في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بعد أقل من عامين من رئاسة الحكومة البريطانية، استقال كير ستارمر من منصبه، وتناولت صحف بريطانية وأمريكية هذه الاستقالة ودلالاتها والتوقعات بشأن خليفته المحتمل وفرص نجاحه والتحديات التي ستواجهه.
ويرى الكاتب روبرت شريمسلي في مقال له بفايننشال تايمز أن استقالة ستارمر صارت حتمية منذ أشهر، وأن توقيت خروجه المبكر يعكس أزمة عميقة داخل حزب العمال أكثر مما يعكس نتيجة انتخابية بعينها. ويعتبر أن الصعود المتزايد لحزب الإصلاح بقيادة نايجل فاراج خلق حالة من الذعر بين نواب العمال، الذين باتوا يرون هذا الحزب تهديدا استثنائيا لا يمكن تجاهله.
ويرى المقال أن ستارمر اعتمد بصورة مفرطة على الانضباط الحزبي، لكنه فقد هيبته عندما ظهر مستعدا للتراجع تحت الضغط. والأهم أنه لم ينجح في إلهام الناخبين أو تقديم رؤية سياسية جاذبة، ولذلك بدأ حزبه يفقد الثقة بقدرته على الفوز المتكرر.
وبحسب الكاتب، فإن المرشح الأوفر حظا لخلافته هو آندي بيرنهام، في ظل تراجع فرص المنافسة الداخلية. ويتوقع أن يقود بيرنهام الحزب نحو توجه أكثر يسارية، عبر زيادة دور الدولة وفرض ضرائب أعلى وربما التوسع في التأميم أو التشدد التنظيمي.
ويحذر المقال من أن هذا التحول قد يعيد جذب الناخبين اليساريين لكنه يضع الحكومة أمام تحديات اقتصادية صعبة، خاصة مع ارتفاع الاقتراض وضيق الموارد. ويخلص إلى أن تغيير القيادة لا يعني حل المشكلات البنيوية، وأن نجاح بيرنهام، إن تولى المنصب، سيختبر قدرته على التوفيق بين الطموحات السياسية والواقع الاقتصادي.
وورد أيضا أن أبرز المرشحين المحتملين داخل حزب العمال بالإضافة إلى بيرنهام، هم:
ورغم وجود هذه الأسماء، فإن بيرنهام يُعتبر في موقع متقدم جدا بسبب شعبيته العالية كعمدة لمانشستر وقدرته على التواصل مع الناخبين في شمال إنجلترا، وهي منطقة حاسمة انتخابيا.
ويتناول الكاتب ستيفن كاسل في مقال له بنيويورك تايمز الأمريكية صعود بيرنهام، قائلا إنه، بعد فوزه الحاسم في الانتخابات البرلمانية الفرعية في دائرة ميكرفيلد، بات أقرب من أي وقت مضى إلى تحقيق هدف سعى إليه مرتين سابقا دون نجاح، وهو قيادة الحزب ثم الوصول إلى داونينغ ستريت.
ويقدم الكاتب بيرنهام كشخصية مختلفة عن ستارمر؛ فيقول إنه سياسي يتمتع بالكاريزما والقدرة على التواصل وصورة أكثر دفئا وتفاؤلا، وهي صفات أكسبته شعبية واسعة خلال سنوات عمله عمدة لمانشستر الكبرى. ومنذ توليه المنصب عام 2017، بنى صورة السياسي القريب من الناس والمدافع عن مناطق شمال إنجلترا التي يرى أنها عانت التهميش مقارنة بلندن.
ولد بيرنهام عام 1970 في ليفربول ونشأ في شمال غرب إنجلترا في أسرة من الطبقة المتوسطة. ودرس الأدب الإنجليزي في جامعة كامبريدج قبل أن يبدأ مسيرته السياسية مساعدا لعدد من نواب ووزراء حزب العمال. انتخب عضوا في البرلمان عام 2001، وتدرج في المناصب الحكومية خلال عهدي توني بلير وغوردون براون، حيث تولى ملفات اقتصادية وثقافية وصحية.
ويستمر كاسل في متابعة صعود برنهام ويوضح أنه خاض، بعد خسارة حزب العمال الانتخابات عام 2010، سباق قيادة الحزب مرتين؛ الأولى انتهت بحلوله رابعا، والثانية عام 2015 حين خسر أمام جيريمي كوربن. وفي 2017 قرر مغادرة وستمنستر والتركيز على العمل المحلي من خلال منصب عمدة مانشستر الكبرى.
ويرى مؤيدوه أن نجاحه في مانشستر يعكس قدرته على الجمع بين الخطاب الشعبي والإدارة العملية، ويشيرون إلى نجاحه في إعادة تنظيم شبكة الحافلات المحلية وتوسيع دور السلطات المحلية، إضافة إلى حضوره القوي خلال جائحة كورونا حين انتقد سياسات الحكومة المركزية تجاه المناطق الشمالية.
لكن منتقديه يرون أنه سياسي مرن أكثر من اللازم، قادر على التكيف مع اتجاهات مختلفة داخل حزب العمال، ما يثير تساؤلات حول وضوح توجهه السياسي. كما يواجه تشكيكا في قدرته على إدارة الملفات الاقتصادية الوطنية، خاصة بعد تصريحات أثارت مخاوف بشأن موقفه من الأسواق والإنفاق العام.
ويخلص المقال إلى أن بيرنهام يمتلك مهارات سياسية وشعبية تختلف عن ستارمر، لكنه إذا وصل إلى رئاسة الحكومة فسيواجه واقعا أكثر تعقيدا من إدارة مدينة كبرى، حيث ستفرض عليه الأزمات الاقتصادية وضغوط الحكم اختبارات تختلف جذريا عن نجاحاته المحلية السابقة.
وفي صحيفة غارديان البريطانية تسدي الكاتبة بولي توينبي نصيحة لبيرنهام وتوصيه بالتركيز على الانطباعات الأولى، قائلة إن فشل ستارمر في بناء صورة سياسية مؤثرة منذ أيامه الأولى في الحكم كان أحد أسباب فقدان حكومته للشعبية.
تنطلق الكاتبة من فوز بيرنهام في دائرة ميكرفيلد بوصفه لحظة سياسية مهمة، ليس فقط لأنها هزمت حزب الإصلاح اليميني بقيادة نايجل فاراج، بل لأنها أعادت إظهار قدرة الخطاب التقدمي على حشد الناخبين. وترى أن هذا الفوز يعكس رغبة الناخبين في سياسات أكثر ارتباطا بمعيشة الناس، خاصة في مواجهة اليمين الشعبوي.
ويتناول الكاتب مارتن وولف في مقال نشرته فايننشال تايمز التحديات الاقتصادية والسياسية التي ستواجه بيرنهام إذا أصبح رئيسا للوزراء في بريطانيا، محذرا من أن تحقيق النمو الاقتصادي يتطلب قرارات صعبة قد تكون غير شعبية في النظام السياسي البريطاني الحالي.
وينطلق الكاتب من فكرة أساسية مفادها أن النمو الاقتصادي شرط أساسي لاستقرار الديمقراطية وازدهارها، وأن بريطانيا تعاني منذ عقود من ضعف واضح في الإنتاجية. ويشير إلى أن الناتج الحقيقي للفرد في عام 2025 أقل بنسبة 27% مما كان سيبلغه لو استمر الاتجاه الاقتصادي بين 1970 و2007، ما يعكس حالة ركود طويلة الأمد.
ويرى وولف أن أسباب تراجع النمو متعددة، من بينها انخفاض معدلات الادخار والاستثمار، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وشيخوخة السكان، إلى جانب الضغوط المالية المتزايدة. كما يشير إلى أن العالم اليوم أكثر تقلبا، وأن تطورات مثل الذكاء الاصطناعي تخلق فرصا لكنها أيضا تحمل مخاطر كبيرة، خصوصا للاقتصادات المتوسطة المفتوحة مثل بريطانيا.
ويؤكد الكاتب أن المشكلة لا تقتصر على الاقتصاد فقط، بل تمتد إلى السياسة، إذ أصبحت العملية السياسية في بريطانيا غير قادرة على اتخاذ قرارات صعبة لكنها ضرورية. وينقل عن توني بلير دعوته إلى وضع "السياسة الصحيحة أولا ثم إقناع الناس بها"، في إشارة إلى أن السياسة الحالية تفعل العكس، ما يساهم في تراجع الأداء الوطني.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة