بعد أسابيع من انهيار وقف إطلاق النار، تدخل المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة قد تكون الأخطر منذ اندلاعها، إذ توسعت الضربات الجوية الأمريكية لتشمل البنية التحتية الإيرانية والمواقع العسكرية، بينما ترد طهران باستهداف قواعد أمريكية وسفن ومرافق حيوية في المنطقة، في مشهد يثير مخاوف من انزلاق الشرق الأوسط إلى حرب شاملة.
وترسم الصحف الأمريكية والبريطانية صورة لصراع يتصاعد بشكل مقلق، في وقت يقول فيه المحللون إن كلا الجانبين يتصرفان بطريقة قد تؤدي إلى "حرب لا يمكن احتواؤها" إذا لم يتم التوصل إلى تهدئة سريعة.
ومع ذلك، تشير تقارير من صحيفة تلغراف البريطانية ومجلة إيكونوميست البريطانية وصحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية، بجانب تحليل نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية، إلى أن كلا من واشنطن وطهران يواجه قيودا عسكرية وسياسية واقتصادية تصعب استمرار الحرب، لكنها في الوقت نفسه لا تمنع المزيد من التصعيد قبل العودة إلى طاولة التفاوض.
القلق لا يرتبط فقط بتبادل الضربات، بل بطبيعة الأهداف. فبحسب تحليل أعدته الصحفية إريكا سولومون -رئيسة مكتب صحيفة نيويورك تايمز لشؤون إيران والعراق- لم تعد الهجمات تقتصر على المنشآت العسكرية، بل امتدت إلى محطات المياه والتحلية والطرق والبنية التحتية.
وتضيف سولومون أن مضيق هرمز عاد إلى واجهة الأزمة مع تعطّل الملاحة وعودة الحصار على الموانئ الإيرانية، وهو ما يهدد الاقتصاد العالمي وإمدادات الطاقة.
ويرى التحليل أن الحرب وصلت إلى ما تصفه بـ"لحظة حرجة"، إذ يحذر خبراء من أن أي خطأ في الحسابات قد يحول التصعيد الحالي إلى حرب لا يستطيع الطرفان السيطرة عليها. كما أن توسع رقعة المواجهة قد يدفع إيران إلى استخدام حلفائها، مثل الحوثيين، لتعطيل الملاحة في باب المندب، مما يعني فتح جبهة بحرية ثانية إلى جانب مضيق هرمز.
في المقابل، تشير وول ستريت جورنال إلى أن الأردن تحول إلى إحدى أخطر ساحات المواجهة بعدما أصبح مركزا رئيسيا للعمليات العسكرية الأمريكية. واستهدفت إيران عدة قواعد تضم قوات أمريكية داخل الأردن، مما أدى إلى مقتل جنود أمريكيين لأول مرة منذ انهيار وقف إطلاق النار.
أما داخل الولايات المتحدة، فتضيف إيكونوميست بعدا آخر للأزمة، إذ تصف الحرب بأنها الأقل شعبية في التاريخ الأمريكي الحديث منذ بدء استطلاعات الرأي، فيما تراجعت شعبية الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بسبب ارتفاع أسعار الوقود وتزايد المخاوف من غياب استراتيجية واضحة لإنهاء الصراع، وهو ما يهدد الجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.
ولكن وفق ما كشفه مسؤول أمريكي مطلع لتلغراف، لا تمتلك الولايات المتحدة مخزونا كافيا من الصواريخ بعيدة المدى وذخائر الدفاع الجوي لخوض حرب واسعة وطويلة مع إيران. كما يحذر الخبير من أن المخزونات الحالية قد لا تسمح باستمرار العمليات بأمان إذا توسع النزاع.
ويقول التقرير أيضا -بناء على أقوال خبراء- إن الولايات المتحدة ليست مستعدة لعملية برية داخل إيران، وهو خيار لم يستبعده ترمب، لكنه يحمل مخاطر كبيرة منها الخسائر البشرية وطول أمد الحرب.
من جهتها، لا تبدو إيران في وضع مريح أيضا؛ إذ أكد ترمب أن الضربات الأمريكية ألحقت أضرارا كبيرة بقدراتها العسكرية. ومع ذلك، لا تزال طهران تحتفظ بأوراق ضغط مهمة، أبرزها القدرة على استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، وتعطيل الملاحة في مضيق هرمز، وفق الصحف.
وترى سولومون في تحليلها أن إيران تدرك أنها لا تستطيع الانتصار عسكريا على الولايات المتحدة، لكنها تسعى إلى إظهار قدرتها على إطالة أمد الحرب ورفع كلفتها، بهدف تحسين موقعها في أي مفاوضات مقبلة.
رغم التصعيد العسكري، تجمع التقارير الأربع على أن الحل العسكري وحده يبدو بعيد المنال.
وبحسب ما نقله تحليل سولومون، يعتقد عدد من الخبراء أن الطرفين وصلا إلى مرحلة يدركان فيها أن الحرب المفتوحة ستكون مكلفة سياسيا واقتصاديا. فإيران تعاني أصلا من أزمة اقتصادية خانقة ازدادت سوءا مع الحرب والحصار البحري، بينما يواجه ترامب ضغوطا داخلية بسبب تراجع التأييد الشعبي وارتفاع أسعار الطاقة.
ويرى محللون أن الضربات الإيرانية الأخيرة لا تهدف إلى تحقيق انتصار عسكري بقدر ما تهدف إلى الحفاظ على أوراق تفاوضية وعدم الظهور بمظهر الطرف الضعيف. وفي المقابل، قد يسعى البيت الأبيض إلى تنفيذ مزيد من الضربات لتحسين موقعه التفاوضي قبل العودة إلى المسار الدبلوماسي.
لكن العودة إلى المفاوضات ليست سهلة. فكل هجوم جديد يزيد احتمالات سوء التقدير، فيما قد يؤدي سقوط المزيد من الجنود الأمريكيين أو استهداف منشآت استراتيجية في الخليج إلى دفع الإدارة الأمريكية نحو رد أكثر اتساعا، وفق تحليل سولومون.
وتضيف إيكونوميست في هذا الصدد أن استمرار الحرب دون أهداف واضحة أو خطة خروج قد يتحول إلى عبء انتخابي على ترمب، وهو ما يجعل البحث عن مخرج سياسي ضروريا. إلا أن أي تفاوض سيظل مرهونا بقدرة الطرفين على وقف دوامة التصعيد أولا.
وفي الوقت الحالي يبدو المشهد معلقا بين خيارين متناقضين: تصعيد عسكري قد يجر المنطقة إلى حرب إقليمية واسعة، أو ضغوط متبادلة تنتهي بعودة متأخرة إلى طاولة التفاوض، بعد أن يكون الشرق الأوسط قد دفع ثمنا أكبر من الاستقرار والأمن والاقتصاد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة