أثارت تقارير إعلامية وتحقيقات أمنية في ألمانيا تساؤلات عن حجم الثروات المرتبطة بالنظام الإيراني في الأراضي الألمانية والأوروبية. وجاء ذلك بعد الكشف عن مخطط إيراني مخابراتي مزعوم لاغتيال السياسي الألماني فولكر بيك وهو من حزب الخضر ورئيس الجمعية الألمانية-الإسرائيلية، وهو ما أعاد فتح ملف الأموال الإيرانية في أوروبا.
وبحسب ما نشره موقع بيلد الألماني الإخباري بتاريخ اليوم السبت (23 مايو/أيار 2026) فإن التساؤلات متمحورة حول أموال يُشتبه في أنها أموال دولة إيرانية مختلسة تم استثمارها في ألمانيا وأوروبا.
وتشير التحقيقات إلى وجود شبكة استثمارات واسعة تشمل عقارات فاخرة وأصولا مرتفعة القيمة. ويُقدَّر حجم محفظة الاستثمارات المعروفة في أوروبا بنحو 400 مليون يورو، تتوزع على عدة مشاريع بارزة.
ومن بين هذه الأصول في ألمانيا فندق "هيلتون" بمنطقة غرافنبروخ القريبة جدا من مدينة فرانكفورت بقيمة تصل إلى 120 مليون يورو، إضافة إلى مركز "بيرو" التجاري بمدينة أوبرهاوزن بقيمة 68 مليون يورو، وفي النمسا فندق تزلج بمدينة كيتسبويل بقيمة 70 مليون يورو، وفي إسبانيا منتجع غولف بجزيرة مايوركا بقيمة 80 مليون يورو.
هذه الأرقام تعكس، بحسب خبراء، نظاما ماليا معقدا يعتمد على تحويلات مالية غير مباشرة واستثمارات موزعة عبر دول متعددة.
تفيد معلومات واردة في تقرير موقع بيلد الألماني ووثائق استخباراتية بأن حسابات مصرفية، في هذه الدول: سويسرا وليشتنشتاين والإمارات العربية المتحدة، تُستخدم كنقاط ارتكاز رئيسية لهذه الشبكة المالية.
ويُعتقد أن مصدر التمويل الأساسي يعود إلى عائدات النفط الإيراني، التي يتم تحويلها عبر شبكة من الشركات التجارية، وهو ما يسمح بإعادة تدوير الأموال بعيدا عن الرقابة المباشرة.
كما تشير وثائق إلى تحقيقات رسمية حول الملكية الاقتصادية لشركات مثل شركة ألسكو غرافنبروخ قرب مدينة فرانكفورت الألمانية والشركات المرتبطة بمركز "بيرو" بمدينة أوبرهاوزن الألمانية، في محاولة لتحديد المالكين الحقيقيين لهذه الأصول.
دعا السياسي الألماني فولكر بيك إلى اتخاذ إجراءات صارمة، قائلاً: "يجب على الدولة الألمانية التحرك بحزم ضد الأموال الموضوعة في ألمانيا والمشتبه بأنها مختلسة من نظام خامنئي ".
من جانبها، أطلقت خبيرة الإرهاب في مركز القدس للشؤون الأمنية بإسرائيل، إيلا روزنبرغ، تحذيرا أكدت فيه وجود ما لا يقل عن 50 مليون يورو في حسابات مصرفية داخل ألمانيا تعود للنظام الإيراني، إضافة إلى مليارات في أوروبا. وأضافت: "التغاضي عن هذه التحويلات المالية يضر بالشعبين الإيراني والإسرائيلي، ويجب تجميد هذه الأصول على مستوى أوروبا".
وكشف تحقيق نشره موقع تاغيسشاو الألماني الإخباري العام بتاريخ 20 مارس/آذار 2026 أن النظام الإيراني يواصل ممارسة أنشطة تجارية قانونية في ألمانيا رغم العقوبات الدولية.
ولعب الصحفي الإيراني فريبرز كلانتري، الذي يعيش في المنفى منذ عام 2019، دورا مهما في تتبع هذه الشبكات. وأكد تعرضه لتهديدات مباشرة، قائلا: "تم تهديدي بأنهم سيخطفونني ويسلمونني إلى فيلق القدس". ويرى كلانتري أن ألمانيا تمثل "مركزا ماليا مهما" للنظام الإيراني، حيث تمنح الشركات الألمانية غطاء يبدو شرعيا للمعاملات المالية.
ويشير خبراء ومسؤولون إلى وجود ثغرات في تطبيق العقوبات على النظام الإيراني داخل الاتحاد الأوروبي، مقارنة بالولايات المتحدة التي تفرض قيودا أشد.
وانتقد النائب البرلماني الألماني ذو الأصول الإيرانية أوميد نوريبور هذا الوضع بقوله: "نحن نؤذي أنفسنا إذا سمحنا لهذه الشبكات بالعمل بحرية".
كما أوضح الخبير الأمني الأمريكي ماثيو ليفيت أن التعامل الأوروبي مع إيران كان "ساذجا"، مؤكداً ضرورة تشديد الرقابة .
من جهته، يرى خبير مكافحة غسل الأموال أولريش غوريس أن ألمانيا متأخرة في تتبع الأموال غير القانونية مقارنة بدول أخرى، مشددا على ضرورة تحسين التنسيق بين الأجهزة الأمنية.
وتكشف هذه التقارير عن صورة معقدة لنفوذ اقتصادي عابر للحدود، يعتمد على شبكات مالية متشعبة وثغرات قانونية.
وبينما تتزايد الدعوات لتجميد هذه الأصول ، يبقى السؤال مفتوحا حول قدرة أوروبا على مواجهة هذه الظاهرة، في ظل تداخل المصالح الاقتصادية والسياسية.
ومن أبرز الشخصيات المرتبطة بالاستثمارات الإيرانية في الخارج، خاصة في ألمانيا، علي أكبر أنصاري رجل الأعمال الإيراني البارز.
ويمتلك علي أكبر أنصاري أصولا مهمة مثل مركز "بيرو" التجاري في مدينة أوبرهاوزن الألمانية، إضافة إلى فنادق هيلتون في منطقة فرانكفورت. ويُعرف أيضاً بكونه مؤسس بنك "آينده" الإيراني في طهران ومالك مشروع " إيران مال" بطهران، وهو أحد أكبر مراكز العالم التجارية.
وتشير تقارير إلى علاقة علي أكبر أنصاري الوثيقة بمجتبى خامنئي ، لكن محاميه في لندن نفى هذه الروابط، كما نفى أي صلة لموكله بالحرس الثوري الإيراني . وفي عام 2025، وضعت السلطات البريطانية اسم علي أكبر أنصاري على قائمة العقوبات، بينما لا يظهر اسمه في قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي. كما أفادت تقارير غير مؤكدة بوفاة علي أكبر أنصاري في 30 مايو/أيار 2025 بعد إصابته بمرض.
تحرير: خالد سلامة
المصدر:
DW