يشكل إعلان مظلوم عبدي في 25 أغسطس/آب الماضي حل "قوات سوريا الديمقراطية" (قسد)، واندماجها في مؤسسات الدولة السورية، أكثر من مجرد تسوية بين الحكومة السورية وتنظيم مسلح خارج عن سلطتها. فاستكمال تنفيذ الاندماج على الأرض وفق اتفاق 29 يناير/كانون الثاني الماضي، لا يعني إنهاء وجود قوة مسلحة مستقلة فقط، بل يعني أيضا استعادة الدولة السورية الجديدة سيادتها على مناطق واسعة في شمال شرقي سوريا الغنية بالموارد الطبيعية والزراعية.
كما يشكل حل "قسد" و"الإدارة الذاتية" واندماجهما في الدولة السورية خطوة هامة لاستقرارها، بالنظر إلى أثرها الكبير في إعادة رسم موازين القوى داخل سوريا وحولها، واعتبارها نموذجا سوريا يحتذى، لذلك اتجهت الأنظار إلى المناطق التي تسيطر عليها مجموعات ما يسمى "الحرس الوطني" في السويداء التابعة للشيخ حكمت الهجري، وتعتبرها الحكومة مجموعات خارجة عن القانون.
جاء الإعلان نتيجة مسار طويل من النقاشات والمفاوضات والاتفاقات، ولم يخل الأمر من فترات شهدت تصعيدا ومواجهات. وسبقه اتخاذ العديد من الإجراءات الحكومية التي تهدف إلى ضمان حقوق الأكراد السوريين.
وكان أهمها المرسوم الرئاسي رقم 13، الذي أصدره الرئيس السوري أحمد الشرع في 16 يناير/كانون الثاني 2026، وأعاد للأكراد السوريين حقوقهم الثقافية والقانونية التي حرموا منها طوال عقود طويلة، وضمان دمجهم داخل مؤسسات الدولة الحكومية والإدارية؛ بغية معالجة جذور المشكلة المزمنة.
كما اتخذت القيادة السورية خطوات جادة، من أجل التوصل إلى حل سياسي مع "قسد"؛ تجنبا لإراقة دماء السوريين، وذلك على الرغم من الضغوط الداخلية والإقليمية التي كانت تدعو إلى الحسم العسكري.
يبدو أن الهجري يخشى أن تفضي المفاوضات السورية الإسرائيلية إلى تفاهم يرغمه على العودة إلى حضن دمشق، بعد تخلي إسرائيل عنه، لذلك لجأ إلى التصعيد في حدة خطابه
غير أنه في اليوم الذي أعلن فيه مظلوم عبدي حل "قسد" و"الإدارة الذاتية"، ظهر حكمت الهجري في تسجيل مصور يلقي خطابا سار فيه بالاتجاه المعاكس تماما. وساق فيه ادعاءات مثيرة للجدل، اعتبر فيها أن "الموحدين الدروز مشتركون مع دولة إسرائيل حتى في العقيدة، وهم جزء لا يتجزأ من هذه الدولة".
كما تحدث عن مستقبل محافظة السويداء، التي يسميها "دولة جبل الباشان"، وجدد تأكيده على حقها في تقرير المصير والانفصال عن سوريا.
لا يشي تزامن الحدثين بوجود علاقة مباشرة بينهما، لكنهما يشيران إلى مفارقة لافتة ما بين خطوة حل "قسد" الاندماجية في الدولة السورية، واستمرار مساعي الهجري الطامحة للانفصال عن الجسد السوري.
تدخل تصريحات الهجري التصعيدية في إطار التوظيف السياسي، كونها جاءت بعد اجتماع عقد في عمان في 23 أغسطس/آب، وبوساطة أمريكية، بين وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني ورئيس جهاز الموساد رومان غوفمان، وذلك في سياق محاولة لخفض التصعيد الإسرائيلي وإعادة فتح مسار تفاوضي بين دمشق وتل أبيب.
أراد الهجري استخدام تصريحاته وسيلة للضغط على الحكومة السورية، سعيا منه لإدراج السويداء في أي اتفاق أمني مستقبلي سوري مع إسرائيل، وذلك من خلال تقديم ورقة إضافية لإسرائيل، كي تعزز موقفها التفاوضي مع سوريا.
ويبدو أن الاتجاه في المفاوضات التي جرت يطالب إسرائيل بعدم تدخلها في الشؤون الداخلية السورية، وهو مطلب يرتبط مباشرة بوضع محافظة السويداء.
قد يكون مرجحا في المدى القريب أن يعاد النظر بوضع هذه المحافظة من خلال خارطة الطريق التي تم التوصل إليها في 16 سبتمبر/أيلول 2025 برعاية أمريكية وأردنية، وبما يضمن تمثيل بعض القيادات المحلية الأمنية والعسكرية والإدارية، من دون أن يعني ذلك أي وضع انفصالي.
تحدثت بعض التقارير الإعلامية عن أن إسرائيل طلبت مؤخرا من الشيخ حكمت الهجري التهدئة، عبر قيادات درزية داخل إسرائيل، الأمر الذي يخالف تصريحات الهجري.
كما برزت مؤشرات تقارب بطيء في الآونة الأخيرة، جسدتها الاتصالات بين الحكومة السورية وفعاليات في السويداء، وكشفت عن عودة تدريجية لمؤسسات الدولة السورية من خلال تواصل دوائر إدارية في السويداء مع الوزارات في دمشق، إلى جانب مواصلة محافظ السويداء عقد اجتماعات مع رؤساء الوحدات الإدارية ومناقشة موازنات عام 2027، وتلبية احتياجاتها الخدمية، ما يعني إنهاء القطيعة الإدارية في القطاعات الأساسية، مثل التعليم والصحة والمياه والسجل المدني.
وعينت وزارة التربية نائب مدير التربية في السويداء، اعترضت عليه المجموعات المسلحة التابعة للهجري. إضافة إلى استمرار الحكومة السورية في صرف أجور ومستحقات الموظفين في المحافظة، وتأمين وصول المواد الغذائية والمساعدات الإنسانية.
الرهان لا يزال معقودا على الحوار بوصفه المدخل الأساس للخروج من الأزمة، وتجاوز الحلول الصفرية نحو مسار يربح فيه الجميع في سوريا، عبر مبادرة وطنية يشارك فيها المجتمع والدولة معا
تدل هذه المؤشرات على أن المسار الانفصالي، على الأقل على المستوى الإداري والخدمي، الذي سار فيه حكمت الهجري، لم يتمكن من التحول إلى بديل عن مؤسسات الدولة السورية، لذلك ارتفعت أصوات بضرورة مراجعة هذا المسار والنظر في ممكنات تطبيق نموذج "قسد" على السويداء.
يبدو أن الهجري يخشى أن تفضي المفاوضات السورية الإسرائيلية إلى تفاهم يرغمه على العودة إلى حضن دمشق، بعد تخلي إسرائيل عنه، لذلك لجأ إلى التصعيد في حدة خطابه.
ما يزيد من احتمال تغير الموقف الإسرائيلي من السويداء هو ما قد تحمله الانتخابات التشريعية الإسرائيلية المقررة في 27 أكتوبر/تشرين الأول المقبل، حيث ترجح التوقعات خسارة التحالف القائم، وربما خسارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو رئاسة الحكومة لصالح منافسه رئيس أركان الجيش السابق غادي آيزنكوت، الذي يتقدم عليه في استطلاعات الرأي. والمعروف عن آيزنكوت أنه مع إبرام اتفاق أمني مع سوريا، الأمر الذي سيؤثر على الموقف الإسرائيلي من ملف السويداء.
لم يصدر عن الحكومة السورية أي تعليق رسمي على تصريحات الهجري، لكن مستشار الرئيس السوري للشؤون الإعلامية أحمد زيدان، اعتبر أن تصريحات الهجري بشأن ضم السويداء إلى إسرائيل لا تعكس واقع سوريا الجديدة، وأكد أن نجاح مسار حل "قسد" يمثل رسالة سياسية واضحة بأن سوريا لن تتنازل عن ذرة من ترابها.
شهد الوضع في السويداء في الآونة الأخيرة تصاعدا في العنف واشتباكات بين المجموعات المسلحة، الأمر الذي أثار حالة من التذمر والتململ لدى أبنائها. وزاد من هذه الحالة منع "الحرس الوطني" تلاميذ الشهادتين الإعدادية والثانوية من الذهاب إلى مراكز الامتحانات، لكن الحالة لم تتطور إلى احتجاجات، وهو ما يفسر بحالة الخوف من المسلحين.
ومع ذلك، برزت مطالبات بضرورة إبعاد التعليم والطلبة عن التوظيف السياسي، خاصة أن هناك أكثر من 13 ألف طالب في محافظة السويداء بحاجة إلى استكمال تعليمهم والحصول على شهاداتهم.
لم يعد المشهد في السويداء يتوقف على الخلاف بين الحكومة والقوى المحلية المسيطرة عليها، بل بات يعكس تناقضا بين اتجاهين فيها، يدفع الأول نحو إيجاد تسوية متدرجة مع الدولة السورية وإعادة بناء الثقة معها، ويستند الثاني إلى الدعم الإسرائيلي من أجل تحقيق أهدافه السياسية.
غير أن الرهان لا يزال معقودا على الحوار بوصفه المدخل الأساس للخروج من الأزمة، وتجاوز الحلول الصفرية نحو مسار يربح فيه الجميع في سوريا، عبر مبادرة وطنية يشارك فيها المجتمع والدولة معا.
وإن كان تطبيق نموذج "قسد" على السويداء يواجه بعض التحديات، وأهمها العامل الإسرائيلي المباشر، والاحتلال العسكري لمناطق في الجنوب السوري، وتحويل إسرائيل يافطة "حماية الدروز" إلى ورقة تفاوضية، إلا أن الواقع يفرض تحديات أخرى.
ليس مستبعدا حدوث تغيرات في العامل الخارجي مثلما حدث مع "قسد"، وبالتالي فإن أسئلة عميقة تطرح حول طبيعة المسار السياسي للاندماج، وضرورة التفكير في إعادة بناء عقد وطني جامع، وعدم الارتهان إلى العوامل الخارجية.
المبدأ الأساسي الذي يكشفه نموذج حل "قسد" هو أن الحلول السياسية يمكن بناؤها، والتعويل عليها، وذلك في ظل تشكل معادلة جديدة في المنطقة تفيد بأن السلاح خارج إطار شرعية الدولة لم يعد ورقة تفاوض، وأن الدولة بدأت تستعيد موقعها بوصفها الإطار الوحيد المعترف به لإدارة الخلافات داخل حدودها.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة