قررت دولة الإمارات العربية المتحدة تعليق جميع معاملاتها المالية والاقتصادية مع إيران حتى إشعار آخر، مبررة ذلك بتصعيد عسكري من جانب طهران مصحوب بتهديدات صاروخية. قرار سلط الضوء من جديد على العلاقات المتوترة بين هذه الدولة الخليجية الكبرى المنتجة للنفط والجمهورية الإسلامية الإيرانية، وإن كانت طهران نفت رسميا مسؤوليتها عن الحادث.
وكانت الإمارات، الحليفة المقربة من الولايات المتحدة وإسرائيل والقوة الإقليمية الصاعدة، من أكثر دول الخليج تضررا من الهجمات الإيرانية في المنطقة. غير أن آخر هجوم إيراني على الأراضي الإماراتية يعود إلى الرابع من مايو/ أيار الماضي، وقد استهدف ميناء الفجيرة، وهو مركز رئيسي لتصدير النفط.
وقال بيان إماراتي إن "التقييمات التي تمت أظهرت أن الصاروخين الباليستيين اللذين تم رصدهما أطلقا من إيران ، كانا يستهدفان حركة الملاحة البحرية"، مضيفا أنهما سقطا في البحر. وبعدها أرسلت الإمارات أيضا تنبيها على الهواتف المحمولة (الثلاثاء 18 أغسطس / آب 2026) يفيد بأن "الوضع آمن" ويمكن للناس استئناف أنشطتهم الطبيعية بعد تحذير سابق. ورفضت وزارة الخارجية الإيرانية بيان الإمارات، ووصفته بأنه "لا أساس له من الصحة".
وقالت عفراء الهاملي مديرة إدارة الاتصال الاستراتيجي في وزارة الخارجية الإماراتية إن بلادها "تؤكد مجددا التزامها الراسخ بالحوار والتعاون والتكامل الإقليمي، باعتبارها وسائل أساسية لتعزيز السلام والاستقرار والازدهار في المنطقة".
ويطرح عدد من المراقبين تساؤلات حول تداعات القرار الإماراتي خصوصا وأن دبي تشكل متنفسا لا غنى عنه للمعاملات المالية والتجارية لطهران. فقد وصف دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى في المنطقة، في حديثه إلى صحيفة "نويه تسوريخر تسايتونغ" السويسرية الصادرة بالألمانية، دبي بأنها "بنك إيران". كما أكدت مصادر في سفارة أوروبية أخرى لنفس الصحيفة أن "ثروة إيرانية تُقدر بمليارات الدولارات موجودة في حسابات مصرفية داخل الإمارات".
شكلت الإمارات العربية المتحدة طوال العقود الماضية معقلا لجالية إيرانية كبيرة، وواحدة من أهم الشركاء التجاريين لطهران رغم العقوبات الاقتصادية الصارمة المفروضة على الجمهورية الإسلامية. وبعد اندلاع الحرب وتعرض أراضيها لاعتداءات إيرانية، اتخذت الإمارات عددا من الإجراءات الحذرة من بينها استدعاء سفير طهران وإغلاق مدارس يعتقد أنها تخضع للنفوذ الإيراني. وبالتالي فإن قرار وقف المعاملات المالية والتجارية يعتبر أحدث وأقوى إجراء إماراتي ضد طهران . وهو يندرج في سياق أمريكي عام يسعى لتشديد الخناق الاقتصادي والمالي على طهران.
وكانت شبكة إنفاذ قوانين الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية قد حذرت البنوك من أن شبكات إيرانية تنشئ شركات وهمية في دول ثالثة، وغالبا ما تستخدم لهذا العرض، مناطق التجارة الحرة التي توفر ظروفا ملائمة. ويُعتقد أن جهات إيرانية فاعلة تستخدم في كثير من الأحيان شركات تجارية عامة في المناطق الحرة التجارية بالإمارات، إلى جانب شركات في هونغ كونغ تتعامل مصرفيا عبر حسابات في الصين. ووفقا للتقرير، يتواجد الشركاء التجاريون لإيران بشكل أساسي في سنغافورة وهونغ كونغ. من جهته، كتب أنور قرقاش المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات في منشور على إكس أن "ما ينشر من شائعات مثل ما يتعلق بإلغاء إقامات العمالة أو تقديم تسهيلات مالية لإيران وغيرها... معلومات غير صحيحة وضمن حملات إعلامية يائسة".
رغم أن إيران توقفت عن مهاجمة الأراضي الإماراتية منذ الرابع من مايو/ أيار، إلا أن ناقلات النفط التابعة لشركة "أدنوك" الحكومية الإماراتية تعرضت لعدة هجمات خلال الأسابيع الماضية. ففي الثامن من أغسطس/آب الجاري، أعلنت الخارجية الإماراتية أن صاروخا أصاب ناقلة تابعة لأدنوك أثناء عبورها مضيق هرمز . وفي الرابع عشر من نفس الشهر، أفادت الوزارة بأن سفينتين أخريين تابعتين لنفس الشركة تعرضتا للاستهداف أثناء عبورهما المضيق. ولم تُسجل أي إصابات في الحادثين. فيما وصفت أبوظبي الهجمات بأنها انتهاك صارخ لقرار لمجلس الأمن الدولي بشأن حرية الملاحة البحرية، وقالت إن "الهجمات على السفن التجارية واستخدام مضيق هرمز كأداة للإكراه الاقتصادي أو الابتزاز تمثل أعمال قرصنة يرتكبها الحرس الثوري الإيراني". وكانت إيران قد أغلقت مضيق هرمز الذي تستعمله السفن التي تغادر معظم موانئ الإمارات استخدامه.
وبهذا الصدد كتب موقع "أو.إير.إيف" التابع لشبكة الإذاعة النمساوية (19 أغسطس/ آب) إن "الحظر التجاري الذي فرضته الإمارات العربية المتحدة سيلحق أضرارا بالغة بإيران. فقبل الحرب، كانت الإمارات ثاني أهم شريك تجاري لطهران بعد الصين. ووفقا لبيانات إيرانية، صدرت أبوظبي إلى إيران في عام 2024 سلعا بقيمة نحو 22 مليار دولار أمريكي (..) لكن الأهم بالنسبة لإيران هو المركز المالي لدبي (..) ومن المرجح أن يوجه وقف التجارة ضربة قاسية للاقتصاد الإيراني، الذي يعاني أصلا من أعمق أزمة له منذ عقود. فقد تجاوز معدل التضخم في أسعار المواد الغذائية مؤخرا 130% مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق. وكان صندوق النقد الدولي (IWF) قد توقع أن يبلغ معدل التضخم في إيران هذا العام قرابة 70%، إلى جانب انكماش اقتصادي بنسبة 5.4%. كما سجلت العملة الإيرانية، الريال، أدنى مستوى لها على الإطلاق" وفق ما أورده الموقع النمساوي.
هدد دونالد ترامب (الأربعاء 20 أغسطس) بتحميل أي دولة تساعد إيران أو تتعامل معها تجاريا تبعات اقتصادية وخيمة، في خطوة تعكس تصعيدا للضغوط الاقتصادية التي تمارسها واشنطن على طهران. وكتب الرئيس الأمريكي على منصته تروث سوشال "أعلن اليوم أن أي دولة تسمح لمؤسساتها المالية وشركاتها ومطاراتها وهيئاتها الحكومية بتقديم أي شكل من أشكال طوق النجاة لإيران، ستواجه تبعات اقتصادية وخيمة (..) إيرن لم تعرف كيف تغتنم الفرصة الكبيرة لإبرام اتفاق (..) لذلك، أعلن العملية الاقتصادية الأكثر سحقا على الإطلاق التي تتخذ ضد أي دولة!"، مشيرا إلى "حرب اقتصادية لم يسبق لها مثيل". وتابع موجها كلامه إلى دول يشتبه في أنها تساعد إيران من دون تسميتها "تهريب نفط، تبادل عملات، تحويلات سيولة نقدية، مكاتب صرافة، سجلات سفن، شركات وهمية... كل هذا يجب أن يتوقف الآن". كما سبق لوزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بدوره أن إيران بعزلة اقتصادية "لم يشهد العالم مثيلا لها".
"هرمز لن يفتح!"
وجاء رد طهران على لسان رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية اللواء علي عبد اللهي الذي هدد بدوره بالقول بأن "أي مساعدة أو تسهيل للجيش الأميركي المعتدي يعتبر مشاركة مع القوات العسكرية الأميركية" في عملياتها ضد الجمهورية الإسلامية. وكان محمد باقر قاليباف، رئيس مجلس الشورى وكبير مفاوضي إيران، قد شدد على أن "مضيق هرمز لن يُفتح ما لم تُنفذ الالتزامات الأميركية المنصوص عليها في مذكرة التفاهم"، معددا رفع الحصار عن موانئها، وإلغاء العقوبات النفطية، والإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج. وليس من الواضح عما إذا كانت الإمارات قد نسقت الحظر التجاري مع الولايات المتحدة، فالإعلان يتماشى في التوقيت والسياق مع التهديدات الأمريكية ضد الجمهورية الإسلامية.
تحرير: وفاق بنكيران
المصدر:
DW