شكلت استقالة وزير الدفاع البريطاني جون هيلي من حكومة كير ستارمر أزمة سياسية خطيرة، وربما الأخطر التي واجهت حكومة حزب العمال منذ وصولها إلى السلطة، ليس بسبب أهمية المنصب فحسب، بل لأن الاستقالة جاءت مصحوبة باتهامات مباشرة لرئيس الوزراء بعدم توفير التمويل الكافي للدفاع البريطاني في مرحلة تتسم بتصاعد التهديدات الدولية.
فمنذ الانتخابات العامة حاول ستارمر تقديم نفسه بوصفه زعيما مسؤولا في قضايا الأمن القومي والدفاع، وهي إحدى النقاط التي كان حزب العمال يعاني منها تاريخيا مقارنة بالمحافظين. لكن استقالة هيلي بسبب خلاف حول الإنفاق العسكري أضعفت هذه الصورة، خصوصا أن الوزير المستقيل يعد من أكثر الشخصيات احتراما داخل المؤسسة الدفاعية البريطانية، وربما تكتسب استقالته أيضا خطورة سياسية مؤثرة كونها جاءت في وقت تشهد فيه أوروبا استمرار الحرب الأوكرانية، والتوتر مع روسيا، وتزايد المطالب داخل حلف الناتو برفع الإنفاق الدفاعي.
الأزمة بشكل عام في الحكومة البريطانية لا تتعلق بسياسات الدفاع فقط، بل تعكس صراعا أوسع داخل الحكومة بين تيار يدعو إلى زيادة كبيرة في الإنفاق الدفاعي مثّله وزير الدفاع جون هيلي، وتيار وزارة الخزانة بقيادة راشيل ريفز الذي يركز على الانضباط المالي وتقليص العجز.
واعتبر كثير من المراقبين استقالة وزير الدفاع مؤشرا على الصعوبات التي واجهها ستارمر في التوفيق بين الاتجاهين، الأمر الذي عزز الانتقادات الموجهة إلى أسلوبه القيادي باعتباره مترددا أو بطيئا في حسم الخلافات الداخلية. ليس هذا فقط، بل لأن ستارمر لم ينجح في إصلاح البيئة الحزبية المضطربة داخل حزب العمال، ومن أجله تتزايد الأصوات المطالبة بمراجعة قيادته للحزب بعد تراجع شعبية الحكومة وخسائرها الانتخابية مؤخرا.
ورغم أن الحديث عن خلافة ستارمر لا يزال مبكرا، فإن بعض وسائل الإعلام البريطانية بدأت تتداول أسماء شخصيات يمكن أن تلعب دورا في أي سباق مستقبلي على زعامة الحزب، من بينها أندي بورنهام، وويس ستريتينغ وشخصيات أخرى من الجناح الأمني أو العسكري داخل الحزب.
ورغم تأكيد ستارمر أنه سيبقى في منصبه ويواجه أي تحدٍ داخلي، فإن مجرد اضطراره إلى إصدار هذا النوع من التصريحات يعكس حجم الضغوط الواقعة عليه وأن هناك أزمة.
التاريخ السياسي البريطاني حافل بأزمات بدأت بخلاف وزاري محدود قبل أن تتطور إلى أزمات ثقة أطاحت بحكومات أو أنهت مسيرة زعماء سياسيين
تداعيات استقالة هيلي على علاقة بريطانيا بحلف "الناتو" ربما تخلّ بالتزامات بريطانيا داخل الحلف. وجوهر هذه الالتزامات ينصب حول نسبة الإنفاق الدفاعي؛ فالحكومة تتحدث عن مسار تصاعدي للإنفاق، في حين يتحدث هيلي وأنصاره عن عدم كفايته لمواجهة التحديات المقبلة، لذلك قد يواجه ستارمر أسئلة صعبة من الحلفاء الأوروبيين والأمريكيين حول مدى جدية لندن في تحمل أعباء الأمن الأوروبي خلال العقد القادم؛ كونها إحدى القوى العسكرية الرئيسية في "الناتو"، وأي إشارات إلى وجود خلافات داخل الحكومة بشأن الإنفاق الدفاعي قد تثير تساؤلات حول مدى استعداد لندن للاستمرار في لعب دورها التقليدي كأحد أعمدة الأمن الأوروبي، وكون بريطانيا ليست مجرد عضو في الحلف، بل تعد إلى جانب الولايات المتحدة، وفرنسا القوة النووية الثالثة داخل "الناتو"، الأمر الذي يجعل أي جدل حول جاهزيتها العسكرية محل متابعة دقيقة من الحلفاء.
وزاد الأمر تعقيدا استقالة وزير القوات المسلحة آل كارنز بعد ساعات من استقالة وزير الدفاع جون هيلي لنفس السبب المتعلق بخطة الإنفاق الدفاعي الحكومية، وذكر كارنز في رسالة استقالته إلى رئيس الوزراء كير ستارمر بحسب الـ"بي بي سي"، أن "خطة الاستثمار الدفاعي ليست ممولة تمويلا كافيا، إننا نطلب من قواتنا المسلحة العمل في عالم أشد خطورة بميزانية وضعت لعالم أكثر استقرارا".
ورغم تعيين دان جارفيس وزيرا جديدا للدفاع خلفا للوزير المستقيل، فإن تعيين وزير جديد للدفاع لا يغير حقيقة أن جوهر الأزمة مالي وإستراتيجي أكثر منه شخصيا، وهو ما يجعل نجاح جارفيس مرتبطا بقدرته على انتزاع موارد إضافية للقطاع الدفاعي . ومن ثم فإن نجاحه في احتواء الأزمة سيعتمد على عدة عناصر أهمها الحصول على تمويل إضافي للدفاع، وإعداد برنامج لإعادة بناء الثقة داخل وزارة الدفاع بجدية الحكومة لتنفيذ هذا التمويل، مع الالتزام بمنع تحول الملف الدفاعي إلى محور تمرد داخل حزب العمال.
سياسيا وبحسب "التايمز"، وضعت استقالتا هيلي وكارنز حكومة ستارمر أمام اختبار حقيقي يتعلق بقدرتها على إدارة الخلافات الداخلية، فالحكومة تواجه فعليا تحديات مرتبطة بتراجع شعبيتها مقارنة بما كانت تتمتع به عند وصولها إلى السلطة، كما أن نتائج بعض الاستحقاقات الانتخابية المحلية أثارت تساؤلات حول قدرة حزب العمال على المحافظة على زخمه السياسي خلال السنوات المقبلة.
أما على المستوى الدولي، فقد أثارت الاستقالة اهتماما واسعا داخل الأوساط الأطلسية نظرا للمكانة المركزية التي تحتلها بريطانيا في المنظومة الأمنية الغربية؛ فالمملكة المتحدة تعد إحدى أكبر القوى العسكرية الأوروبية داخل "الناتو"، كما أنها لعبت دورا بارزا في دعم أوكرانيا منذ اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية. وبحسب "رويترز" ت زداد أهمية هذه الاعتبارات في ضوء النقاشات الجارية داخل الحلف حول رفع الإنفاق الدفاعي إلى مستويات تتجاوز النسبة التقليدية البالغة 2% من الناتج المحلي الإجمالي.
وتشير التقارير المتداولة بشأن الخطط الحكومية البريطانية إلى استمرار الجدل حول مستوى الإنفاق المستهدف خلال السنوات المقبلة، وهو الجدل الذي كان أحد الأسباب الرئيسية وراء أزمة الاستقالات الأخيرة.
غير أن ستارمر أدرك مبكرا خطورة انتقال الأزمة من الساحة الداخلية إلى دوائر صنع القرار الأطلسية، لذلك سارع إلى اتخاذ سلسلة من الخطوات الهادفة إلى تبديد مخاوف الحلفاء. كان أولها تعيين دان جارفيس وزيرا جديدا للدفاع بصورة سريعة؛ بهدف ضمان استمرارية القيادة السياسية للوزارة، وعدم إعطاء انطباع بوجود فراغ مؤسسي في أحد أكثر الملفات حساسية داخل الحكومة البريطانية.
كما حرص ستارمر على توجيه رسائل طمأنة إلى الحلفاء تؤكد أن الخلاف الذي أدى إلى الاستقالة لا يتعلق بالتزام بريطانيا تجاه حلف "الناتو"، أو بدعم أوكرانيا، بل يتركز حول آليات تمويل التوسع الدفاعي وسرعة تنفيذه. وفي الوقت نفسه واصلت لندن مشاركتها في الجهود الغربية الرامية إلى مواجهة الأنشطة الروسية التي تعتبرها الدول الغربية تهديدا مباشرا للأمن الأوروبي. وتشير "الغارديان" إلى أن المعطيات السياسية المتوافرة تكشف أن الحكومة تدرس إعادة ترتيب أولويات الإنفاق العام، وإيجاد مصادر تمويل إضافية للقطاع الدفاعي، في محاولة لتحقيق توازن بين متطلبات الأمن القومي، والقيود المالية المفروضة على الموازنة العامة.
"ذا أستراليان" ترى أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على إطار "الناتو" وحده، بل تمتد إلى مشاريع إستراتيجية أوسع مثل تحالف "أوكوس" الأمني الذي يضم بريطانيا، والولايات المتحدة، وأستراليا. ويعتمد هذا التحالف على التزامات مالية وعسكرية طويلة الأمد، الأمر الذي يجعل أي جدل داخلي حول تمويل الدفاع محل متابعة دقيقة من قبل الشركاء الإستراتيجيين لبريطانيا.
السؤال الأبرز اليوم هو: هل تمنح الحكومة الأولوية للإنفاق الدفاعي في ظل التحديات الأمنية المتصاعدة؟ أم ستواصل التركيز على ضبط المالية العامة، حتى لو جاء ذلك على حساب مطالب المؤسسة العسكرية؟ ولعل الإجابة عن هذا السؤال ستحدد إلى حد كبير مستقبل الحكومة خلال المرحلة المقبلة.
وإذا نجح ستارمر في تحويل الأزمة إلى فرصة لإعادة صياغة إستراتيجية دفاعية أكثر وضوحا، فقد يتمكن من تجاوز العاصفة، والتاريخ السياسي البريطاني حافل بأزمات بدأت بخلاف وزاري محدود قبل أن تتطور إلى أزمات ثقة أطاحت بحكومات أو أنهت مسيرة زعماء سياسيين. ومن هنا فإن أهمية استقالة جون هيلي لا تكمن في الحدث نفسه بقدر ما تكمن فيما قد تكشفه من تصدعات أعمق داخل حكومة ستارمر خلال المرحلة المقبلة.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة