اضطرت فرق الإنقاذ في إقليم التبت الصيني إلى الانسحاب من بعض المناطق المنكوبة، بعدما أدى انهيار أرضي جديد إلى تشكّل بحيرة قد تهدد بفيضانات إضافية، في وقت لا يزال فيه أكثر من 500 شخص في عداد المفقودين على الجانب الصيني من الحدود مع النيبال.
وقالت وسائل إعلام رسمية صينية إن طائرات مسيّرة رصدت مساء السبت انهياراً أرضياً على بعد نحو 2.8 كيلومتر من بحيرة كانت قد تشكلت بفعل انهيارات سابقة، ما أدى إلى نشوء حاجز طبيعي جديد وبدء تشكّل بحيرة ثانية خلفه.
ونقل عناصر الإنقاذ العاملون قرب معبر غيِرونغ الحدودي إلى مواقع أكثر أماناً، بينما تعمل فرق من الخبراء على تقييم المخاطر التي قد تشكلها البحيرة الجديدة.
وتتزايد المخاوف من وقوع فيضانات ثانوية، إذ حذر المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال من احتمال أن تكون الأنقاض قد سدّت مؤقتاً أجزاء ضيقة من نهر تريشولي، ما قد يؤدي إلى تشكّل سدود طبيعية يمكن أن تنهار لاحقاً وتطلق موجات جديدة من المياه.
وكان سقوط كتل من الجليد والثلوج في بحيرة أخرى تشكلت بفعل الأنقاض قد تسبب في فيضانها الجمعة، فيما أقامت السلطات الصينية نقاط مراقبة للتحذير في حال ارتفاع منسوب المياه مجدداً.
وكانت المنطقة المتضررة تضم سياحاً وحجاجاً في طريقهم من العاصمة النيبالية كاتماندو إلى جبل كايلاش المقدس في التبت، إلى جانب سكان محليين وعمال.
وتقول مراسلة بي بي سي في الصين، لورا بيكر، إن فرق الإنقاذ التي تبحث بين الوحل والأنقاض عند الحدود لم تعثر حتى الآن على ناجين.
ويصعب التحقق بشكل مستقل من حجم الكارثة على الجانب الصيني، إذ يخضع دخول الصحفيين الأجانب إلى التبت لقيود مشددة ويتطلب تصاريح خاصة، كما يصعب التواصل مع السكان هناك، ما يجعل التغطية تعتمد بدرجة كبيرة على المعلومات الصادرة عن وسائل الإعلام الرسمية الصينية.
وعلى جانبي الحدود، تجاوز عدد المفقودين ثلاثة آلاف شخص، فيما تأكدت وفاة 750 شخصاً على الأقل.
وقالت هيئة إدارة الكوارث في النيبال الأحد إن 734 شخصاً لقوا حتفهم في البلاد، بينما لا يزال 2498 شخصاً في عداد المفقودين، ليرتفع إجمالي عدد المفقودين في النيبال والتبت إلى 3044 شخصاً.
وتعد منطقة راسوا من أكثر المناطق تضرراً، إذ فقد أثر 562 شخصاً فيها. وتشمل قائمة المفقودين 933 عاملاً في مشاريع للطاقة الكهرومائية، إضافة إلى عشرات من أفراد الجيش والشرطة وموظفي الجمارك والهجرة.
وتقول السلطات النيبالية إن 8186 شخصاً أنقذوا، فيما أصيب 242 آخرون، ونشر نحو 20 ألفاً من عناصر قوات الأمن للمشاركة في عمليات الإنقاذ.
وتتركز إحدى أصعب عمليات الإنقاذ على أكثر من مئة عامل يعتقد أنهم محاصرون داخل أنفاق تابعة لمشاريع كهرومائية في النيبال.
ونجح الجيش النيبالي مساء السبت في إدخال أنبوب إلى أحد الأنفاق في موقع "تريشولي 3 أي" لضخ الهواء إلى الداخل، في محاولة لإبقاء العمال على قيد الحياة إلى حين الوصول إليهم.
لكن الأمطار وارتفاع منسوب مياه الأنهار عرقلا عمليات الإنقاذ، فيما يتوقع استمرار هطول الأمطار حتى الإثنين على الأقل.
وأرسلت الهند فريقاً متخصصاً يضم 11 شخصاً للمساعدة في عمليات الإنقاذ داخل الأنفاق، كما أرسلت الصين فريقاً من تسعة أشخاص.
ولا تقتصر الصعوبات على عمليات البحث والإنقاذ، إذ قالت منسقة الأمم المتحدة المقيمة في النيبال، ليلا بيترز يحيى، لبي بي سي إن التضاريس تجعل إيصال المساعدات إلى المتضررين "صعباً للغاية"، فيما تنقل الحكومة الإمدادات بواسطة المروحيات وتدرس استخدام طائرات مسيّرة.
ساد اعتقاد في الساعات الأولى بأن زلزالاً تسبب بالانهيار الذي أدى إلى الفيضانات، لكن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية قالت لاحقاً إن الكارثة نجمت عن "انهيار جليدي"، أي تفكك نهر جليدي أو جزء منه.
وكان ارتطام الكتلة الجليدية بقاع الوادي قوياً إلى درجة أنه سجل إشارة زلزالية بقوة 5.2 درجات، قبل أن تندفع المياه والصخور والأنقاض عبر نهري تريشولي وبوتي كوشي لمسافة وصلت إلى نحو 100 كيلومتر في اتجاه مجرى النهر، مجتاحة بلدات وقرى في شمال النيبال.
ونقلت وكالة أنباء شينخوا الصينية عن خبراء قولهم إن نهراً جليدياً على المنحدر الجنوبي لقمة ليرونغ في النيبال تصدع، ما أدى إلى انهيار كتل من الجليد والصخور وتشكّل سيل هائل من الحطام.
لم يتضح بعد على وجه الدقة حجم الدور الذي أداه تغير المناخ في الانهيار الجليدي، وقد يتطلب تحديد ذلك إجراء دراسات متخصصة.
لكن العلماء يقولون إن الاحترار العالمي يسرّع ذوبان الأنهار الجليدية والغطاء الثلجي والجليد الدائم في منطقة الهيمالايا، ما قد يؤدي إلى زعزعة استقرار المنحدرات وزيادة مخاطر الانهيارات الصخرية والجليدية والفيضانات الناجمة عن الحطام.
وأظهرت دراسة أصدرها المركز الدولي للتنمية المتكاملة للجبال في مارس/آذار أن معدلات فقدان الجليد في منطقة هندو كوش-الهيمالايا تضاعفت منذ عام 2000. كما أن ارتفاع درجات الحرارة يعني أن المناطق الجبلية المرتفعة باتت تشهد أحياناً هطول الأمطار بدلاً من الثلوج، ما قد يزيد من عدم استقرارها.
وقال وزير الخارجية النيبالي شيسير خانال إن بلاده تنتج أقل من 0.01 في المئة من انبعاثات غازات الدفيئة، لكنها من بين الدول الأكثر تضرراً من آثار تغير المناخ.
وقد يصل عدد المتضررين من الكارثة في النيبال وحدها إلى 93 ألف شخص، بحسب الصليب الأحمر، فيما طلبت الحكومة مساعدات مالية دولية ومعدات متخصصة للإنقاذ.
وقدمت الولايات المتحدة وكندا مساعدات بنحو 3.6 مليون دولار لكل منهما، بينما أعلنت بريطانيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة عن مساعدات إضافية.
وقال خانال إن إعادة إعمار المناطق والبنية التحتية التي دمرتها الفيضانات قد تكلف "مليارات الدولارات".
المصدر:
بي بي سي
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة