آخر الأخبار

الرحلة التاريخية لتأميم قناة السويس.. لماذا لم يكن قرار عبد الناصر ارتجاليا؟

شارك

"فيا ويل القناة إذا احتواها .. بنو التاميز وانحسر اللثام .... لقد بقيت من الدنيا حطاما .. بأيدينا وقد عز الحطام"

بواسطة (الشاعر المصري حافظ إبراهيم معارضا مد امتياز قناة السويس في قصيدة نشرت عام 1910)

في الذاكرة الجمعية، يكاد قرار تأميم قناة السويس يُختزل في لحظة واحدة: خطاب الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر في ميدان المنشية بالإسكندرية يوم 26 يوليو/تموز 1956، وكلمة السر "ديليسبس"، التي ذكرها عبد الناصر في خطابه، ففتحت الطريق أمام الفرق المصرية للسيطرة على مرافق شركة قناة السويس.

غير أن هذه الصورة لم تكُن سوى ذروة مسيرة طويلة بدأت قبل ذلك بقرابة نصف قرن، فلم يكن التأميم، على عكس ما يُصور أحيانا، قرارا ارتجاليا وُلِد نتيجة غضب سياسي عقب سحب تمويل السد العالي، بل مطلبا شعبيا تبلور لدى أجيال متعاقبة من المصريين. وقد تراكمت الأصوات المُدافِعة عن هذا المطلب في عرائض ولجان ودراسات ومرافعات قانونية ومقاومة ميدانية، إلى أن صار جاهزا للتنفيذ يوم اقتنص عبد الناصر اللحظة الدولية المناسبة.

اقرأ أيضا

list of 2 items
* list 1 of 2 ماذا حدث حين حاول الذكاء الاصطناعي الغش في الامتحان؟
* list 2 of 2 البنك الأفريقي للتنمية: النينيو قد تكبد أفريقيا خسائر تصل إلى 20 مليار دولار end of list

لقد أخذت تتشكل صلة وثيقة بين استرداد قناة السويس والوطنية المصرية منذ معركة رفض مد امتياز شركة القناة، التي جرت عام 1910، وهي معركة لم تتمحور حول إسقاط مشروع مالي فحسب، بل كانت لحظة تأسيسية انتقلت خلالها القناة من كونها "مرفقا دوليا" إلى كونها "جرحا سياديا" مصريا.

ومنذ ذلك الحين، بدأت محاولات تأصيل الهوية المصرية للقناة، وتراكمت أشكال المقاومة القانونية والسياسية، قبل أن تدفع العقود اللاحقة القضية من مستوى الرفض الاقتصادي إلى مستوى المواجهة المباشرة مع قاعدة الاحتلال نفسها، لاسيما في مدن القناة، حيث تبلورت مقاومة اقتصادية ومسلحة حوَّلت المنطقة إلى مصنع للوطنية وصلت إلى ذروتها عام 1951. ثم جاء دور القانونيين كي يُحولوا الذاكرة الشعبية إلى ملف قانوني جاهز، بالتوازي مع سعي الدولة المصرية إلى بناء جهاز إداري قادر على تنفيذ القرار والدفاع عنه في الداخل والخارج. وبهذا المعنى، كان خطاب المنشية تتويجا لمسيرة طويلة بدأت قبله بنحو نصف قرن، لا قرارا مفاجئا خطر للرئيس المصري بين يوم وليلة.

محمد فريد وجذور التأميم

بعد إجهاض الثورة العرابية وبداية الاحتلال البريطاني لمصر عام 1882، بدا جليا أن السيطرة العسكرية الإنجليزية كانت تهدف في المقام الأول إلى حماية طريق الهند الإستراتيجي المار عبر القناة، ومن ثمَّ بدأت الضغوط البريطانية في هذا الملف. ففي عام 1883، تحدى ملاك السفن البريطانيون (الذين كانوا يمثلون الغالبية العظمى من عملاء القناة) احتكار الشركة الفرنسية، ووصل الأمر إلى المطالبة بإنشاء قناة ثانية تحت سيطرة بريطانية بالكامل، ما أدى إلى توقيع "برنامج لندن" في نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه، والذي سمح بدخول ممثلين عن بريطانيا في مجلس إدارة الشركة، ووطد دور لندن القانوني والمالي في قناة السويس، إلى جانب حضورها العسكري.

"وطد برنامج لندن دور بريطانيا القانوني والمالي في قناة السويس، إلى جانب حضورها العسكري"

وعلى مدار عقديْن متتالييْن، بدأت لندن في محاولات مد فترة الامتياز، إلى أن نضجت تلك الفكرة عام 1910، لتأخذ شكل مشروع رسمي يهدف إلى تمديد الفترة لمدة 40 عاما إضافية، بحيث تنتهي عام 2008 بدلا من موعدها الأصلي في عام 1968. وقد تعهدت الشركة، بموجب المشروع، بدفع مبلغ قدره 3.2 مليون جنيه إسترليني للحكومة المصرية، خلال الفترة بين عامي 1909 و1912. كما نص المشروع على تخصيص نسبة من العوائد لمصر تبدأ بـ 2% في عام 1911، ثم ترتفع تدريجيا إلى 12% عام 1969، قبل أن تصل إلى 50% خلال فترة مد الامتياز الجديدة بين عامي 1969 و2008.

إعلان

ويشير أوبير بونين (Hubert Bonin)، المؤرخ الفرنسي بمعهد العلوم السياسية في مدينة بوردو، إلى أن الطفرة الاقتصادية الكبرى التي شهدتها القناة، مثلت بدورها عاملا مُهما في تغذية هذه المحاولة. فمع حلول عام 1889، بلغت الحمولة الصافية العابرة في القناة نحو 7 ملايين طن سنويا، أي أكثر من ضعف ما كانت عليه عام 1880، حين لم تتجاوز 3 ملايين طن. ومع دخول القرن العشرين وبداية الثورة الصناعية الثانية، استمر هذا الاتجاه التصاعدي، وانفجرت الحركة الملاحية عبر القناة على نحو غير مسبوق. ففي عام 1901 بلغت الحمولة الصافية الخاضعة للضريبة نحو 10.8 ملايين طن، ثم تضاعفت تقريبا في غضون عقد واحد، حيث وصلت إلى 18.3 مليون طن عام 1911.

مصدر الصورة قناة السويس كانت المعبر الذي دخلت منه الأساطيل البريطانية للقضاء نهائيا على قوات أحمد عرابي (مواقع التواصل)

جرت مفاوضات تمديد امتياز شركة قناة السويس في أجواء من الكتمان بين الحكومة المصرية والشركة العالمية لقناة السويس، وبتنسيق كامل مع المعتمد البريطاني السير إلدون غورست، دون إشراك الشعب المصري وممثليه. غير أن جريدة "اللواء"، لسان حال الحزب الوطني، سربت تفاصيل المشروع في أكتوبر/تشرين الأول 1909، وقادت حملة الكشف عن بنود هذا الاتفاق الذي وصف حينها بـ "المؤامرة". وما إن نُشرت تفاصيل المشروع حتى اندلعت موجة واسعة من الانتقادات والاحتجاجات في أوساط القوميين المصريين والصحافة الوطنية، إذ رأى المعارضون أن مدَّ الامتياز يؤدي إلى تعزيز هيمنة المصالح الأوروبية على الاقتصاد المصري لفترة أطول.

"تولى الزعيم الوطني محمد فريد زمام المبادرة في تنظيم المقاومة الشعبية والبرلمانية ضد مشروع مد امتياز قناة السويس"

وقد تولى الزعيم الوطني محمد فريد، خليفة مصطفى كامل في قيادة الحزب الوطني، زمام المبادرة في تنظيم المقاومة الشعبية والبرلمانية ضد المشروع، فقاد حملة مُنظمة للتحذير من خطورة التمديد، ما حول الأمر من مجرد صفقة مالية إلى قضية كبرى تتعلق بالسيادة الوطنية. وبفضل هذه الحملة، أصبحت القناة منذ عام 1910 محورا للجدل السياسي المصري، ومادة خصبة للحراك الوطني ضد الاستعمار البريطاني.

غير أن أبرز ما ورد في هذا السياق كان الفكرة التي طرحها محمد فريد عبر صفحات جريدة "اللواء"، إذ قدم رؤية قانونية وإجرائية مبكرة لاسترداد القناة. ودعا فريد إلى أن تستعيد مصر ملكية القناة كاملة بدلا من مد الامتياز، مقابل تعويض المُساهمين. وقد عد المؤرخ المصري السيد حسين جلال هذا الطرح أول دعوة مصرية إلى تأميم قناة السويس، وإن استخدم فريد مفهوم استرداد الامتياز بالتعويض لا مصطلح التأميم بصورته اللاحقة.

وبهذا المعنى، لم تعد المعركة دفاعًا عن موعد عودة القناة بعد عقود؛ إذ طُرح للمرة الأولى سؤال انتزاع ملكيتها من الشركة الأجنبية وإعادتها إلى الدولة، وتزامن ذلك مع انتقال القضية إلى الشارع، وتضاعف الضغط على الحكومة والاحتلال، لكن هذا الانتقال لم يمر دون ثمن.

مصدر الصورة

القشَّة التي قتلت "غالي"

في 20 فبراير/شباط 1910، وبينما كان رئيس الوزراء المصري بطرس غالي يغادر ديوان الوزارة في القاهرة مُتجها إلى عربته، اقترب منه شاب في الـ 24 من عمره يُدعى إبراهيم الورداني، يعمل صيدليا وينتمي للحزب الوطني، متظاهرا بأنه يحمل عريضة يريد رفعها إليه. وما إن صار على مسافة خطوات منه حتى أخرج مسدسًا وأطلق رصاصتين استقرت إحداهما في صدر غالي، الذي استدار مذعورًا، فلاحقه الورداني بـ 3 رصاصات أصابته في العنق والكتف، ثم أطلق رصاصة سادسة اخترقت ثيابه. هوى غالي على الأرض مُضرجًا بدمائه واندفع حرسه لإلقاء القبض على الورداني ونقله إلى المستشفى، لكنه توفي في غضون ساعات متأثرًا بجراحه، فيما أصبح أول اغتيال سياسي لرئيس حكومة في تاريخ مصر الحديث.

إعلان

كان غالي وقتها رمزا تتجمع حوله أسباب الغضب الوطني، بعدما ارتبط اسمه بالتفريط في السيادة الوطنية، وذلك منذ توقيعه اتفاقية الحكم الثنائي للسودان عام 1899 بصفته وزيرًا للخارجية، والتي منحت بريطانيا شراكة رسمية في إدارة السودان، ثم رئاسته محكمة دنشواي عام 1906، وما أصدرته من أحكام قاسية بحق الفلاحين المصريين، إلى جانب إعادته العمل بقانون المطبوعات وتشديد الرقابة على الصحافة. وأخيرًا جاء دفاعه عن مد امتياز قناة السويس، حتى عُد مهندس الاتفاق، ليكون القشة التي قصمت ظهر مسيرته السياسية.

"كان بطرس غالي رمزا تجمعت حوله أسباب الغضب الوطني"

قبل الاغتيال بأيام، تصاعد ضغط الشارع وحدة المعارضة، ما دفع المعتمد البريطاني السير إلدون غورست والحكومة المصرية إلى عرض المشروع على الجمعية العمومية (البرلمان)، في سابقة لم تكن مألوفة في ظل الاحتلال. ويُشير عبد الرحمن الرافعي، مؤرخ الحركة الوطنية المصرية، إلى أن جلسة الجمعية العمومية المنعقدة في فبراير/شباط 1910، برئاسة الأمير حسين كامل، افتُتحت بخطاب من الخديوي عباس حلمي الثاني طرح فيه مشروع مد امتياز شركة قناة السويس على الأعضاء للرأي والمناقشة.

انتخبت الجمعية لجنة من 15 عضوا لدراسة المشروع وتقديم تقرير عنه. غير أن المسألة ظلَّت محاطة بقدر من الالتباس، إذ لم يتضمن الأمر الصادر بانعقاد الجمعية ما يفيد بأن قرارها سيكون مُلزِما، ما دفع السياسي والمحامي الوطني إسماعيل أباظة إلى مطالبة رئيس الوزراء بطرس غالي بتصريح واضح يؤكد فيه أن الحكومة ستعد رأي الجمعية مُلزِما لا استشاريا، لكن غالي تحاشى الجواب الصريح، مكتفيا بقوله إن الحكومة لا تزيد على ما جاء في خطاب الخديوي.

ورغم أن الحزب الوطني سارع إلى التبرؤ من اغتيال بطرس غالي ومن العنف السياسي، فإن الفعل ودوافع صاحبه، كما أعلنها في التحقيق، جاءت تعبيرًا صارخًا عن الغليان الشعبي تجاه سياسات بطرس غالي. فقد حضر الورداني بنفسه إحدى جلسات الجمعية العمومية التي نوقش فيها المشروع، بحسب ما ينقله المؤرخ المصري محمود متولي، وخرج منها عازما على ما أقدم عليه.

مصدر الصورة في 20 فبراير 1910، وبينما كان رئيس الوزراء المصري بطرس غالي (يمين) يغادر ديوان الوزارة في القاهرة، اقترب منه إبراهيم الورداني وأخرج مسدسًا وقتله (الجزيرة)

ومع تولي محمد سعيد باشا رئاسة الوزارة، صرَّح بأن قرار الجمعية سيكون مُلزما لا استشاريا، ما مهد الطريق لرفض المشروع بعدما أسقطته الجمعية في أبريل/نيسان 1910، وهو ما عد أول انتصار شعبي مؤسسي على إرادة الاحتلال. وبهذا المعنى، لم تسفر المعركة عن رفض صفقة مالية أو إدارية، بل كانت لحظة أعادت اكتشاف الذات؛ إذ أدركت مصر أن لها رأيًا وأنها قادرة على ترجمته إلى قوة سياسية تُلزم السلطة وتكبح إرادة الاحتلال، عن طريق الصحافة والجمعية العمومية والحركة الشعبية.

تزامن ذلك مع جبهة أخرى خاض معاركها الاقتصادي والمفكر الوطني طلعت حرب، حين أصدر في العام نفسه كتابه "قناة السويس"، مُعيدا طرح القضية في أفق أوسع من حدود الصفقة البريطانية المعروضة؛ إذ لم يكتفِ بتفنيد الجدوى الاقتصادية للمشروع، بل مضى إلى تأصيل تاريخي وفكري لقناة السويس، بوصفها مشروعًا مصريا أصيلا لا مجرد مرفق دولي قابل للمساومة. وبهذا، نُقل السجال حول القناة من لغة الأرقام والحسابات إلى سؤال أعمق عن الذاكرة والملكية والهوية، ولذا خرجت القضية من ساحة المهندسين والمحاسبين إلى ساحة الوعي الوطني.

"نُقل السجال حول القناة من لغة الأرقام والحسابات إلى سؤال أعمق عن الذاكرة والملكية والهوية"

غير أن إسقاط مشروع مد الامتياز لم يُخرج القناة من الأفق الوطني، وإنما أعاد تموضعها داخله. ففي ثورة 1919، صارت القناة جزءًا من السؤال الأوسع عن ملكية البلاد وحدود استقلالها. ثم جاء تصريح 28 فبراير/شباط 1922 ليعلن إنهاء الحماية والاعتراف بمصر دولة مستقلة، مع إبقاء 4 مسائل بيد بريطانيا، في مقدمتها تأمين مواصلات الإمبراطورية والدفاع عن مصر. وبذلك ظلت القناة أبرز علامات الاستقلال المنقوص، وممرا إستراتيجيا تتوقف عنده السيادة المصرية.

القناة: باب الإمبراطورية الدوار

تجسدت هذه المفارقة بوضوح في لحظة دخول الوفدين المصري والبريطاني قاعة لوكارنو الكبرى، بمقر وزارة الخارجية البريطانية في لندن يوم 26 أغسطس/آب 1936. كان الوفدان يتبادلان الابتسامات والأحاديث، وعلى رأس الفريق المصري مصطفى النحاس، رئيس الوزراء وزعيم حزب الوفد، في حين تقدم الجانب الآخر أنطوني إيدن، وزير الخارجية البريطاني آنذاك.

إعلان

جلس الطرفان حول مائدة مستطيلة واحدة، تتوسطها أباريق المياه والمحابر والأقلام والميكروفونات. وعلى الأرائك المحيطة بالقاعة جلس المسؤولون وأعضاء الوفد، بينما في طرفها اصطفت الكاميرات. وبين جدران القاعة وزخارفها الذهبية، برزت طرابيش أعضاء الوفد المصري الحمراء مضفية طابعًا احتفاليًا على مشهد يوحي بالندية بين وفدين من دولتين مستقلتين. وحين بدأ التوقيع، استخدم النحاس قلم حبر ذهبيا ثم أشار مبتسما إلى إيدن كي يوقع به بدلا من قلمه العادي، فتناوله الوزير البريطاني ثم أعاده بانحناءة، ليكتمل بذلك مشهد المساواة الدبلوماسية.

"وافقت بريطانيا على سحب قواتها من المدن المصرية، ثم احتفظت بها في منطقة قناة السويس"

بيد أن جلوس إيدن وحده على رأس الطاولة رُغم كونه وزيرا للخارجية، وجلوس رئيس الوزراء المصري على يمينه، أوحى بوضوح أن المساواة لم تكُن كاملة بعد. وهو واقع سجلته الأوراق الموضوعة فوق المائدة وما حَوته من تفاصيل خففت الحضور البريطاني، لكنها لم تستطع إنهاءه بالكُلية كما كان مأمولا. فقد وافقت بريطانيا على سحب قواتها من المدن المصرية، ثم احتفظت بها في منطقة قناة السويس، حيث أعادت تمركزها هناك نظرا لمصالح بريطانيا المرتبطة بممرات التجارة العالمية، وبسقف بلغ 10 آلاف جندي و400 طيار وقت السِلم، مع حق التوسع في زمن الحرب، التي ستندلع بالفعل بعد 3 سنوات.

مصدر الصورة جلوس إيدن على رأس الطاولة، ومصطفى النحاس على يمينه، أثناء توقيع المعاهدة، أوحى بوضوح أن المساواة لم تكُن كاملة بعد (غيتي)

بهذا المعنى، أعادت المعاهدة صياغة "الاستقلال المنقوص" بشكل قانوني بوابته قناة السويس، التي اتخذت صورة القاعدة الأجنبية في البلاد. وحين اندلعت الحرب العالمية الثانية عام 1939، زاد تعمق هذا التحول؛ إذ تضخمت قاعدة السويس لتصبح من أكبر المنشآت العسكرية البريطانية في الشرق الأوسط، بحامية تُقدر بنحو 80 ألف جندي وضابط، ما أدى إلى ارتباط شركة قناة السويس في الوعي المصري بقوات الاحتلال ذاتها، فلم تعد كيانًا اقتصاديًا منفصلاً، بل طرفًا مندمجًا في بنية الاحتلال، الأمر الذي غذى المطالبة بإلغاء معاهدة 1936 وخروج قوات الاحتلال من مدن القناة، لا سيَّما في أعقاب الحرب العالمية الثانية. ومن ثم، أقدم النحاس بنفسه في الأخير على هذه الخطوة عام 1951، وأعلن إلغاء المعاهدة، في خضم تكثف عمليات المقاومة ونشاط الفدائيين في منطقة القنال.

وقد شكل هذا الإلغاء شرارةً قانونية لحركة شعبية واسعة، إذ تحول البريطانيون في منطقة القناة بين عشية وضحاها من قوات حليفة، بمقتضى معاهدة دولية، إلى قوات احتلال غير شرعية في عيون السلطات والرأي العام. وسرعان ما تشكَّلت كتائب الفدائيين من طلاب الجامعات وحركة مصر الفتاة وجماعة الإخوان المسلمين والشيوعيين والعمال، وانطلقت لتنفيذ عمليات نوعية ضد القواعد البريطانية. وكانت العمليات أشبه بحرب عصابات تستفيد من جغرافيا المدن وكثافة سكانها.

"تحول البريطانيون في منطقة القناة بين عشية وضحاها من قوات حليفة، بمقتضى معاهدة دولية، إلى قوات احتلال غير شرعية"

في الأيام التالية لإلغاء المعاهدة مباشرة، انفجرت في منطقة القناة موجة من الإضرابات التلقائية احتفاءً بالموقف الحكومي الجديد، فترك معظم العمال المصريين في منطقة القناة -وكان عددهم يبلغ نحو 100 ألف موظف- مواقعهم في معسكرات الجيش البريطاني ومنشآته اللوجستية ومكاتبه، فيما يشبه العصيان المدني. وفي 16 أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، أحرق المضربون منشآت تموين الجيش البريطاني في الإسماعيلية. وتوازى ذلك مع تعطيل موانئ القناة ومنع وصول الإمدادات إلى الحامية، بينما تولت الصحافة المصرية والأحزاب الوطنية مهمة تأطير هذه الحركة سياسيا.

وبحسب ما تشير إليه المؤرخة الفرنسية كارولين بيكيه، لم تكن هذه التكتيكات وليدة اللحظة، بل أخذت تتشكل قبل ذلك بعقود، تحت تأثير حملات المهاتما غاندي في الهند، التي تركت صدى واسعًا في مصر. فمنذ ثلاثينيات القرن العشرين، بدأت جماعات وطنية مصرية تدعو إلى مقاطعة البضائع الأجنبية اقتداء بالحركة الوطنية الهندية، وهو اتجاه أصّله سلامة موسى في كتابه عن غاندي والحركة الهندية الصادر عام 1932. وهكذا، وجدت قوات الاحتلال نفسها معزولة داخل معسكراتها، في ما تصفه بيكيه بـ"دولة داخل الدولة"، فاضطُرَّت إلى إحلال عمالتها العسكرية الخاصة محل الأيدي العاملة المحلية، واستقدام آلاف الجنود الإضافيين جوا لتغطية النقص.

وُلِدَت للاستعمار وعاشت لمقاومته

لقد وُلِدَت مدن القناة بوصفها امتدادات أوروبية داخل الجغرافيا المصرية أشبه بالمستعمرات. غير أنها استحالت إلى أشد مدن مصر حساسية لمعنى الاحتلال، فلم تكن مسرحًا للمقاومة فحسب، بل مختبرًا مبكرًا لإرادة مصر الحديثة. فهناك، تدرب الوعي الوطني على رؤية الاستعمار في صورته اليومية الملموسة، وهناك تشكَّل جيل كامل من الفدائيين والكوادر الشعبية وبعض ضباط الجيش، ممن سيحملون لاحقًا خبرة القناة إلى قلب التحولات الكبرى في مصر، وليس أدل على ذلك من أن جماعة الإخوان المسلمين نفسها، التي نشطت في العمليات الفدائية آنذاك، كانت قد تأسست في الإسماعيلية عام 1928 قبل أن تنشط في بقية أنحاء مصر.

إعلان

وتستحق هذه المفارقة تأملا أعمق في تاريخ مدن القناة نفسها وعلاقتها بتشكل الوطنية المصرية. فهذه المدن لم تنشأ بوصفها مدنًا تقليدية نمت عضويًا حول نهر أو سوق أو مركز إداري محلي، بل وُلدت في القرن التاسع عشر لخدمة مشروع الشركة وشبكته الاستعمارية. فقد تأسست بورسعيد ميناء تجاريا مفتوحا على المتوسط، والإسماعيلية مقرًا إداريًا لشركة قناة السويس، وصُمِّم الحي الأوروبي في الإسماعيلية على نسق المدن الفرنسية، بأشجاره وميادينه وبيوته ذات الطراز المتوسطي، فيما أخذت السويس موقع المنفذ الصناعي ومركز البترول ونقطة الاتصال بالبحر الأحمر.

"وُلِدَت مدن القناة بوصفها امتدادات أوروبية داخل الجغرافيا المصرية، غير أنها استحالت إلى أشد مدن مصر حساسية للاحتلال"

ومثل غيرهم من الشعوب المقاومة للتوغل الاستعماري العسكري والاقتصادي، استلهم المصريون من غيرهم في الهند وإيران. فقد لعبت التجربة الغاندية دورا مهما في إلهام فكرة المقاطعة، في حين قدم تأميم النفط في إيران عن طريق رئيس الوزراء محمد مصدق عام 1951 درسا آخر لا يقل أهمية. فقد استطاعت إيران أن تستعيد موردها الطبيعي، لكنها اصطدمت سريعا بنقص حاد في الكوادر الفنية المحلية؛ وبعد خروج الخبراء البريطانيين اضطرت إلى الاستعانة بتقنيين أمريكيين لإدارة الصناعة النفطية. وبذلك، كشف التأميم الإيراني أن نقل الملكية لا يكفي وحده لصناعة الاستقلال، ما دام تشغيل المورد وإدارته مرهونين بخبرة أجنبية.

لذلك، ركزت الحكومة المصرية، خصوصًا في الأربعينيات والخمسينيات، على الضغط على شركة قناة السويس من أجل توظيف المصريين بأعداد أكبر، وتخصيص حصص لهم في المناصب العليا والفنية، مع تدريب كوادر قادرة على إدارة الملاحة. ولم تكن المسألة مجرد مطلب اجتماعي لتحسين فرص العمل، بل جزءا من معركة أوسع حول مستقبل السيادة المصرية على القناة.

مصدر الصورة المرشدون الأجانب كانوا يتحكمون عمليا في حركة الملاحة في قناة السويس (غيتي)

غير أن الشركة تعاملت مع الملف بمراوغة مُمنهجة، بحسب كارولين بيكيه؛ إذ تُظهِر الأرقام التي نقلتها عن أرشيف الشركة أن نسبة المصريين ارتفعت في بعض الفئات بين عامي 1936و1955، لكن التمصير ظل أضعف ما يكون في المناصب الأشد حساسية، مثل وظائف المرشدين البحريين المسؤولين عن عبور السفن، والمشرفين ومساعديهم في الورش، وفي المواقع التنفيذية العليا. والأكثر دلالة أن أعلى منصب وصل إليه مصري داخل الشركة، وهو منصب الوكيل الرئيسي المسؤول عن النقل، لم يُمنَح إلا في يونيو/حزيران 1956، أي قبل التأميم بشهر تقريبا، وهي تفصيلة صغيرة تكشف لنا أن الغرب ظل راغبا في احتكار السلطة الفنية داخل الشركة.

أمام هذا الواقع بدأت الدولة المصرية في بناء كادر فني وإداري مواز، خارج شركة القناة بين عامي 1954 و1956. وبحسب بيانات مُدوَّنة الحكومة البريطانية الرسمية، امتلكت مصر فنيين قادرين على تشغيل القناة وإبقائها مفتوحة أمام الملاحة الدولية، وقد تلقى كثير منهم تدريبا بمساعدة سوفياتية. ولكن بناء الكفاءة الفنية لم يكن السبيل الوحيد الذي سلكته مصر لتفكيك الاحتكار. ففي الوقت ذاته، كان القانوني المصري مصطفى الحفناوي يخوض معركة مختلفة لشرعنة قرار التأميم القادم، وتحويل عمال الشركة من قوة عمل مأجورة إلى قاعدة تأسيسية تطعن في وجود الامتياز.

ففي عام 1951، وبعد قضائه فترة داخل شركة القناة بوصفه متدربا قانونيا، قدَّم الحفناوي في باريس أطروحته للدكتوراه بعنوان "قناة السويس ومشكلاتها المعاصرة"، والتي طعن بها في الأساس القانوني لامتياز الشركة، وأسس فيها للحجج التي تتيح لمصر إنهاءه. وقد صدرت الرسالة بمقدمة كتبها محمد صلاح الدين، وزير خارجية حكومة الوفد الأخيرة قبل ثورة يوليو، ما منحها صفة شبه رسمية، وحوَّلها من عمل أكاديمي فردي إلى وثيقة تحمل ثقل الدولة المصرية.

"حول الحفناوي موظفي الشركة المصريين إلى كتائب مناهضة للإمبريالية، تمزج المطالب الاجتماعية بقضية السيادة"

ولعل أبلغ شهادة على أثر الحفناوي وصف أوبير بونين له بـ "المصري المتطرف"، وإشارته إلى أطروحته بوصفها "منشورا مناهضا للإمبريالية" أثار قلق الإدارة الفرنسية. ولم يكتفِ الحفناوي بالعمل الأكاديمي؛ إذ نزل إلى الميدان بوصفه "محامي الموظفين"، مُحرِّضًا العمال على رفع القضايا والمطالب، قبل أن يتولَّى رئاسة نقابة العمال المصريين في القناة في مارس/آذار 1953. ومن هذا الموقع، حوَّل الحفناوي موظفي الشركة، بتعبير بونين، إلى "كتائب مناهضة للإمبريالية"، تمزج المطالب الاجتماعية بقضية السيادة. ولذا فإن بونين يضعه بين العناصر الأساسية التي أدَّت إلى تآكل شرعية الشركة، ما يجعله أحد من مهدوا لقرار تأميم القناة.

يكشف هذا التتابع أن تأميم القناة لم يكن ارتجالا ناصريًا، ولا قرارًا مفاجئا، ولا حتى نتاج سنوات ما بعد ثورة يوليو وحدها، بل كان تتويجا لمسار مصري طويل، تداخلت فيه المقاومة الشعبية والإعداد الفني والحجج القانونية، إلى جانب الضغط العمالي والسياسي الذي أنهك شرعية الشركة الأجنبية. لقد كانت مصر قد استعدت بالفعل، وما فعله عبد الناصر أنه التقط اللحظة المناسبة ومنح هذا التراكم قراره الحاسم. وهكذا جاء 26 يوليو/تموز 1956، لا كبداية للحكاية، بل كذروتها؛ اللحظة التي انتقلت فيها مصر من المطالبة بالسيادة إلى ممارستها، ومن انتظار نهاية الامتياز إلى إنهائه بيديها.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة


الأكثر تداولا أمريكا إيران العراق

حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا