ناقش تقدير موقف بعنوان "أمريكا والصين والشرق الأوسط: هل يفضي الفشل في إيران إلى تراجع القوة الأمريكية؟" لمركز الجزيرة للدراسات كيف تحولت الحرب الأمريكية على إيران من مواجهة إقليمية محدودة إلى اختبار واسع لموقع الولايات المتحدة في النظام الدولي، ولقدرتها على فرض إرادتها العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط.
فالنقاش، لا يدور فقط حول نتائج الحرب المباشرة، بل حول ما إذا كانت المواجهة كشفت بداية تراجع الهيمنة الأمريكية، أو ما يشبه "لحظة السويس" التي أدركت فيها بريطانيا أنها لم تعد القوة الأولى عالميًّا.
وينطلق تقدير الموقف من ملاحظة لافتة: أن الحرب على إيران لم تنتهِ إلى الحسم الذي توقّعته واشنطن وتل أبيب، رغم استخدام واحدة من أضخم القوة النارية الأمريكية منذ غزو العراق 2003. فالقصف الواسع، الذي استهدف منشآت عسكرية ونووية وبنى تحتية وقيادات عليا، لم ينجح – وفق الدراسة – في تحقيق الهدف المركزي للحرب، سواء بإسقاط النظام الإيراني أو فرض استسلامه الإستراتيجي.
يرى تقدير الموقف أن جوهر الفشل الأمريكي بدأ من سوء تقدير طبيعة القوة العسكرية نفسها. فالولايات المتحدة تصرفت، كما يشرح، انطلاقًا من تصور قديم يفترض أن القصف الجوي المكثف قادر وحده على إخضاع الخصوم وفرض التحولات السياسية الكبرى. لكن التجربة الإيرانية – مثل فيتنام من قبل – أظهرت حدود هذا التصور.
فبعد نحو أربعين يومًا من القصف الأمريكي-الإسرائيلي، بقيت إيران تحتفظ بجزء كبير من ترسانتها الصاروخية، وأعادت تشغيل معظم قواعدها الإستراتيجية حول مضيق هرمز. كما أن الحرب لم تؤدِّ إلى انهيار داخلي أو انتفاضة ضد النظام، بل كشفت – بحسب الدراسة – أن واشنطن أخطأت في فهم البنية المعقدة للنظام الإيراني، كما بالغت في تقدير وزن المعارضة الخارجية وقدرتها على إسقاط النظام.
وتشير الدراسة إلى أن الإدارة الأمريكية تعاملت مع التقديرات الإسرائيلية حول إيران باعتبارها حقائق شبه نهائية، دون إدراك لطبيعة التوازنات الداخلية الإيرانية، أو لوزن الحس القومي داخل المجتمع الإيراني حتى بين قطاعات معارضة للنظام.
من أهم ما يتوقف عنده تقدير الموقف أن الحرب لم تُضعف إيران فقط، بل منحتها أيضًا أدوات ضغط جديدة. فالرد الإيراني، وفق تقدير الموقف، لم يكن رمزيًّا أو محدودًا، بل استطاع إلحاق أضرار بمواقع أمريكية وخليجية وإسرائيلية، وفرض تهديد مباشر لحركة الملاحة والطاقة في الخليج.
ويولي تقدير الموقف أهمية خاصة لما حدث في مضيق هرمز، معتبرًا أن قدرة إيران على التحكم العملي بالمضيق كشفت حجم المأزق الذي تواجهه الولايات المتحدة وحلفاؤها. فالممر البحري الضيق، المحاط بالتحصينات الإيرانية، جعل خيار الحسم العسكري الكامل أكثر تعقيدًا وكلفة.
ومن هنا تطرح فكرة محورية هي أن الحرب، بدل أن تُخرج إيران من معادلة القوة الإقليمية، أعادت تثبيت موقعها لاعبًا لا يمكن تجاوزه في الخليج والشرق الأوسط.
لا يتوقف تقدير الموقف عند حدود الحرب الإقليمية، بل يعتبر أن أخطر ما في المواجهة هو انتقال تداعياتها إلى المسرح الدولي. فإيران ليست دولة هامشية، بل طرف يرتبط بعلاقات وثيقة مع روسيا والصين، كما أن الحرب نفسها ترافقت مع توتر أمريكي متزايد مع الحلفاء الأوروبيين.
ولهذا يرى أن الفشل في إيران لم يعد مجرد تعثر عسكري، بل مسألة تتعلق بصورة القوة الأمريكية عالميًّا. فواشنطن دخلت الحرب منفردة تقريبًا، وفي تحالف وثيق مع إسرائيل، بينما راقبت القوى الدولية الأخرى المشهد من مسافة، خصوصًا الصين وروسيا.
ويستشهد تقدير الموقف بمواقف عدد من منظري السياسة الأمريكية الذين بدأوا يتحدثون عن تسارع "مرحلة ما بعد الهيمنة الأمريكية"، وعن أن الحرب على إيران قد تكون لحظة كاشفة لحدود القدرة الأمريكية على فرض نظام إقليمي ودولي أحادي.
يربط تقدير الموقف بين تعثر الحرب على إيران وبين نتائج القمة الأمريكية-الصينية في بكين خلال مايو/أيار 2026. فزيارة ترمب، كما يصفها التقدير، بدت مرتبكة ومحدودة النتائج، ولم تنجح في انتزاع تنازلات سياسية كبرى من الصين.
صحيح أن الطرفين توصلا إلى تفاهمات اقتصادية وتجارية جزئية، تتعلق بالطائرات والمنتجات الزراعية والمعادن النادرة، لكن الملفات الجيوسياسية بقيت شبه مجمدة:
الصين لم توافق على الدخول في ترتيبات نووية ثلاثية ولم تضغط فعليًّا على إيران ولم تنخرط في حل الأزمة الأوكرانية كما أرادت واشنطن
وترى الدراسة أن السبب الأساسي لذلك هو أن الصين كانت تدرك أن الولايات المتحدة جاءت إلى بكين وهي تحمل آثار التعثر في إيران، وأنها ليست في موقع يسمح لها بفرض شروطها أو إدارة التفاوض من موقع الهيمنة القديمة.
مع ذلك، لا يذهب تقدير الموقف إلى استنتاج متسرع بأن الصين تستعد فورًا لوراثة الولايات المتحدة عالميًّا. فالكاتب يلفت إلى أن بكين ما تزال تتجنب الانخراط المباشر في الصراعات الجيوسياسية الكبرى، رغم صعودها الاقتصادي والتقني.
ويفسر ذلك بطبيعة التكوين السياسي والفكري للدولة الصينية الحديثة، التي نشأت على خطاب مناهض للإمبريالية، وتخشى أن يؤدي الانخراط الواسع في إدارة الصراعات الدولية إلى تحولها هي نفسها إلى قوة إمبراطورية تقليدية.
ولهذا بدت الصين أكثر اهتمامًا بإدارة مصالحها الاقتصادية والتجارية، وأقل رغبة في لعب دور "شرطي العالم" الذي مارسته الولايات المتحدة لعقود.
في القسم الأخير يناقش تقدير الموقف المقارنة المتداولة بين الحرب على إيران وأزمة السويس 1956 التي كشفت نهاية الهيمنة البريطانية. لكنه يتحفظ على هذه المقارنة، معتبرًا أن الولايات المتحدة، رغم الإخفاق، ما تزال القوة العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية الأكبر عالميًّا. فالولايات المتحدة، كما يشير، تختلف عن بريطانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية فما تزال تملك التفوق البحري والعسكري وتقود في مجالات التقنية والبحث العلمي وتمتلك أدوات القوة الناعمة والنفوذ المالي العالمي
لكن التقدير يرى في المقابل أن ما جرى في إيران قد يكون لحظة وعي أمريكية بحدود القوة، لا لحظة سقوط كامل. أي أن واشنطن ربما لم تفقد موقعها العالمي، لكنها بدأت تدرك أن فرض الهيمنة المطلقة على الشرق الأوسط والعالم لم يعد سهلًا كما كان في العقود الماضية.
وفي النهاية يخلص تقدير الموقف إلى أن الشرق الأوسط ما يزال ساحة اختبار مركزية لمصائر القوى الكبرى، لكن نتائج المواجهة الحالية لم تحسم بعد صورة النظام الدولي المقبل، ولا شكل العلاقة المستقبلية بين أمريكا والصين، ولا حدود النفوذ الأمريكي في المنطقة.
_________________
النص الكامل لتقدير الموقف
https://studies.aljazeera.net/ar/article/6550
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة