناعات الدفاعية والأمنية ودولهم على حد سواء، حيث تتحول المراقبة وجمع المعلومات من مجرد أنشطة تجسس تقليدية إلى مرحلة تمهيدية لعمليات ضغط وتخريب هجينة تستهدف شل الدعم العسكري لأوكرانيا.
تشهد السويد نقطة تحول أمنية حادة مع تكثيف أجهزة الاستخبارات الروسية أنشطتها ومحاولاتها اختراق القطاعات الحساسة -وفقا لتقارير غربية- مستهدفة التكنولوجيا الغربية والأسرار الدفاعية.
ولا يقتصر هذا النشاط على التجسس التقليدي، بل يمتد إلى شبكات معقدة تهدف لوضع اليد على التكنولوجيا المتقدمة وتطبيقاتها العسكرية، ووفقا لما صرح به 3 مسؤولين استخباريين أوروبيين بارزين لوكالة "أسوشيتد برس" فإن أجهزة الاستخبارات الروسية زادت من حدة عدوانيتها في سعيها للحصول على التكنولوجيا الغربية والأسرار الدفاعية، في وقت تضغط فيه العقوبات على اقتصاد الحرب في البلاد، وفق حديثهم.
يتفق رئيس العمليات في جهاز الأمن السويدي، كريستوفر فيديلين، مع هذا التوجه مشيرا إلى أن الروس "يعرفون تماما ما يحتاجون إليه"، ويبذلون "جهودا جادة" للحصول على أدوات الآلات المتقدمة، ومعدات المصانع، والبحوث، والتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج.
تتوزع الأهداف الروسية داخل الأراضي السويدية على عدة مستويات حيوية، تشمل صناعة الدفاع والبحوث المتقدمة المتعلقة بأحدث أسلحة البلاد، مثل مقاتلات "غريبن" (Gripen).
كما تحاول الحصول على تكنولوجيا الكاميرات والليزر المُطورة لأغراض مدنية لتدمجها في أنظمة الأسلحة الروسية، وفق حديث فيديلين.
وفي مايو/أيار، ألقت الشرطة السويدية القبض على شخصين بشبهة انتهاك العقوبات المتعلقة بشركة في تركيا قامت بشحن عشرات الشحنات من آلات تشغيل وتشكيل المعادن إلى روسيا.
وقال فيديلين إنه مع تزايد تعقيد مخططات الحصول على التكنولوجيا، يجب على الشركات أن تكون أكثر وعيا باحتمالية أن تصبح دون قصد جزءا من سلاسل إمداد الحرب الروسية، مضيفا أن جميع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في روسيا تساهم في جهود الدولة للحصول على هذه التكنولوجيا.
وأضاف فيديلين أن موسكو تشن أيضا هجمات سيبرانية ضد شركات أوروبية وبنى تحتية حيوية بهدف جمع معلومات يمكنها استغلالها "عندما تتاح لها الفرصة وبما يخدم أهدافها"، مشيرا إلى هجوم استهدف محطة كهرباء سويدية العام الماضي.
وأوضح فيديلين أن جهات مرتبطة بروسيا حاولت "تدمير" المحطة، لكنها فشلت لأن النظام اكتشف التسلل، وقبل ذلك، كانت الأجهزة الأمنية السويدية تلاحظ في الغالب عمليات استطلاع لهجمات محتملة، أو جمع معلومات، أو أنشطة مرتبطة بجرائم سيبرانية، لكن هذا الهجوم مثّل "تحولا" في أسلوب عمل روسيا.
والتحول الكبير الذي أشار إليه مسؤولو الاستخبارات هو أن روسيا لم تعد تبالي بانكشاف أمرها، بل باتت تخوض مخاطر أكبر لتحقيق أهدافها.
رغم أن السويد ربما لا تبدو الهدف الأول المباشر لروسيا مقارنة بدول أخرى، فإن التحذيرات الاستخباراتية تؤكد أن الكرملين قادر على تغيير أولوياته وتحديد أهداف سويدية حيوية بسرعة فائقة، خاصة مع استمرار تدفق المساعدات العسكرية إلى كييف.
وتتضح معالم المخاوف في السويد من تصريحات رئيس جهاز الاستخبارات والأمن العسكري في البلاد الذي قال إن بلاده تواجه "تهديدا مرتفعا" مرتبطا بالحرب الهجينة الروسية التي تستهدف الدعم المقدم لأوكرانيا.
وقال توماس نيلسون إن روسيا تشن حربا هجينة متقدمة ضد دول حلف شمال الأطلسي ( الناتو)، بما في ذلك السويد، بهدف خلق حالة من عدم الاستقرار، وتقسيم الحلفاء، وجعل هذه البلاد غير آمنة إلى جانب وقف الدعم لأوكرانيا.
وجاءت تصريحاته بعد اجتماع مجلس الأمن القومي السويدي يوم الأربعاء لمناقشة طائرة مسيرة مفخخة بالمتفجرات تم اكتشافها في مطار لايبزيغ/هاله الألماني في أغسطس/آب، وهو حادث نسبته السلطات الألمانية إلى روسيا.
وصف نيلسون الحادث بأنه هجوم هجين رفع مستوى التهديد إلى "مستوى أكثر خطورة"، مشيرا إلى أن الطائرة المسيرة مسلحة بالمتفجرات، لذا يمكن الافتراض أن النية كانت أن تنفجر.
وقال المسؤولون لوكالة "أسوشيتد برس" إن عملاء موسكو يؤسسون شركات وهمية، ويجندون وسطاء، وينشرون جواسيس سيبرانيين ومخترقين يجمعون معلومات قد تُستخدم أيضا للهجوم على البنية التحتية الرئيسية.
وفي الوقت الذي تشن فيه القوات الروسية حربا وصلت إلى طريق مسدود ضد أوكرانيا، فوفقا لصحيفة فايننشال تايمز، يشن الوكلاء وأجهزة الاستخبارات الروسية منذ العامين الماضيين حربا سرية من العدوان على الأراضي الأوروبية، تتمثل في نشر المضللات، وإطلاق الهجمات السيبرانية، وإحراق المستودعات بالقنابل الحارقة، واستهداف منازل وسيارة السياسيين، وقطع أو إتلاف الكابلات تحت البحر.
ومثل هذه الأنشطة تُعد نموذجية لما يطلق عليه عسكريا بـ"النزاع الهجين"، وبحسب فايننشال تايمز تتضمن أفعالا قابلة للإنكار وغالبا ما تكون منخفضة التكلفة، ينفذها جواسيس أو يتم إسنادها لمصادر خارجية إلى أطراف أخرى، ومصممة لزعزعة استقرار المجتمعات مع البقاء دون عتبة الغزو أو الهجوم المسلح التقليدي.
أما على صعيد الرؤساء التنفيذيين في الغرب، فقد شهدت العقود الأخيرة حالة نسبية من الأمان بالنسبة لهم، بعيدا عن التهديدات الأمنية المباشرة، وهو ما جعل حادثة مقتل مدير تنفيذي لشركة رعاية صحية في مانهاتن عام 2024 حدثا صادما للمجتمع الدولي.
بيد أن المشهد الأوروبي اليوم يتجاوز حدود الحوادث الفردية ليواجه نمطا منظما من التهديدات العابرة للحدود، فالتحركات المشبوهة الأخيرة في السويد تأتي بالتوازي مع تصاعد خطير في طبيعة الأنشطة الاستخباراتية الروسية داخل القارة.
ولم تعد الأنشطة الروسية تقتصر على جمع المعلومات أو التجسس الصناعي، بل أصبحت المراقبة الميدانية مرحلة تمهيدية صريحة لمخططات اغتيال وتخريب، كما تتضح المعالم في عدة شواهد أوروبية بعد أن كُشف النقاب عن مخطط روسي لاغتيال شتيفان تومان، المدير التنفيذي لشركة "دوناوستاهل" المُصنعة للطائرات المسيرة، حيث أُلقي القبض على شخصين بعد ثبوت تورطهما في رصد ومراقبة منزل تومان ومقر الشركة وتصويرهما.
وقبل عامين كشفت أجهزة الاستخبارات الأوروبية مخططا استهدف أرمين بابيرغر، المدير التنفيذي لعملاق الصناعات الدفاعية الألماني "راينميتال".
دفعت هذه التحركات الأجهزة الأمنية في عدة دول أوروبية إلى إصدار توجيهات صارمة لشركات الدفاع بضرورة رفع درجات الحماية وتأمين الرؤساء التنفيذيين شخصيا.
ويُظهر هذا التحول أن الإستراتيجية الروسية لا تكتفي بالسعي نحو جمع البيانات، بل تعتمد عنصر الترهيب بوصفه أداة هجينة لإرباك سلاسل التوريد، وإجبار القادة الصناعيين على تقليص دعمهم العسكري لأوكرانيا، وفقا لتحليلات صحيفة فايننشال تايمز .
باتت المخاوف الأمنية عابرة للحدود لتشكل أزمة إستراتيجية جديد أربكت عواصم القرار الأوروبي، إذ حذر مسؤولون دفاعيون واستخباريون من أن أوروبا تفشل في ردع الحرب "الهجينة" التي تشنها روسيا ضد القارة، وأنه يتوجب عليها تطوير أساليب جديدة بسرعة لكبح حملة موسكو ضد الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) أو المخاطرة بالتصعيد مع الكرملين.
وكشفت الأحداث الأخيرة عن أن جمع المعلومات كان مرحلة تمهيدية لتنفيذ مخططات هجومية وتخريبية متقدمة، برزت معالمها في إحباط هجوم استهدف مطار لايبزيغ/هاله الشهر الماضي باستخدام طائرة مسيرة محملة بمتفجرات من الدرجة العسكرية.
وسلطت هذه الحادثة -وفقا لصحيفة فايننشال تايمز- الضوء على مستوى الإفلات الروسي من العقاب فيما يتعلق بأسلوبها العدائي تجاه الناتو، وفشل أساليب الردع الحالية، مضيفين أن الرد يتطلب عملا جماعيا من العواصم الأوروبية.
وأقر مسؤول دفاعي غربي بارز بأن هذه البُلدان لا تفعل ما يكفي لردع الاستفزازات، غير أنها توفر ردعا كافيا لمنع التصعيد الروسي التقليدي والنووي، مشيرا إلى الحاجة الماسة إلى إعادة التفكير في النهج المتبع تجاه الحرب الهجينة.
ووصف الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، الأسبوع الماضي، روسيا بالدولة الطائشة على نحو متزايد.
وقال مسؤول غربي بارز ثانٍ إن هجوم لايبزيغ، الذي نسبته برلين رسميا الأسبوع الماضي إلى روسيا، يُنظر إليه على أنه نقطة تحول وكان له "تأثير جاد جدا جدا" على عواصم الناتو الأوروبية، مؤكدا أن المناقشات "على أعلى المستويات" كانت مستمرة لإعداد رد طويل الأجل ومستدام.
وقال مسؤول رفيع في إحدى دول حلف شمال الأطلسي (الناتو) الواقعة على خط المواجهة مع روسيا إن بلاده تلاحظ مؤشرات واضحة على تصاعد النشاط الروسي إلى مستويات غير مسبوقة، ورأى أن ذلك يعكس زيادة في جرأة موسكو واستعدادها لتحمل مخاطر أكبر.
وأضاف المسؤول أن روسيا دأبت على تنفيذ ما تُعرف بالهجمات التي تبقى "دون عتبة" الرد المباشر، وهو ما سمح لها تدريجيا بتوسيع نطاق تحركاتها واختبار حدود ردود الفعل الغربية، مؤكدا أنه "لا ينبغي السماح لهذا السلوك بأن يتحول إلى أمر اعتيادي أو معيار جديد".
ويرى خبراء أن تأخر ألمانيا 4 أسابيع قبل تحميل روسيا مسؤولية الهجوم الذي وقع في لايبزيغ يُعد مثالا على التردد الغربي في توجيه اتهامات مباشرة لموسكو، وهو ما قد يُفسَّر في روسيا على أنه ضعف في الردع ويشجعها على مواصلة أنشطتها وحملاتها المماثلة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة