نجحت الوساطة القطرية الباكستانية في قيادة كواليس معقدة أثمرت اتفاقا أمريكيا إيرانيا، أنقذ المنطقة من منزلق حرب كادت تعصف بالشرق الأوسط والاستقرار العالمي.
وكشف تقرير لوكالة أسوشيتد برس، اليوم الجمعة، كواليس تلك الوساطة التي جرت وسط تهديدات أمريكية إيرانية متبادلة كادت تزعزع المسار الدبلوماسي.
ففي 11 يونيو/حزيران علِقت طائرة تقل وسطاء قطريين على مدرج المطار في طهران، بسبب تبادل الولايات المتحدة وإيران ضربات تصعيدية متقطعة.
كان الوسطاء انخرطوا في محادثات مكثفة طوال الليل، في محاولة لوقف ما بدا أنه منزلق خطير يعيد المنطقة لحرب شاملة، وفقا لما نقلته الوكالة عن دبلوماسي مطلع.
واختصر هذا المشهد المتوتر على مدرج المطار، المسار الدبلوماسي العاصف، الذي قادته باكستان وقطر، وأسفر الأسبوع الماضي عن التوصل إلى اتفاق لإنهاء حرب.
وقد كانت هذه المحطة واحدة من عدة محطات كادت فيها التهديدات عبر التصريحات على منصات التواصل أو الأعمال العسكرية الفعلية، تشعل فتيل الحرب مجددا.
ويستند هذا التقرير، الذي يكشف كواليس الوساطة للاتفاق، إلى مقابلات أجرتها وكالة أسوشيتد برس مع 3 مسؤولين باكستانيين، ومسؤولين إقليميين، والدبلوماسي المذكور.
في نفس اليوم الذي شهد واقعة مدرج المطار، هدد الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بشن عمل عسكري هائل، قائلا إن واشنطن ستضرب إيران "بقوة شديدة الليلة" وتفرض "سيطرة كاملة" على قطاعي النفط والغاز الإيرانيين.
وفي حين كانت القوات الأمريكية تستعد لشن عمل عسكري جديد على إيران، تحركت جهود الوسطاء الإقليميين بسرعة بهدف إقناع ترمب بمنح الدبلوماسية فرصة أخرى.
وفقا لما ذكره المصدر الدبلوماسي، تحدث أمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني مباشرة مع ترمب وحثه على التراجع عن شن الهجوم على إيران لأن الاتفاق بات وشيكا.
وقد تكللت الجهود القطرية بالنجاح، إذ ألغى ترمب الضربات المقررة. وبعد أيام، وقّعت واشنطن وطهران اتفاقا لإنهاء الصراع الذي اندلع إثر الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على طهران في فبراير/شباط الماضي.
وينص الاتفاق على إعادة فتح مضيق هرمز الذي كانت إيران قد أغلقته بداية الصراع ما أدى إلى عرقلة حركة الملاحة وتسبب في صعود أسعار الطاقة، هذا إضافة إلى رفع الحصار الأمريكي للسماح لإيران بتصدير نفطها.
وقد حدد الاتفاق الأمريكي الإيراني مهلة 60 يوما للتفاوض على اتفاقية أوسع بشأن برنامج إيران النووي، مقابل تقديم تسهيلات وحوافز اقتصادية لطهران.
وتمتلك قطر خبرة واسعة في مجال الوساطة، حيث لعبت دورا رئيسيا إلى جانب مصر في التفاوض على وقف إطلاق النار في غزة. ثم بدأ المسؤولون القطريون، بالعمل جنبا إلى جنب مع باكستان على ملف إيران.
وكانت قطر وسلطنة عُمان قد ساهمتا في المفاوضات السابقة بين الولايات المتحدة وإيران، إلا أن تلك الجهود تعرضت لانتكاسة بداية الحرب عندما شنت إيران هجمات على دول الخليج.
وتبعا لذلك رفضت قطر القيام بوساطة تحت نيران تلك الهجمات، ولكنْ بحلول منتصف مايو/أيار الماضي، ومع توقف ضربات إيران على دول الخليج، تواصلت الولايات المتحدة وإيران مع الدوحة طالبتين مساعدتهما لكسر الجمود، بحسب الدبلوماسي.
وبالتوازي مع التحركات القطرية، برزت باكستان كقناة اتصال رئيسية، فمع أنها لم تكن تدير عادة دبلوماسية رفيعة المستوى في مثل هذه الملفات المعقدة، فإنها قادت جهود الوساطة لاشتراكها في حدود برية مع إيران وتمتعها بعلاقات جيدة مع طهران وواشنطن.
وقال مسؤولون إن قائد الجيش الباكستاني المشير عاصم منير، لعب دورا رئيسيا في إنجاح الجهود الدبلوماسية، بحكم اتصالاته المباشرة مع ترمب.
وفي السياق، قال تشارلز ليونز جونز، وهو دبلوماسي أسترالي سابق عمل في باكستان: "مع طول أمد الحرب الأمريكية الإيرانية ورغبة الطرفين في التوصل إلى اتفاق، أصبحت شبكة العلاقات الفريدة التي يمتلكها منير في واشنطن وطهران ذات قيمة كبيرة".
واستخدم فريق التفاوض الباكستاني نظاما آمنا لنقل الرسائل بين المسؤولين الإيرانيين والأمريكيين، لمنع أي تأثير على المحادثات. وصرح أحد المسؤولين الباكستانيين بأنه تم تحذير الموظفين من أن تسريب أي معلومات قد يؤدي إلى عقوبة السجن مدى الحياة.
وقد مكنت جهود الوساطة الباكستانية من التوصل لهدنة في أبريل/نيسان الماضي. وبعد أيام، التقى ممثلون عن الولايات المتحدة وإيران في إسلام آباد لإجراء أول محادثات.
وعلق الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لاحقا على وقف إطلاق النار، قائلا "لم أكن مؤيدا للأمر حقا، لكننا فعلنا ذلك كخدمة لباكستان، فهم شعب رائع".
وذكرت وكالة أسوشيتد برس نقلا عن مسؤولين إقليميين أن إيران كانت ترغب في تأجيل مناقشة مصير اليورانيوم عالي التخصيب لديها، لكنّ الوسطاء أقنعوها بإدراج التزام بتخفيف مخزونها في مسودة نص الاتفاق.
وجاءت هذه الخطوة ردا على الوعود الأمريكية بالإعفاء من العقوبات المفروضة على مبيعات النفط ورفع التجميد تدريجيا عن مليارات الدولارات من الأصول الإيرانية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة