لم يعد الصراع داخل النظام الإيراني يدور، كما كان في مراحل سابقة، بين محافظين وإصلاحيين فحسب. فمنذ مقتل المرشد السابق علي خامنئي نهاية فبراير الماضي، تقول قيادات إيرانية معارضة إن مراكز القوة داخل طهران دخلت مرحلة أكثر حدة، عنوانها الأبرز صعود الجناح العقائدي المتشدد في الحرس الثوري، ومحاولته الإمساك بمفاصل القرار في الدولة.
وبحسب معلومات حصلت عليها “الحرة” من قيادات معارضة، برزت في قلب هذا التحول جماعة “منصورون”، وهي إحدى المجموعات المسلحة العقائدية التي شاركت، قبل ثورة 1979، في العمل السري والعمليات ضد نظام الشاه، ثم كانت من بين التشكيلات التي اعتمد عليها آية الله الخميني في بناء الحرس الثوري بعد سقوط الملكية.
وتقول هذه القيادات إن نفوذ “منصورون” تمدد، خلال الأشهر الماضية، داخل مؤسسات الدولة والحرس والأجهزة الأمنية، في سياق صراع مكتوم مع أجنحة أخرى داخل النظام، خصوصا بعد غياب خامنئي عن المشهد، وصعود نجله مجتبى إلى موقع المرشد.
ومن بين أبرز الأسماء التي ارتبطت بهذه الجماعة، وفق المصادر نفسها، غلام رشيد، قائد مقر خاتم الأنبياء في الحرس الثوري، الذي قتل في غارة إسرائيلية خلال حرب الاثني عشر يوما في يونيو الماضي، وعلي شمخاني، القائد السابق في الحرس والقوة البحرية الإيرانية، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي سابقا، ومستشار خامنئي، الذي قتل في فبراير الماضي في غارة أميركية إسرائيلية مشتركة.
أما الاسم الأكثر حضورا اليوم، بحسب تلك القيادات، فهو محسن رضائي، القائد السابق للحرس الثوري، الذي يتولى حاليا موقعين شديدي التأثير: قيادة المجلس الثلاثي الذي يدير إيران منذ مقتل خامنئي، والعمل مستشارا عسكريا للمرشد الحالي مجتبى خامنئي. وتشير المصادر إلى أن عددا من قادة الصفين الأول والثاني في الحرس الثوري، ومنهم القائد الحالي للحرس أحمد وحيدي، وقائد فيلق القدس إسماعيل قاآني، ينتمون إلى الدائرة نفسها أو يتحركون ضمن نفوذها.
وتقول قيادات المعارضة إن رضائي ووحيدي أشرفا، عبر شبكة “منصورون”، على ما تصفه بـ”انقلاب داخلي غير معلن”، جرى من خلاله تقييد الرئيس مسعود بزشكيان وحكومته، ونقل جانب واسع من صلاحيات السلطة التنفيذية إلى الحرس الثوري وأجهزته الأمنية.
وبحسب هذه الرواية، لم يعد الرئيس قادرا على إدارة الملفات الكبرى من موقعه الدستوري، إذ بات الحرس يتولى، عبر قادته ومكاتبه، الإشراف الفعلي على كثير من مهام الحكومة، من السياسة الخارجية إلى الأمن الداخلي والاقتصاد.
وتقول المصادر نفسها إن رضائي ووحيدي منعا وفدا إيرانيا، كان يقوده رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، من إبرام اتفاق ينهي الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، قبل أن يُبعد قاليباف عن رئاسة الوفد، وتُسند المهمة إلى وزير الخارجية عباس عراقجي، الذي تصفه المصادر بأنه أقرب إلى رضائي ووحيدي، ويتلقى توجيهاته منهما أكثر مما يعود إلى الرئيس بزشكيان.
ويرى توفيق أبو الياس الأحوازي، عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية الشعبية الأحوازية، أن ما يجري داخل إيران لا يمكن فهمه بوصفه صراعا بين مؤسسات رسمية واضحة، بل بين شبكات نفوذ داخل الحرس والدولة العميقة.
ويقول الأحوازي لـ”الحرة” إن النظام الإيراني “لم يعد يحتضن الآن مركز قرار واحدا بالمعنى التقليدي، بل شبكة قوى متداخلة يقودها الحرس الثوري، تتنافس أجنحتها الأمنية والعقائدية والاقتصادية على النفوذ، مع بقاء المرشد أو الدائرة المرتبطة به كمرجعية شرعية عليا”.
ويضيف: “ما يجري اليوم أعد له الحرس الثوري وقادة النظام المتطرفون العدة فعليا خلال السنوات الأخيرة. إنه انتقال تدريجي من حكم المؤسسة الدينية إلى حكم المؤسسة الأمنية ـ العسكرية. لذلك، فإن الانقسامات الحالية ليست انقسامات أيديولوجية كاملة، بقدر ما هي صراعات على من يدير مرحلة ما بعد الأزمات الكبرى، ومن يتحكم بالاقتصاد الموازي، ومن يملك القرار الأمني والعسكري، ومن يرث النفوذ داخل الدولة العميقة”.
ويقسم الأحوازي مراكز القوة الأساسية في إيران إلى أربعة تيارات. الأول هو جناح الحرس العقائدي، المتمثل في قيادات الحرس وفيلق القدس، وهو الأكثر تشددا، ويرى أن بقاء النظام يتطلب العودة إلى ما يسميه “روح الثورة الإسلامية” بعد 1979.
ويقول إن هذا التيار، الذي تمثل “منصورون” أحد أبرز مراكزه، يرفض أي انفتاح على الغرب، ويدفع نحو قبضة أمنية أوسع، ويعتمد على الباسيج والأجهزة العقائدية، وينظر إلى أي مرونة سياسية باعتبارها بداية محتملة لانهيار النظام.
وإلى جانب هذا الجناح، يعمل داخل الحرس تيار آخر يمكن وصفه بالبراغماتي الاقتصادي. وهو تيار يملك نفوذا واسعا في شبكات المال والتهريب والشركات الكبرى والموانئ والطاقة. ولا يعارض هذا الجناح العقيدة الرسمية، لكنه يضع بقاء النظام فوق التصعيد المفتوح، ويفضل تخفيف المواجهة إذا تحولت إلى خطر على الاقتصاد أو على تماسك الداخل.
ويقول معارضون إيرانيون لـ”الحرة” إن هذا التيار، الذي يمثل قاليباف أحد أبرز وجوهه، اصطدم في المرحلة الأخيرة بالجناح العقائدي المتشدد، بسبب العقوبات الأميركية، وتراجع نفوذ إيران الإقليمي، وانكماش الموارد، والخلاف على كيفية التعامل مع الاحتجاجات. فبرغم أن هذا التيار محافظ في جوهره، فإنه يسعى، بحسب هؤلاء، إلى احتواء الأزمة حفاظا على بنية ولاية الفقيه نفسها.
ويشير الأحوازي إلى أن الصراع بين التيارين بدأ ينتقل تدريجيا إلى أذرع إيران في المنطقة، لا عبر مواجهة مفتوحة، بل من خلال تسريب معلومات، وتصفية نفوذ اقتصادي، وإقصاء قيادات داخل تلك الأذرع، وتنافس استخباراتي على الولاء للمرشد ودائرته الضيقة. لكنه يرى أن التيار الأمني العقائدي لا يزال هو الطرف الأقوى في هذه المرحلة.
وفي موازاة ذلك، بدأ تيار ثالث داخل الحرس يوسع نفوذه بعيدا عن الأضواء. ويصفه الأحوازي بالتيار الأمني التقني، وهو تيار يدير الرقابة الرقمية والاجتماعية، وعمليات قطع الإنترنت، وأنظمة الذكاء الاصطناعي الأمني، والحرب السيبرانية.
وبرأي الأحوازي، فإن ما تشهده إيران هو “إعادة تشكيل داخلية لموازين القوة بين أجنحة الحرس والدولة الأمنية”. ويقول إن لا مؤشرات واضحة حتى الآن على انهيار مباشر للنظام، لكن هناك “تصدعا داخل النخبة، وتنافسا على النفوذ، وخوفا متزايدا من مرحلة ما بعد القيادة الحالية”.
وتنفي السلطات الإيرانية باستمرار وجود صراعات أو خلافات داخل النظام، سواء بين الرئيس والحرس، أو داخل الدائرة الضيقة للقيادة.
وقال الحاج ميرزا، رئيس ديوان رئاسة الجمهورية الإيرانية، في تصريح نقله موقع “ عصر إيران ” أوائل مايو الماضي، “لا يوجد أي خلاف على الإطلاق. القادة والرئيس حاضرون في جميع الاجتماعات، وجميع القرارات تُتخذ بالإجماع”، مؤكدا أن تماسك القرار من أولويات الحكومة في إدارة الوضع الحالي.
لكن المحلل السياسي جعفر زيارة يرى أن التنافس داخل النظام لا يعني بالضرورة أن إيران مقبلة على صدام مسلح بين أجنحة الحرس.
ويقول زيارة لـ”الحرة”: “على مدى السنوات المتعاقبة، تمحور داخل نواة الحرس الثوري تيار خاص مقرّب من المرشد، وأقصى عمليا باقي القوى من مشهد القيادة داخل الحرس. لذلك، فإن احتمال حدوث مواجهة مسلحة داخلية بين تشكيلات الحرس، التي تشترك عقائديا في هدف تثبيت قيادة مجتبى خامنئي والحفاظ على نظام الجمهورية الإسلامية ومنع انهيار سلسلة القيادة، يُعد ضئيلا للغاية”.
ويوضح زيارة أن النظام الإيراني يتكون من أربع حلقات رئيسية: حلقة قريبة من المرشد وهي الأشد تشددا، وحلقة تشرف على المال وتملك علاقات ونفوذا داخل الحرس والجهاز الأمني ويقودها قاليباف، وحلقة الإصلاحيين، ثم حلقة المتشددين التقليديين.
وخلال العقود الماضية، نما الحرس الثوري من قوة صغيرة أنشئت لحماية الثورة إلى شبكة واسعة تجمع العقيدة والسلاح والسياسة والاقتصاد والاستخبارات. ولم يعد نفوذه محصورا داخل إيران، بل امتد إلى الشرق الأوسط وأفريقيا وأميركا الجنوبية وأوروبا. غير أن سيطرته، في عهد خامنئي، لم تكن كاملة بالمعنى المطلق، إذ كان المرشد السابق يحاول الموازنة بين أجنحة الدائرة الضيقة في نظام ولاية الفقيه.
أما جميل أحمدي، وهو ناشط سياسي كردي معارض يقيم في أوروبا، فيقول إن الحرس الثوري عزل، خلال الأشهر الماضية، تيار رجال الدين والحكومة عن صناعة القرار، ودفع باتجاه تعيين مجتبى خامنئي مرشدا بسبب ولائه الكامل للحرس.
ويقول أحمدي لـ”الحرة” إن الحرس، بعد هذا التحول، بات يتحكم بمعظم السلطات داخل البلاد وخارجها. ويضيف: “ضمن هذا الصراع، هناك مواجهة محتدمة حاليا بين استخبارات الحرس الثوري ووزارة الاستخبارات. في هذا الوقت، لم تعد هناك أي صلاحيات حقيقية لوزارة الاستخبارات، لأن استخبارات الحرس صادرتها، وأصبح هو الآمر والناهي الأمني الوحيد داخل البلاد وخارجها”.
ويشير أحمدي إلى أن تمدد استخبارات الحرس أدى، خلال الفترة الأخيرة، إلى حوادث احتكاك مسلح مع عناصر من وزارة الاستخبارات، قبل أن تتدخل قيادة الحرس لاحتواء الموقف وإخفائه، خشية أن تتوسع الانقسامات داخل النظام.
وتقول الحكومة الإيرانية إن قراراتها تُتخذ بالإجماع، وإن الرئيس وقادة النظام يحضرون الاجتماعات كلها. لكن المعارضين الذين تحدثوا لـ”الحرة” يقولون إن السؤال داخل طهران لم يعد من يتولى المنصب رسميا، بل من يستطيع إصدار الأمر وتنفيذه.
المصدر:
الحرة