يتجدد الجدل كل عام تقريبا مع حلول ذكرى أحداث ساحة تيان آن مين في الرابع من يونيو/حزيران 1989، حيث تعود هذه المناسبة لتكون محور سجال بين الصين والولايات المتحدة، في ظل اختلاف عميق في قراءة الحدث وتفسيره.
ففي الذكرى السابعة والثلاثين، تصاعد هذا التوتر مجددا بعد تصريحات وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو التي أكد فيها أن الرقابة الصينية لن تتمكن من "محو ذاكرة" ما حدث، مشددا على أن الذين سقطوا "دفاعا عن حرية التعبير والتجمع السلمي سينالون إنصافهم يوما ما".
في المقابل، جاء الرد الصيني سريعا اليوم الخميس، حيث اعتبرت بكين هذه التصريحات تشويها متعمدا للحقائق التاريخية وتدخلا سافرا في شؤونها الداخلية.
وفي كلمة ألقتها في بكين، قالت ماو نينغ المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية إن الحكومة توصلت منذ فترة طويلة إلى "استنتاج واضح" بشأن "الاضطرابات السياسية التي وقعت في أواخر الثمانينيات"، مؤكدة موقف بكين.
وأضافت ماو في تعليقها على بيان روبيو "تشعر الصين باستياء شديد وتعارض بشدة تشويه الولايات المتحدة للحقائق التاريخية وتشويه سمعة النظام السياسي الصيني ومسار التنمية في الصين".
وليست هذه المرة الأولى التي تثير فيها وزارة الخارجية الأمريكية هذا الملف، إذ سبق أن انتقدت الصينُ واشنطن عام 2024 على خلفية تصريحات أدلى بها وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، أنتوني بلينكن، أكد فيها عدم نسيان أحداث ساحة تيان آن مين عام 1989، واصفا إياها بأنها “مجزرة”.
وقد اعتبرت بكين تلك التصريحات حينها تدخلا مباشرا في شؤونها الداخلية، حيث أكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الصينية أن بلادها "مستاءة بشدة من ذلك وترفضه بشدة".
ودعت ماو الولايات المتحدة إلى الكف عن ما وصفته بـ"التحريض" محذّرة من استخدام قضايا حقوق الإنسان مدخلا للتدخل في الشأن الصيني وحثّت واشنطن على "تصحيح أخطائها فورا".
وتعود جذور القضية إلى ربيع عام 1989، حين خرجت أعداد كبيرة من الطلاب والمثقفين والعمال في العاصمة بكين في احتجاجات مطالبة بإصلاحات سياسية، ومكافحة الفساد، وتوسيع هامش الحريات العامة.
وقد تركزت هذه التحركات في ساحة تيان آن مين، التي شهدت ذروة الاحتجاجات مع اتساع نطاق المشاركة لتشمل مئات الآلاف، في ما عرف بـ"ربيع بكين".
و"ربيع بكين" حركة ولدت في 15 أبريل/نيسان 1989 بعد وفاة هو ياوبانغ الأمين العام السابق للحزب الشيوعي الصيني، الذي أقيل قبلها بعامين على خلفية تأييد مطالب شبابية بإصلاحات ديمقراطية.
وبلغت الأحداث ذروتها في ليلة الرابع من يونيو/حزيران 1989، عندما تدخلت القوات الصينية، لإنهاء الاعتصام في الساحة ومحيطها.
ورغم اختلاف التقديرات حول عدد الضحايا، تشير بعض الأرقام الرسمية إلى سقوط نحو 300 قتيل، في حين ترفع تقارير منظمات حقوقية دولية العدد إلى ما لا يقل عن 1300.
ومنذ ذلك الحين، ظل الحدث من أكثر القضايا حساسية في التاريخ الصيني المعاصر، في ظل استمرار القيود المفروضة على تناوله في الفضاء العام، وفرض رقابة صارمة على النقاش المتعلق به، بما في ذلك عبر الإنترنت.
كما أصبحت تيان آن مين قضية تتجاوز بعدها التاريخي لتتحول إلى رمز لصراع أوسع بين رؤيتين سياسيتين متباينتين.
فالولايات المتحدة ومعها بعض الدول الغربية تنظر إلى الأحداث باعتبارها قمعا لحركة سلمية تطالب بالديمقراطية، بينما ترى الصين أنها كانت أزمة سياسية هددت الاستقرار الوطني آنذاك وتمت معالجتها بما يحفظ وحدة الدولة.
تبرز تايوان طرفا نشطا في إحياء الذكرى، إذ تستغل المناسبة لتأكيد اختلاف نموذجها السياسي القائم على الديمقراطية، ولانتقاد بكين والدعوة إلى مواجهة الماضي والاعتراف بالحقيقة بوصف ذلك مدخلا للمصالحة.
وتقام مراسم عامة لإحياء ذكرى القمع في مدن خارج الصين، منها تايبيه، وغالبا ما يستغل كبار قادة الحكومة التايوانية هذه الذكرى السنوية لانتقاد الصين، التي تعتبر تايوان جزءا من أراضيها.
وكتب الرئيس التايواني لاي تشينغ تي، على صفحته على فيسبوك أن الدولة العظيمة حقا لا ينبغي أن "تؤمن بشكل أعمى بالقوة العسكرية أو تنزلق إلى النزعة العسكرية".
وأضاف "آمل بصدق أن تتمكن الصين من مواجهة أحداث الرابع من يونيو/حزيران التي وقعت قبل 37 عاما، والاعتراف بالحقيقة، وتخفيف الألم، وفتح الباب للمصالحة والحوار". ولم يرد مكتب شؤون تايوان الصيني بعد على طلب للتعليق على تصريحات لاي.
كما كانت هونغ كونغ، قبل فرض قانون الأمن القومي عام 2020، تمثل مركزا رئيسيا لإحياء الذكرى من خلال تجمعات سنوية واسعة، إلا أن هذه الفعاليات تراجعت بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة مع تشديد الإجراءات الأمنية والقيود المفروضة على الفضاء العام.
ورغم مرور سبعة وثلاثين عاما على تلك الأحداث، لا تزال قضية تيان آن مين حاضرة بوصفها ملفا غير مغلق في التفاعلات الدولية لاسيما ما يثيره الجانب الأمريكي مع كل ذكرى.
ففي حين تسعى الصين إلى طيّ صفحة الحدث ضمن سياق استقرارها وتقدمها الاقتصادي، تصر الولايات المتحدة على إبقائه حيا في الخطاب الدولي كرمز لقضايا حقوق الإنسان. وهكذا تتحول الذكرى إلى أداة تتداخل فيها اعتبارات وحسابات عدة.
ويُلاحظ أن استحضار هذا الملف لا يقتصر على طرف بعينه، بل يأتي في إطار توظيف أوسع، كل وفق أولوياته وسياقاته السياسية.
وفي المقابل، تتعامل الصين مع الانتقادات المرتبطة بذكرى تيان آن مين من منطلق السيادة الوطنية، معتبرة إثارتها تدخلا في شؤونها الداخلية، وهو ما يدفعها إلى تبنّي خطاب دبلوماسي يرتكز على رفض الضغوط الخارجية.
وما زالت السلطات الصينية تصر على سلامة قراراتها وصحة الأسلوب الذي توخّته في التعاطي مع أحداث تيان آن مين، وترفض الاعتراف بأعداد الضحايا أو تقديم لائحة بأسمائهم.
وعندما يُطرح الملف في سياق حقوق الإنسان من قبل الولايات المتحدة أو دول غربية، تقدم بكين مقاربة مغايرة تشير إلى ما تصفه بازدواجية المعايير في التعاطي مع القضايا الدولية، وترى أن توظيف هذه القضية ينطوي على أبعاد سياسية تتجاوز الطابع الحقوقي، الأمر الذي يشكل أساس موقفها الرافض لهذه الانتقادات.
كما تدرج الصين هذه المسألة ضمن إطار أوسع يتعلق بتأكيد خصوصية نموذجها في الحكم والتنمية، من خلال الربط بين الحفاظ على الاستقرار السياسي منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي وبين مسار النمو الاقتصادي اللاحق.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة