بعد اكتشاف طائرة مسيرة محملة بالمتفجرات في مطار لايبزيغ / هاله، انتشرت حالة من القلق والصدمة في ألمانيا. ونطرا لخطورة الأمر، تولت النيابة العامة الاتحادية التحقيق في القضية، وأكدت في بيان أن "الأمر يتعلق بهجوم خطير على البنية التحتية للنقل والخدمات اللوجستية في ألمانيا". وأضافت أن "الفعل من شأنه التأثير على الأمنين الداخلي والخارجي لجمهورية ألمانيا الاتحادية".
وأثار الحادث جدلا ونقاشا واسعا في الأوساط السياسية والأمنية وبين الخبراء حول كيفية مواجهة مثل هذه الهجمات وحماية البنية التحتية الحيوية بشكل أفضل ضد خطر الطائرات المسيرة والهجمات الهجينة.
وفيما يلي نوضح أبرز التساؤلات والحقائق المتعلقة بأمن وحماية المطارات والبنية التحتية في ألمانيا، والجهات المسؤولة عن ذلك، ورأي الخبراء بما هو قائم وما يجب فعله.
تؤكد الشرطة الاتحادية المسؤولة عن أمن المطارات ومحطات القطارات والحدود، أنها لا تمتلك حتى الآن في جميع المطارات الكبرى أنظمة تقنية قادرة على كشف الطائرات المسيرة (الدرون) والتصدي لها. ويتمثل الهدف في تزويد ثمانية مطارات رئيسية بأنظمة ثابتة للكشف عن الطائرات المسيرة واعتراضها. ومطار لايبزيغ/هاله، على سبيل المثال، لم يجهز بهذه الأنظمة حتى الآن، وفقا لوزارة الداخلية الألمانية.
وأوضح متحدث باسم الوزارة، ردا على استفسار للقناة الألمانية الأولى (ARD)، أن هذه التقنيات لا تزال قيد الشراء. ومع ذلك، يمكن طلب أنظمة متنقلة لمكافحة الطائرات المسيرة التابعة للشرطة الاتحادية عند الحاجة. وكانت الشرطة الاتحادية قد أنشأت العام الماضي وحدة خاصة لمواجهة الطائرات المسيرة، تضم عناصر تلقوا تدريبا متخصصا على استخدام تقنيات الكشف والتصدي لهذه الطائرات.
أما شركة الشحن والخدمات اللوجستية (DHL)، التي يقع مركزها الرئيسي للشحن الجوي في مطار لايبزيغ/هاله، فقد رفضت الإفصاح عما إذا كانت تشغل بنفسها أنظمة للكشف عن الطائرات المسيّرة في هذا المطار.
تعتمد الجهة المسؤولة عن مكافحة الطائرات المسيرة على موقع الطائرة، وتشارك جهات عدة في ذلك بحسب طبيعة الحادث ومكانه:
الشرطة الاتحادية: مسؤولة عن مكافحة الطائرات المسيرة فوق مرافق السكك الحديدية والمطارات. كما أنشأت وحدة خاصة لهذا الغرض نهاية العام الماضي.
شرطة الولايات: تتحمل المسؤولية في معظم الحالات، لأن درء المخاطر من اختصاص الولايات الألمانية.
الجيش الألماني (البوندسفير): مسؤول عن حماية المجال الجوي فوق منشآته. ومنذ تعديل قانون الملاحة الجوية في الربيع الماضي، أصبح بإمكانه دعم الولايات بشكل أسهل عند الحاجة. وفي مطلع هذا العام، عدل الائتلاف الحاكم قانون أمن الطيران ووسع صلاحيات الجيش الألماني (البوندسفير) في مجال مكافحة الطائرات المسيرة. ومن أجل منع وقوع حوادث خطيرة جدا، أصبح الجيش منذ ذلك الحين مخولا باستخدام الأسلحة ضد الطائرات المسيرة عند الضرورة. غير أن تدخل الجيش يتم دائما لدعم الشرطة المختصة وبناء على طلبها.
المركز المشترك لمكافحة الطائرات المسيرة بين الحكومة الاتحادية والولايات: يتولى رصد الطائرات المسيرة والتصدي لها وتبادل المعلومات بشأنها، ويعمل كجهة تنسيق بين شرطة الولايات والشرطة الاتحادية والمكتب الاتحادي للشرطة الجنائية والجيش الألماني.
المركز المشترك لمواجهة التهديدات الهجينة : يتعامل مع العمليات السرية التي يكون منفذوها غير معروفين غالبا وتهدف إلى نشر عدم الاستقرار بين السكان. وقد تشمل هذه العمليات طلعات أو هجمات بواسطة طائرات مسيرة. ويضم المركز أجهزة الاستخبارات والشرطة الاتحادية وشرطة الولايات وهيئات فيدرالية أخرى مثل المكتب الاتحادي لأمن المعلومات (BSI).
تسعى ألمانيا إلى تطوير قدراتها ووسائلها لمكافحة خطر الطائرات المسيرة والتصدي لهاصورة من: Ardan Fuessmann/IMAGOيرجع تداخل المسؤوليات في مكافحة الطائرات المسيّرة بين الولايات الألمانية والحكومة الاتحادية إلى الطبيعة الاتحادية للنظام السياسي في ألمانيا. ونتيجة لذلك، هناك حاجة مستمرة إلى التنسيق بين مختلف الجهات الأمنية. ولهذا الغرض، أنشئ مركز مكافحة الطائرات المسيرة المشترك. ويهدف المركز إلى تنسيق العمل بين: أجهزة الشرطة الاتحادية، وأجهزة شرطة الولايات، والجيش الألماني- بوندسفير، بما يتيح إعداد تقييم مشترك للوضع الأمني واتخاذ إجراءات منسقة بين مختلف الجهات المعنية.
ويعمل المركز على مدار الساعة، ويفترض أن يكون قادرا على الاستجابة بسرعة وبشكل منظم لأي تهديدات تمس الأمن.
مشغلو البنى التحتية مثل المطارات عليهم إعداد خطط طوارئ للتعامل مع الطائرات المسيرة غير المرغوب فيها. وتشمل البنى التحتية الحيوية أيضا منشآت معينة لتزويد الطاقة والمياه.
وحتى الآن، لا يسمح لمشغلي البنى التحتية والمطارات بالتصدي بأنفسهم للمسيرات. لكن هناك نقاش مستمر منذ فترة حول إمكانية تغيير هذا الوضع، ليس فقط بالنسبة للمطارات، بل أيضا لمشغلي جميع مرافق البنية التحتية الحيوية مثل محطات الطاقة والمصافي النفطية، حيث تم رصد طائرات مسيرة مرارا في محيط هذه المنشآت.
وعندما تم تعديل قانون أمن الطيران في بداية العام، أقر البرلمان الاتحادي (البوندستاغ) قرارا مصاحبا جاء فيه أن السلطات الأمنية قد لا تكون قادرة دائما، بسبب الحاجة إلى رد فعل سريع للغاية، على توفير حماية شاملة للبنية التحتية الحيوية. وأضاف القرار: "لذلك ينبغي دراسة مسؤولية مشغلي هذه المنشآت في حماية بنيتهم التحتية الحيوية من الطائرات المسيرة."
وطالب البرلمان الحكومة الألمانية بدراسة ما إذا كان يمكن، وبأي صيغة قانونية، منح مشغلي البنية التحتية الحيوية صلاحيات واضحة قانونيا للكشف عن الطائرات المسيرة غير المصرح بها أو الخطرة أو التي تمثل تهديدا أمنيا، والتصدي لها.
تمكنت الجهات المختصة من إبعاد الطائرة المسيرة المزودة بمتفجرات في مطار لايبزيع/ هالة وتفجيرها بواسطة روبوتصورة من: Hendrik Schmidt/dpa/picture allianceيطالب رئيس مؤتمر ميونيخ للأمن، فولفغانغ إيشنغر ، في تصريحات لقناة "فونيكس" الألمانية بوجود قواعد واضحة تحدد المسؤوليات المتعلقة باكتشاف الطائرات المسيرة ومراقبتها والتصدي لها. وقال: "يجب أن يكون واضحاً من يملك الصلاحية للقيام بأي إجراء، ومن يمتلك القدرات اللازمة، ومن يتولى التنسيق".
وينتقد خبير الإرهاب بيتر نويمان، الوضع الراهن ويرى أن ألمانيا ليست مستعدة بالشكل الكافي لمواجهة هذا النوع من التهديدات. وقال في حوار مع القناة الألمانية الثانية (ZDF) "نتحدث عن هذا الموضوع منذ سنوات، لكن عمليا لم يتحقق الكثير". وأضاف أن هناك "حاجة كبيرة لتطوير أنظمة كشف الطائرات المسيرة والتصدي لها، ولإنهاء الفوضى في توزيع الصلاحيات، ووضع إطار قانوني موحد".
أما الرئيس التنفيذي لشركة الصناعات الدفاعية الألمانية " راينميتال "، أرمين بابرغر، فيرى أن ألمانيا تملك من الناحية التقنية القدرة على حماية البنى التحتية الحيوية. لكنه شدد على ضرورة تحديد ما الذي يجب حمايته أولا، ثم اختيار التكنولوجيا المناسبة لذلك. وقال لوكالة الأنباء الألمانية: "لا ينبغي التعامل مع الأمر بأنصاف الحلول، بل يجب تنفيذه بشكل مهني بحيث يمكن رصد الطائرات المسيرة القادمة من مسافات بعيدة وكذلك تلك التي تقلع بشكل مفاجئ وعلى مدى قصير".
وأشار بابرغر إلى أن شركة راينميتال تعمل مع شركة "تيليكوم" الألمانية لاستخدام أبراج الاتصالات مستقبلاً في الكشف المبكر عن الطائرات المسيّرة على مستوى ألمانيا كلها.
كما طورت الشركة نظام إنذار مبكر يمكنه كشف التهديدات الجوية المحتملة وتحديدها وتتبعها بشكل متواصل. وتعمل شركات دفاع أخرى أيضاً على تطوير أنظمة مماثلة للكشف عن الطائرات المسيّرة واعتراضها.
تحرير: ابتسام فوزي
المصدر:
DW