بعد نحو 3 قرون من الشد والجذب حول إقليم جبل طارق، أزيل السياج الحدودي، اليوم الأربعاء، بعدما وقعت بريطانيا والاتحاد الأوروبي رسميا معاهدة لتسوية العبور وتدفق السلع عبر الحدود، في خطوة قد تنهي سنوات طويلة من عدم الاستقرار السياسي في الإقليم البريطاني ما وراء البحار.
ولعقود طويلة ظل يُنظر إلى الإقليم بوصفه شوكة بريطانية في خاصرة إسبانيا التي عجزت عن إعادة بسط سيادتها عليه رغم المطالبات المتكررة من مدريد بالتفاوض والعودة إلى قرارات الأمم المتحدة، لكن حجة الحق في تقرير المصير ظلت ورقة قوية بأيدي لندن في وجه الإسبان.
وبغض النظر عن المطالبات التاريخية القديمة، يأمل السياسيون الأوروبيون والحكومة الإسبانية وحكومة جبل طارق، بعد الإطاحة بـ"آخر جدار" في أوروبا، في أن تدفع المعاهدة الجديدة نحو علاقات اقتصادية وسياسية مستدامة.
يبلغ عدد سكان جبل طارق نحو 40 ألف نسمة فحسب، لكنه يعتمد على حوالي 15 ألف عامل يعبرون من إسبانيا يوميا ويشكلون نصف القوة العاملة لديه تقريبا.
ولهذا تهدف المعاهدة -التي وقعت أمس الثلاثاء- في المقام الأول إلى تسهيل حركة الأفراد والبضائع وتجنب التأخيرات الطويلة لآلاف العمال الذين يعبرون الحدود يوميا.
وبموجب المعاهدة يستطيع سكان جبل طارق عبور الحدود إلى إسبانيا باستخدام بطاقات الإقامة دون الحاجة إلى ختم جوازات سفرهم، بينما يستطيع المواطنون الإسبان العبور باستخدام بطاقة هوية حكومية.
ومن جهة أخرى، سيطلب من القادمين إلى مطار جبل طارق الاستظهار بجوازات سفرهم لموظفي الحدود في كل من جبل طارق وإسبانيا، حيث تسعى بريطانيا إلى تطبيق نظام مماثل للنظام الذي تتبعه الشرطة الفرنسية في محطة "سانت بانكراس" بلندن لخدمة قطارات يوروستار.
وعلى الأرض تشير المعاهدة، التي تنص على إزالة جميع الحواجز المادية والضوابط المفروضة على تنقل الأفراد والبضائع بين إسبانيا وجبل طارق، إلى نهاية آخر جدار يفصل بينهما.
ولكنها من جهة أخرى تحدد الالتزامات القانونية لكلا الجانبين، وبعض الترتيبات الإجرائية من بينها أساسا:
ورغم أن المعاهدة لا تتيح أي تغيير سياسي في جبل طارق الذي يبقى خاضعا للسيادة البريطانية، فإن الحماس والتفاؤل طغى على نبرة المسؤولين الأوروبيين والإسبان في فتح صفحة جديدة على أنقاض 3 قرون من انعدام الثقة.
وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، اليوم الأربعاء، في أثناء مراسم لمناسبة تفكيك السياج المعدني ونقاط العبور التي كانت تفصل بلدة "لا يينا دي لا كونسيبسيون" الإسبانية عن الأرض البريطانية إن انتهاء عمليات التفتيش الروتينية عند الحدود يمثّل لحظة تاريخية وينهي "جرحا مفتوحا".
وبدوره، ذكر وزير الخارجية الإسباني خوسيه مانويل ألباريس أن الاتفاق سيعود بالنفع على 300 ألف من سكان منطقة "كامبو جبل طارق" من خلال تحسين التواصل، وتشجيع الاستثمار، وتعزيز التعاون عبر الحدود، فضلا عن استبدال قرون من انعدام الثقة بمستقبل مشترك قائم على التعايش والازدهار.
وعمليا ستنهي الإجراءات الجديدة معاناة الآلاف من العمال الذين يضطرون للانتظار لفترات طويلة عند المعابر، وهي إجراءات تزداد تعقيدا كلما زاد التوتر الدبلوماسي بين مدريد ولندن بشأن السيادة على الإقليم.
وعلق المسؤول النقابي في منطقة "كامبو جبل طارق" الإسبانية مانويل تريانو باوليت على ذلك بالقول إن "كثيرا من العمال كانوا لا يعرفون متى يتعين عليهم مغادرة منازلهم للوصول إلى العمل في الوقت المحدد"، ولا في أي ساعة سيعودون إلى بيوتهم.
وأضاف الأمين العام الإقليمي لنقابة "اللجان العمالية" أن "من المهم أن ينتهي هذا التهديد المعلق فوق رؤوس العمال".
بالعودة إلى سجلات هيئة السياحة في جبل طارق، فإن الأزمة من حول الإقليم الصخري بدأت فعليا إبان وفاة كارلوس الثاني ملك إسبانيا عام 1700 من دون أن يترك وريثا، مما مهد لاحقا لاندلاع حرب في أغسطس/آب عام 1704، مع ظهور العديد من المطالبين بالعرش.
استولت الأساطيل البريطانية والهولندية على جبل طارق باسم شارل النمساوي بينما استمرت الحرب حتى عام 1713، حين نصت معاهدة "أوتريخت" على أن يرث فيليب الخامس، حفيد ملك فرنسا، عرش إسبانيا. وبموجب المعاهدة، تم التنازل عن جبل طارق لبريطانيا العظمى، إلى جانب مينوركا، التي عادت فيما بعد إلى إسبانيا بموجب معاهدة "أميان" عام 1802.
لكن إسبانيا لم تتوقف منذ ذلك الحين عن المطالبة بالسيادة على جبل طارق، مما أدى إلى توترات دورية بين مدريد ولندن.
وبلغ جبل طارق أوج ازدهاره في القرن الـ19 بوصفه ميناء عبور على الطريق الحيوي إلى الهند. وخلال الحرب العالمية الثانية، أصبح مركزا إستراتيجيا لقوات البحرية البريطانية ونقطة محورية للسيطرة على عمليات الإنزال في شمال أفريقيا عام 1942.
لكن التوترات بشأن الإقليم بلغت ذروتها عام 1969، عندما أغلق نظام الدكتاتور فرانثيسكو فرانكو الحدود، بعدما صوت سكان جبل طارق بغالبية ساحقة في استفتاء لمصلحة البقاء تحت السيادة البريطانية. ولم تفتح الحدود بالكامل مجددا إلا عام 1985.
وعندما غادرت بريطانيا الاتحاد الأوروبي عام 2020، بقيت العلاقة بين جبل طارق والتكتل الأوروبي دون تسوية.
وعام 2025، أعلن الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة التوصل إلى اتفاق بشأن هذه القضايا، ووقع الجانبان وحكومة جبل طارق، أمس الثلاثاء، في بروكسل، معاهدة تسهل عبور الحدود.
وفق الخارجية الإسبانية، ترسخ بنود المعاهدة إطارا قانونيا شاملا يعزز التنمية الاقتصادية، ويقوي الضمانات الاجتماعية، ويُوطد التعاون بين الطرفين، لكن لا يعني ذلك تنازل إسبانيا عن سيادتها على جبل طارق.
ويعد قرار الأمم المتحدة لعام 1965 المرجع القانوني الذي تحاجج به مدريد للمطالبة بإيجاد حل نهائي للنزاع السيادي في الإقليم.
ومع أن الاتفاق يمنح إسبانيا دورا محوريا في تطبيق البنود وإدارة عمليات العبور، فإنه ينطوي على تحفظات غير معلنة، حيث سيكون لمدريد الحق في طلب تعليق تطبيقه، أو اعتماد تدابير وقائية، أو إنهاء الاتفاق.
وعلى موقعها الرسمي، تعرّف الخارجية الإسبانية جبل طارق بأنه مستعمرة مدرجة على لائحة الأمم المتحدة من بين الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي.
ومن وجهة نظر إسبانيا في تفسيرها لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بأزمة جبل طارق، فإن إنهاء الاستعمار في الإقليم لا يرتبط بتقرير المصير، بل باستعادة إسبانيا سيادتها على كامل أراضيها، لذلك فهي تطالب بإعادته دون قيد أو شرط.
وتشير أهم القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة إلى ما يلي:
ومع إزالة السياج الحدودي، قامت سلطات جبل طارق بتركيب كاميرات للتعرف على الوجوه، تعمل مباشرة عند نقاط الدخول وفي جميع أنحاء الإقليم.
وقال رئيس الوزراء بيكاردو إن الإقليم سيضم عددا أكبر من كاميرات المراقبة، وإنه عزز وجود الشرطة، إضافة إلى زيادة الموارد المخصصة للجمارك وخفر السواحل. وأضاف "لقد أصبح الحصن الآن رقميا".
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة