في واقعة قد تصلح لأن تكون حبكة لأحد أفلام الفانتازيا المصرية، وجد شاب نفسه محكوما عليه بالسجن المؤبد في قضية مخدرات، رغم أن أسرته تقول إنه لم يكن له أي صلة بها.
بيد أن المفاجأة تمثلت في أن السبب يعود إلى استخدام شريحة هاتف محمول مسجلة باسمه ورقم هويته دون علمه، واستُخدمت في القضية، فيما ذكرت أسرته أن الشريحة لم تكن في حيازة الطالب وأنه لم يستخدمها فعليا .
ومنذ تفجر هذه الواقعة، ضجت منصات التواصل الاجتماعي في مصر بالتعليقات والمنشورات ومقاطع الفيديو التي أبدت استغرابها وانتقادها لما حدث للشاب .
وكشفت تقارير إعلامية محلية أن أحد الدوافع الرئيسية وراء هذه القضية يعود إلى سعي بعض موظفي شركات الاتصالات إلى تحقيق الأهداف البيعية المفروضة عليهم والمعروفة باسم "التارجت " ، ما يدفع بعضهم إلى البحث عن أي وسيلة لزيادة أعداد العملاء والخطوط المسجلة .
وفي هذا السياق، قال محمد لطفي، الصحفي المتخصص في شؤون الاتصالات في مصر، إن "الشاب باع صورة بطاقته الشخصية، عبر أحد أصدقائه، مقابل 20 دولارا أمريكيا، أي ما يعادل نحو ألف جنيه مصري، لكنه لم يتسلم الشريحة أو يستخدمها في حين استغلها شخص آخر لتنفيذ جريمته".
وفي مقابلة مع DW عربية، أضاف لطفي، رئيس شعبة محرري الاتصالات في نقابة الصحفيين، أن هذه الواقعة فجرت مجددا "قضية شرائح المحمول، أو ما يُطلق عليه "المال الحرام " والمتمثلة في قيام بعض موظفي فروع شركات الاتصالات سعيا وراء الحوافز والمكافآت المالية بتسجيل خطوط هاتف محمول بأسماء وهمية أو بأسماء أشخاص آخرين دون علمهم".
أحال الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر شركات المحمول الأربع إلى النيابة العامة بعد اكتشاف خطوط مسجلة بأسماء مواطنين دون علمهم أو حيازتهم لهاصورة من: CC BY-SA 4.0وعلى وقع ذلك، أعلن الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في مصر ، الاثنين (10 أغسطس/آب 2026) إحالة جميع شركات الهاتف المحمول العاملة في البلاد إلى النيابة العامة .
وقال الجهاز، وهو هيئة حكومية تتولى تنظيم قطاع الاتصالات منذ عام 2003 ، في بيان، إنه "في ضوء متابعة الشكاوى الواردة من بعض المستخدمين بشأن وجود خطوط هاتف محمول مسجلة ببياناتهم الشخصية دون علمهم أو حيازتهم لها " ، تقرر اتخاذ إجراءات عاجلة .
وأعلن الجهاز إحالة شركات المحمول الأربع إلى النيابة العامة لاتخاذ شؤون التحقيق بشأن الوقائع محل الشكاوى، مضيفا أنه "أقر حزمة من الإجراءات التنظيمية العاجلة تستهدف إحكام منظومة تسجيل خطوط المحمول والتحقق من هوية حائزيها الفعليين ومنع تكرار مثل هذه الوقائع مستقبلا " ، وذلك عقب اجتماعات عقدها مع شركات الاتصالات .
ولم تقتصر المفاجآت على قضية هذا الطالب وحده، إذ كشفت الفنانة إيناس عز الدين عن تعرضها لموقف مشابه بعدما اكتشفت وجود خط هاتف مسجل باسمها دون علمها .
وقالت إنها لم تشترِ هذا الخط ولم توقع أي مستندات تخصه، فيما فوجئ زوجها بدوره بوجود عدة خطوط أخرى مسجلة باسمه رغم استخدامه خطا واحدا فقط، كما يقول.
وحذر محمد مغربي، استشاري الاتصالات والذكاء الاصطناعي ، من تداعيات تسجيل خطوط اتصال بأسماء مواطنين دون علمهم أو حيازتهم لها .
وأضاف، في مقابلة مع DW عربية، أنه "من الوارد جدا" أن تتكرر وقائع مشابهة لقضية الشاب الذي حُكم عليه بالمؤبد بسبب خط هاتف مسجل باسمه .
وقال إن "هذه الوقائع قد تتسبب في معاناة كبيرة للمواطنين على الأقل إلى أن يتمكنوا من إثبات عدم صلتهم بتلك الخطوط، وهو ما قد يعرضهم للحبس الاحتياطي وتحمل نفقات المحاماة والدخول في إجراءات قانونية معقدة هم في غنى عنها".
يُشار إلى أن الإجراءات التي أعلنها الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات تضمنت "وقف بيع أو تفعيل أي خطوط جديدة من خلال أنظمة الشركات للجهات والمؤسسات سواء التابعة للقطاع الخاص أو الجهات والهيئات الحكومية ".
كما ألزم الجهاز الشركات بإرسال رسائل نصية إلى جميع أصحاب الخطوط القديمة المسجلة على أنظمتها، لإخطارهم بضرورة التوجه إلى فروع الشركات لإبرام عقود جديدة باسم الحائز الفعلي للخط .
وقال محمد لطفي، المتخصص في شؤون الاتصالات، إن قرار الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات "سليم بنسبة مئة في المئة، وفقا لما يتيحه القانون باعتباره الجهة المنظمة لعمل شركات الهاتف المحمول ".
بيد أن ما يثير الجدل، بحسب لطفي، هو "تأخر الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات في تطبيق هذه الآلية، طالما كانت متاحة لديه ويستطيع إلزام الشركات بتنفيذها من خلال سلطاته الرقابية. وهذه ليست المرة الأولى، بل واحدة من أكثر من أربع مرات أُحيلت فيها شركات المحمول إلى النيابة العامة بسبب مخالفات".
وتُمثل مصر واحدة من أكبر أسواق الاتصالات المتنقلة في المنطقة، حيث بلغ عدد مشتركي خدمات الهاتف المحمول نحو 123 مليون مشترك بنهاية ديسمبر/كانون الأول، وفق بيانات وزارة الاتصالات.
ويعكس هذا الرقم الحجم الضخم للسوق وشدة المنافسة بين الشركات العاملة في ضوء أن تعداد سكان البلاد يُقدّر بنحو 109 ملايين نسمة.
وفي هذا الصدد، قال محمد مغربي، استشاري الاتصالات والذكاء الاصطناعي ، إن هذا الأمر يمثل "كارثة اقتصادية وأمنية، لأن خط الهاتف أصبح يمثل كل شيء تقريبا في حياة الناس من مكالمات ورسائل إلى وسائل التواصل الاجتماعي ومحافظ إلكترونية وغيرها من الخدمات ".
وأضاف في مقابلة مع DW عربية أننا "نتحدث هنا عن حياة رقمية كاملة قد تصبح مرتبطة باسم شخص آخر . قد لا تكون الإجراءات المعلنة مثالية بنسبة مئة في المئة، لكنها أفضل من لا شيء من الناحية التقنية ".
وسجل عدد من المواطنين مقاطع فيديو أو كتبوا منشورات على مواقع التواصل الاجتماعي خلال الأيام القليلة الماضية، أكدوا فيها اكتشافهم بالصدفة وجود خطوط هاتف محمول مسجلة بأسمائهم دون أدنى علم منهم .
كما تقدم بعضهم ببلاغات إلى الشرطة لإخلاء مسؤوليتهم عن أي مخالفات قانونية قد تُرتكب عبر تلك الخطوط.
وتزداد خطورة المشكلة في ظل التحول الرقمي المتسارع في مصر، حيث أصبحت أرقام الهواتف المحمولة مرتبطة بمجموعة واسعة من الخدمات تشمل المحافظ الإلكترونية والحسابات البنكية وسداد الفواتير والخدمات الحكومية المختلفة وحتى سداد المخالفات المرورية في إطار خطة قومية للتحول الرقمي .
ويرى خبراء أن تسجيل خطوط بأسماء أشخاص آخرين يفتح الباب أمام استغلالها في أنشطة مالية مشبوهة، خاصة مع الانتشار الواسع للمحافظ الإلكترونية المرتبطة بأرقام الهواتف المحمولة.
وفي هذا السياق، قال لطفي، الصحفي المتخصص في شؤون الاتصالات، إن البعض قد "يستغل هذه الخطوط في إنشاء محافظ إلكترونية والتعامل المالي من خلالها وربما تُستخدم في عمليات غسيل الأموال . وتبرز خطورة الأمر بالنظر إلى أن عدد محافظ الهاتف المحمول المسجلة في مصر وصل إلى نحو 60 مليون محفظة بنهاية العام الماضي ".
وأضاف أن الحل قد يكمن في "تطبيق نظام البصمة البيومترية (Biometrics) من جانب الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، بما يحد من انتشار المشكلة ويعزز الرقابة عليها، خصوصًا أن شركات المحمول ستواجه مسؤولية مباشرة إذا خالفت هذه الضوابط ".
ويتفق مع هذا الرأي محمد مغربي، استشاري الاتصالات والذكاء الاصطناعي، مؤكدا أن تفعيل تقنيات التحقق البيومتري يُعد "الخيار الأكثر دقة وصحة وفاعلية".
وأضاف، في مقابلة مع ،عربية DW أنه يفضل أن يتم ذلك من خلال بصمة الأصابع لا بصمة الوجه، لأن مصر تمتلك بالفعل قاعدة بيانات واسعة للبصمات من خلال ما يُعرف بصحيفة الحالة الجنائية او ما يُعرف بـ "الفيش والتشبيه"".
تحرير: ع.ج.م
المصدر:
DW