بيروت – بعد 6 سنوات، لا تزال بيروت تعود كل عام إلى اللحظة نفسها، عند السادسة و7 دقائق مساء الرابع من أغسطس/آب، حين انقسم تاريخ المدينة إلى ما قبل انفجار المرفأ وما بعده.
كان كل شيء قد تغيّر، في تلك الثواني القليلة، إذ تحولت مدينة نابضة بالحياة إلى مساحة من الدمار، وأصبحت منازل آمنة شاهدة على مأساة، ووجدت عائلات نفسها تبحث بين الركام عن أحبائها.
في الرابع من أغسطس/آب 2020، هزّ انفجار ضخم مرفأ بيروت والمناطق المحيطة به، بعدما اشتعلت كمية كبيرة من نترات الأمونيوم كانت مخزنة في العنبر رقم 12 منذ سنوات، وفق مسار التحقيقات القضائية، خلّف الانفجار أكثر من 200 قتيل وآلاف الجرحى، ودمر أحياء واسعة من العاصمة، تاركا خلفه واحدة من أكبر الكوارث التي عرفها لبنان في تاريخه الحديث.
ومنذ ذلك اليوم، لم تكن المعركة فقط لإعادة بناء ما تهدم، بل أيضا لمعرفة كيف وقعت الكارثة ومن يتحمل مسؤوليتها. فبالنسبة إلى عائلات الضحايا، تحول الرابع من أغسطس/آب من ذكرى مؤلمة إلى قضية مستمرة، يحملونها عاما بعد عام بحثا عن العدالة.
وخلف أرقام الضحايا، توجد أسماء وقصص: مَن ذهب لإنقاذ الآخرين ولم يعد، وطفولة توقفت في لحظة، وعائلات تحاول أن تستعيد حياتها من دون أن تتخلى عن حقها في الحقيقة.
كان رجال فوج إطفاء بيروت، قد تلقوا نداء بالتوجه إلى العنبر رقم 12 لإخماد حريق اندلع قبل دقائق من الانفجار، لم يعلموا أن الطريق إلى المرفأ سيكون طريقهم الأخير، وأن المهمة التي اعتادوا خوضها لإنقاذ الآخرين ستصبح آخر ما يفعلونه.
بين هؤلاء كانت سحر فارس، الممرضة التي اختارت إنقاذ الأرواح مهنة ورسالة. بعد دراسة التمريض، التحقت بفوج إطفاء بيروت لتصبح أول امرأة تنضم إلى السلك العملياتي فيه. ارتدت بزتها، كما في كل مرة، وانطلقت نحو المهمة من دون أن تعرف أن والدتها لن تراها مرة أخرى.
وكان جو نون إلى جانبها، رجل الإطفاء الذي حمل خوذته الحمراء وصعد إلى عربة الإطفاء معتقدا أنه يتجه إلى حريق جديد، كما فعل مرات كثيرة من قبل. لم يكن يعلم أن دقائق قليلة تفصله عن انفجار سيغير وجه لبنان.
دخل الفريق إلى المرفأ، وبقيت العائلات تنتظر عودتهم.. لكنهم لم يعودوا.
تحولت أسماء سحر فارس وجو نون، إلى جانب زملائهما الثمانية في فوج الإطفاء، إلى رمز للرابع من أغسطس/آب، وإلى صورة تختصر معنى الواجب حين يصبح أثمن من الحياة.
وبعد 6 سنوات، لا تزال خوذهم معلقة في ثكنة الإطفاء، شاهدة على مهمة لم تكتمل، وعلى حقيقة لم تصل بعد إلى أصحابها.
لم تتوقف قصة سحر وجو عند لحظة الرحيل، ففي ساحات الاعتصام والمطالبة بالحقيقة، جمع الألم عائلتي فارس ونون، قبل أن يزيد من ارتباطهما زواج ويليام نون، شقيق جو، وماريا فارس، شقيقة سحر، بعد 3 سنوات من الانفجار، وسط مدينة تحمل آثار الدمار، حيث اختارت العائلتان أن تزرعا حياة جديدة.
عاد اسما جو وسحر إلى المنزل من جديد، لكنْ هذه المرة لم يكونا فقط في صور معلقة على الجدران، بل في طفلين حملا الاسمين، وأعادا إلى البيت شيئا من الضحكة التي غابت طويلا.
لكنّ ويليام نون يرفض أن يكون الطفلان بديلا عن الغائبين، ويقول للجزيرة نت إنهما منحا العائلة أملا جديدا، لكنهما لا يستطيعان أن يحلا مكان جو وسحر، لأن لكل إنسان حضوره الخاص الذي لا يُعوض.
بالنسبة إليه، المعركة مستمرة على جبهتين: عائلة تمنحه سببا للاستمرار، وقضية تنتظر الحقيقة وتواصل طريقها نحو العدالة.
لم يكتف الانفجار بأخذ من ذهبوا لإنقاذ الآخرين فقط، بل خطف أيضا أرواحا صغيرة. كانت ألكسندرا نجار في الثالثة من عمرها، تقف في منزل عائلتها بمنطقة مار مخايل قرب مرفأ بيروت، حين اهتز المكان بانفجار هائل محا تفاصيل الحي وبدّل حياة آلاف العائلات.
وسط الزجاج المتناثر والركام، حملها والدها بول نجار بين ذراعيه، محاولا إنقاذ طفلته الصغيرة التي أصيبت بجروح بالغة، لكنّ الطفلة التي كانت تملأ البيت ضحكا وحياة، لم تصمد أمام إصاباتها، فرحلت بعد أيام قليلة.
تحولت صورة ألكسندرا بين ذراعي والدها إلى واحدة من أكثر الصور رسوخا في ذاكرة الانفجار، وصارت وجها لطفولة سُرقت في لحظة، ولعائلات لا تزال تنتظر معرفة من تسبب في تلك الكارثة.
بعد 6 سنوات، يرى والد ألكسندرا، بول نجار، أن الملف القضائي دخل مرحلة حاسمة، ويقول للجزيرة نت إن قاضي التحقيق العدلي طارق البيطار أنجز القرار الظني وختم الملف في مارس/آذار الماضي، قبل إحالته إلى محكمة التمييز.
ويرى نجار أن مسؤولية المحكمة اليوم تتمثل في مراجعة العمل الذي أُنجز، مشيرا إلى أن هذه المرحلة لا يحددها سقف زمني قانوني، وقد تمتد لأشهر أو أكثر.
لكنّ أهالي الضحايا، بحسب نجار، لم يعد لديهم متسع لهذا الانتظار، فبعد 6 سنوات، يقول إن المطلوب هو إنهاء مرحلة المراجعة بأسرع وقت، وإعادة الملف إلى مساره الطبيعي تمهيدا لانطلاق المحاكمة.
في كل ذكرى للرابع من أغسطس، تعود بيروت إلى لحظة الصدمة الأولى: أصوات الانفجار، البحث عن المفقودين، انتظار الأخبار، ثم إدراك أن كثيرين لن يعودوا.
في بيت جو وسحر، وُلدت حياة جديدة من رحم الفقد، وفي بيت ألكسندرا، يستمر أب يحمل صورة طفلته ويتمسك بوعد العدالة.
هكذا يبقى 4 أغسطس/آب أكثر من ذكرى انفجار؛ إنه حكاية مدينة ما زالت تبحث عن الحقيقة، وعائلات اختارت أن تعيش من دون أن تتخلى عن حقها في معرفة ما حدث.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة