في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في ركن قصي بمنزل شرق جامعة صنعاء، أخذ رجلان على عاتقهما التوصل لصيغة تضع حدا لفتنة الأشقاء وتحل مشاكل السياسة والأمن والاقتصاد.
كان ذلك قبل 36 عاما. صاحب المنزل هو وزير الوحدة في اليمن الشمالي يحيى حسين العرشي، وأما ضيفه فهو نظيره في الجنوب أبو بكر بن حسينون. وكان لهما ما أرادا، فقد أفضت تلك الجلسة إلى بدء مسار الوحدة الذي سيتوج لاحقا في يوم مشهود.
ورغم أنه في الـ 79 من عمره ، إلا أن الوزير والدبلوماسي السابق يحيى حسين العرشي كان بكامل نشاطه وحيويته، خلال حضوري إليه في منزله العامر بالعاصمة صنعاء الذي احتضن لقاءات كبار صناع القرار قبل وبعد قيام دولة اليمن الواحد.
وخلال تجوالي معه في أروقة منزله الذي كان محطة هامة في إعداد الاتفاقيات الوحدوية، سألته عن المكان الذي جلس فيه قادة كثر من دولة جنوب اليمن السابقة إبان حواراتهم معه لإعداد وصياغة الاتفاقات، فأشار إلى حيث جلس الوزير أبو بكر بن حسينون، الذي أعد معه صيغة التفاهم والشراكة في نفط صافر، وهو الاتفاق الذي كان ممهدا لاتفاق 30 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1989 قبل الوحدة بأربعة أشهر .
والمكان الذي كان يجلس به لعقد اللقاءات السياسية وصياغة الاتفاقات يسمى "الديوان" وهو مجلس تقليدي، وبرغم مساحته الصغيرة إلا أنه كان كبيرا بكبر حجم اليمن ومكانا في غاية الأهمية حقق أعظم منجز يفاخر به اليمنيون.
يعد يحيى العرشي واحدا ممن حولوا الحلم إلى حقيقة، ورغم شخصيته الهادئة الدبلوماسية، إلا أنه ينافح بقوة بشأن وحدة اليمن.
وفي مقابلة خص بها الجزيرة نت أكد العرشي تفاؤله باستمرار الوحدة اليمنية، ورأى أنها تمثل الضمانة لأمن اليمن وإنهاء الحروب والصراعات العسكرية بين الفرقاء اليمنيين، كما شدد على أن اليمن الواحد يمثل عمقا إستراتيجيا لدول الخليج ولحماية الأمن القومي العربي.
وشدد على أن الوحدة تجسد تحقيقا لإرادة اليمنيين ولأهداف ثورة 26 سبتمبر/أيلول ضد حكم الإمامة وثورة 14 أكتوبر/تشرين الأول ضد الاستعمار البريطاني.
وكشف العرشي أن الرئيس عبد الفتاح إسماعيل قدم مقترحا بالوحدة للرئيس علي عبد الله صالح في الكويت عام 1979 عقب الحرب الثانية بين شطري اليمن، وطلب التوقيع على اتفاق الوحدة فورا ، لكن صالح تردد وطلب الاستمرار في الحوارات.
ومن وجهة نظر العرشي فإن علي سالم البيض كان هو الوحدوي الأول ، لأنه غادر القصر الرئاسي طوعا في عدن وسلم مقاليد الحكم للسلطة المركزية ورضي أن يكون نائبا لرئيس اليمن الموحد.
وفيما يلي نص الحوار:
أقول لهم إن الوحدة اليمنية هي الوضع الطبيعي لليمن الواحد وأن علينا كشعب يمني أن نحافظ عليها، ذلك أن الوحدة هي المكسب الكبير للشعب بعد نضالات طويلة خاضها وقواه ضد الاحتلال البريطاني لجنوب اليمن امتد لأكثر من 128 عاماً، وضد حكم الإمامة في شمال اليمن..
ولذلك حين قامت ثورة 26 سبتمبر/أيلول 1962م في صنعاء كان من أهم أهدافها الستة القضاء على الحكم الإمامي المستبد شمالا وإخراج الاستعمار البريطاني من جنوب اليمن ، واستعادة وحدة اليمن أرضا وإنسانا.
وبعد قيام الجمهورية العربية اليمنية في الشمال وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية في الجنوب، تحرك النظامان من أجل تحقيق الوحدة اليمنية، وكان ذلك تلبية واستجابة لتطلعات الشعب اليمني وتحقيقا لأهداف ثورتي 26 سبتمبر/أيلول و 14 أكتوبر/تشرين الأول.
كانت الحروب تشتعل لأسباب عادية، فمثلا اندلعت مواجهات عسكرية في عام 1969 بين الشمال والجنوب ولكن المهم أن النتيجة التي توصل لها الطرفان بقيادة رئيس وزراء الشمال محسن العيني وعلي ناصر محمد رئيس وزراء الجنوب في لقاء عقد في القاهرة برعاية الجامعة العربية، هي الاتفاق على تحقيق وحدة اليمن للخروج من دوامة المشاكل والصراعات، وقد وضع الطرفان أسس تحقيق الوحدة بإنشاء ثماني لجان مشتركة للإعداد لدولة الوحدة.
وعقب ذلك سافر الرئيس عبدالرحمن الأرياني من صنعاء إلى طرابلس في ليبيا ، ولحق به الرئيس سالم ربيع علي المعروف ب"سالمين" والتقيا بمعمر القذافي وأطلعاه على اتفاق الوحدة الذي جرى في القاهرة فباركه واتفق معهما على تشكيل لجنة تاسعة وهي لجنة التنظيم السياسي مهمتها إعداد تنظيم سياسي موحد من الشمال والجنوب لقيادة اليمن في دولة الوحدة.
وفي عام 1979حدثت مواجهة عسكرية ثانية بين الشطرين ، وكان لدى النظام في عدن حينها توجها بالدخول إلى صنعاء وتحقيق الوحدة بالقوة، ولكن النتيجة بعد توقف المواجهات بين الطرفين هي لقاء الرئيسين علي عبد الله صالح وعبد الفتاح إسماعيل في الكويت واتفقا على العودة لاتفاق عام 1969 وتفعيل لجان الوحدة، والمفارقة كانت الأجواء وحدوية إلى درجة أن الرئيس عبد الفتاح إسماعيل قدم مشروعا لقيام الوحدة اليمنية ذلك الوقت وطلب التوقيع عليه فورا ، ولكن الجانب الشمالي هو الذي تردد وطلب الاستمرار في الاتفاق السابق حتى الوصول إلى قيام دولة الوحدة.
وعزز اتفاق الكويت بزيارة لرئيس وزراء عدن حينها علي ناصر محمد إلى صنعاء عام 1980، وعقدت اتفاقات وحدوية، وأنا حينها كنت وزيرا للثقافة والإعلام. وقعت مع وزير الثقافة الجنوبي علي باذيب على اتفاقية الثقافة والإعلام والسياحة، بل أنشئت ثلاث مؤسسات وحدوية مشتركة من الجانبين ومقراتها في صنعاء وعدن، وهذه الخطوة كانت إيجابية.
وأعقبها زيارة تاريخية للرئيس علي عبد الله صالح إلى عدن في العام 1981، حيث التقى بالرئيس علي ناصر محمد بعد خروج الرئيس عبد الفتاح إسماعيل إلى موسكو نتيجة الصراعات الداخلية في الحزب الاشتراكي اليمني الحاكم في عدن، وقد اتفقا على إنشاء المجلس اليمني الأعلى والذي يتكون من الرئيسين في صنعاء وعدن، وإنشاء مجلس وزراء مصغر يتكون من رئيسي وزراء الشطرين في الشمال والجنوب، وإنشاء أمانة عامة للمجلسين.
هذا الأمر كان نتيجة لاتفاق بين الرئيسين علي عبد الله صالح و علي ناصر محمد الذين اتفقا على اختيار وزيرين لشؤون الوحدة لتحريك العمل الوحدوي بين الشطرين.
أنا كنت حينها قد عينت سفيرا لدى ألمانيا الغربية، وفوجئت بأن الرئيس علي عبد الله صالح قد استدعاني إلى صنعاء وأبلغني أنه قرر تعييني وزيرا لشؤون الوحدة وكان ذلك في عام 1984.
ومن الصدف حين كنت وزيرا للإعلام والثقافة للمرة الثانية في عامي 1979-1980 تواصلت مع وزير الثقافة والإعلام في عدن الذي كان هو راشد محمد ثابت، واتفقنا حينها على أن يكون الإعلام في الشطرين غير معاد ويخدم الوحدة اليمنية، كما اتفقنا على تبادل النشاط الثقافي والسماح بزيارات الفرق الفنية والثقافية والمسرحية لكل من صنعاء وعدن.
وحين عينت وزيرا لشؤون الوحدة، كان (التعيين) بالنسبة لي مواصلة لتطلعاتي وخطواتي الوحدوية السابقة وقضية وطنية.. وكان شرطي هو إعطائي الصلاحيات الكاملة ، وفي المقابل اختير في عدن وزير لشؤون الوحدة، الأستاذ محمود عشيش وبدأنا سويا في العمل الوحدوي، وجرى انعقاد المجلسين الرئاسي برئاسة الرئيسين علي عبد الله صالح وعلي ناصر محمد، وأيضا مجلس الوزراء الموحد ، وجرت الأمور بصورة طيبة لتوسيع عمل اللجان الوحدوية ، ولكن حدث الصراع الدامي في عدن والذي عرفت بأحداث 13يناير 1986 المأساوية ، فتعطلت الخطوات الوحدوية.
ما كان أمام صنعاء إلا أن تراقب ما يجري في عدن ، وكان هناك عدة خيارات للتعامل مع الحدث المأساوي بين الرفاق من الحزب الاشتراكي اليمني، ولكن صنعاء اختارت خيارا واحدا و(هو) أن لا يتم التدخل عسكريا مطلقا، وألا تطلق رصاصة واحدة.
لقد كان الهدف الأساسي هو إزالة الخلاف ووقف الصراع بين الإخوة في عدن ، ومن ثم مواصلة العمل والحوار باتجاه تحقيق وحدة اليمن، هذا الخيار الإيجابي أعطى صورة جيدة عند المواطنين في الجنوب الذين كانوا يتوقعون انقضاض الجيش اليمني في الشمال على مدينة عدن، كما حصل من الجيش اليمني الجنوبي الذي حاول الانقضاض على صنعاء وشن حربا باتجاه البيضاء ومأرب في عام 1979 عقب ضعف الجيش الشمالي إثر فشل محاولة انقلاب القيادات العسكرية الناصرية على الرئيس صالح.
ولكن موقف الرئيس صالح والقيادة في صنعاء من أحداث عدن وعدم التدخل العسكري انعكس إيجابيا على المواطنين والقيادة في الجنوب واتضح لهم أن الشمال لا يضمر شرا لهم ويعمل على وقف الصراع الداخلي.
واللافت أن أحداث 13 يناير والصراع الدامي في عدن هيأ الظروف للاتجاه نحو تحقيق الوحدة اليمنية، كما هو الحال عقب كل جولة حرب بين الشطرين الشمالي والجنوبي سابقا.
وأدى الصراع إلى نزوح الرئيس علي ناصر محمد إلى صنعاء ومعه كل القيادات العسكرية والأمنية والسياسية وأيضا آلاف المواطنين الفارين من عمليات التصفية والقتل والإعدامات.
الحوار توقف لأكثر من عام بسبب أحداث 13يناير خاصة وأن صنعاء أصرت على الوفاق بين الإخوة الأعداء، وطلبت من القيادة في عدن التي تغلبت وقف المحاكمات والملاحقات والإعدامات، والبدء في الحوار مع القيادات النازحة إلى صنعاء والسماح لعوائلهم بالمرور إلى الشمال بأمان، وفعلا استجابوا لذلك وأرسلوا وفدا لصنعاء يحاور علي ناصر محمد ومن معه برئاسة السييلي.
وعقب ذلك قمت بمهامي كوزير لشؤون الوحدة وذهبت إلى عدن والتقيت بالرئيس علي سالم البيض الذي تولى الرئاسة عقب خروج ونزوح الرئيس علي ناصر محمد إلى صنعاء.
وظلت مهمتي سارية في الحوار والتواصل والاتفاق من أجل تحقيق الوحدة ، وفي عدن جرى تعيين وزير جديد لشؤون الوحدة هو راشد محمد ثابت خلفا للوزير السابق محمود عشيش الذي جرت تصفيته في أحداث 13 يناير كونه كان محسوبا على طرف الرئيس علي ناصر محمد.
وكان هدفي مواصلة الحوار بشأن الوحدة و البناء على ما تم الاتفاق عليه سابقا قبل حرب 13 يناير ، وهو ما تيسر لي خاصة بعد تعيين الوزير راشد محمد ثابت الذي كان وزير الثقافة والإعلام سابقا وكنت قد وقعت معه سابقا اتفاقات وحدوية مشتركة بمجال الثقافة والإعلام.
وكان الحوار الوحدوي تكتيكيا ولكن بعد أحداث 13 يناير في عدن، صار الحوار إستراتيجيا، وعند ذلك وجدت نفسي في معترك رائع وأفضل من المراحل السابقة.
الذي حول المسار الوحدوي إلى العمل الإستراتيجي، هو وجود خلاف بين الشمال والجنوب حول النفط الذي اكتشف في منطقة صافر بمحافظة مأرب والواقعة على حدود محافظة شبوة.
ودخلنا في حوار جاد للتوصل إلى حل لموضوع النفط في صافر، وحتى لا تطلق رصاصة واحدة وتشتعل حرب ثالثة بين الشمال والجنوب.
وكان قرار الرئيسين علي عبد الله صالح وعلي سالم البيض اختيار شخصين من الطرفين محل ثقة وبشرط أن ما يتوصلا إليه من اتفاق يتم الموافقة عليه مسبقا، فاختار الرئيس البيض الوزير أبو بكر بن حسينون، والرئيس صالح اختارني كطرف ثانٍ.
وفعلا جاء أبو بكر بن حسينون إلى صنعاء في عام 1988 والتقيت به في منزلي، وبعد حوارات معه توصلنا الاثنين إلى اتفاق من صفحة واحدة، ونصت على إنشاء مشروع استثماري مشترك من الجانبين، وحددنا النقاط على الأرض عرضا وطولا، والعائد من إخراج النفط يعود على الشطرين، وذهبنا عقب ذلك إلى الرئيس صالح فوافق على الاتفاق، بعد ذلك سافرنا في نفس اليوم إلى عدن والتقينا بالرئيس علي سالم البيض فوافق على الاتفاق.
كان ذلك في صنعاء ، فقد أتى الرئيس علي سالم البيض وكامل القيادة في عدن للقاء الرئيس صالح والحكومة، وكان ذلك اللقاء المبارك الذي عقد يوم 27 رمضان 1410 هجرية الموافق 22 أبريل/نيسان 1989، وجرى فيه توثيق اتفاق الشراكة في النفط وتوقيعه.
وأيضا جرى الاتفاق على تنقل المواطنين بين أطراف اليمن شمالا وجنوبا بالبطاقة الشخصية فقط، وإلغاء كل الإجراءات الأمنية المعمول بها سابقا، وحدد يوم لتدشين هذا الاتفاق ميدانيا وقد نزلت شخصيا ومعي وزير الداخلية عبد الله بركات إلى منطقة الشريجة لإزالة براميل ونقاط الحدود الشطرية.
وكانت مشاركتي بتنفيذ السماح بتنقل المواطنين بالبطاقة الشخصية لحظة تاريخية وأبكاني مشهد لقاء الأسر والتئام شمل العوائل بعد إزالة العوائق والصعوبات ووقف الإجراءات الأمنية من أمامهم والناس شعروا بالارتياح والسعادة والابتهاج بهذا القرار وتنفيذه عمليا، والملفت أنه لم تحدث أي اختلالات أمنية ولا تفجيرات كما كانت الأجهزة الأمنية تظن.
وهذا الانجاز على صعيد تنقل المواطنين بسهولة ويسر بالبطاقة الشخصية أدى إلى توقيع اتفاق تاريخي آخر، بعد نزول الرئيس صالح وقيادات صنعاء إلى عدن في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، وذلك لحضور احتفالات يوم الاستقلال من الاستعمار البريطاني.
وجرى الاتفاق في30 نوفمبر/تشرين الثاني على دستور دولة الوحدة الذي بقي في الأدراج تسع سنوات، و في نفس اليوم كلفت أنا شخصيا ومعي زميلي الوزير راشد محمد ثابت بإعداد وثيقة اتفاقية الوحدة.
ما قصة نفق "جولد مور" ، وهل فعلا أنه شهد لقاء بين الرئيسين صالح والبيض، وخلال ذلك جرت الموافقة على تحديد يوم إعلان قيام دولة الوحدة اليمنية؟
كان هناك افتتاح مشاريع في عدن ومن ضمنها فتح نفق جولد مور ، وكان الرئيسان صالح والبيض في سيارة واحدة خلال افتتاح النفق، وافتتاح ميناء البريقة واستكملا النقاش حول ترتيبات إعلان يوم الوحدة، وخلالها كنت أحمل ملفات وأوراقا، فسألاني عن هذه الملفات فقلت لهما هذه وثائق الحوارات والاتفاقات الوحدوية التي قمت بها خلال السنوات الماضية، وهذه هي أمامكما، فإما أن تتفقا على إنجاز وحدة اليمن أو ترميانها في البحر أمامكما، فضحك الاثنان، واستمرا في التفاهم بينهما، ولم أعلم حينها أنهما قد حسما الأمر .
وخلال وجبة الغداء دعاني الرئيسان صالح والبيض وقالا لي: اذهب لإعداد مشروع اتفاق الوحدة مع راشد محمد ثابت.
الرئيسان كانا في منزل البيض الواقع أسفل قصر معاشيق الرئاسي.
كنت مع راشد محمد ثابت نعد نص اتفاق الوحدة. نزلنا معا إلى منزل الرئيس البيض وبجواره الرئيس صالح وكان موجودا أيضا معهما ممثلا الجبهة الوطنية يحيى الشامي وجار الله عمر، وعرضنا عليهم نص الاتفاق فقرأوه جميعا، ووافقوا عليه. وفي الساعة 12 ليلا من نفس اليوم أذعت شخصيا عبر التلفزيون بيان اتفاق 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1989، وتلاحقت بعده الخطوات الإيجابية والحماسية بشكل غير مسبوق.
وكان استقبال الجماهير للرئيس صالح في تعز وصنعاء كبيرا فرحا واستبشارا باتفاق 30 نوفمبر/تشرين الثاني، وبعد زيارة علي سالم البيض لصنعاء كان الاستقبال الجماهيري أكبر بكثير وهو ما أكد على رغبة الشعب اليمني وتوقه إلى قيام إعادة لحمة اليمن الواحد في أسرع وقت.
كان هناك اتفاق سري بين الرئيسين صالح والبيض على تحديد يوم إعلان الوحدة، وقد استدعياني وقدما لي ورقة تنص على يوم 26 مايو/أيار وقالا لي هذا تاريخ إعلان الوحدة ولا يجب إطلاع أحد عليه وعليك أن تضعه في مكان سري، وفي آخر لحظة فاجأني الرئيسان البيض وصالح بأن إعلان الوحدة سيكون في 22 مايو/أيار ، ويبدو أنهما قدما التاريخ منعا لمن قد يتربص بيوم الوحدة سواء من الداخل أو الخارج.
وكيف تلقيت تحديد يوم 22 مايو/أيار للإعلان، والذي هو أيضا يصادف يوم ميلادك في 22 مايو/أيار عام 1947، وماذا عنى لك هذا؟
عنى لي الكثير ، لكن ما كان يهمني هو توحد اليمن وهو إنجاز كبير لا يضاهيه أي إنجاز ، وتحقيقا لإرادة اليمنيين على مدى أجيال ناضلت من أجل رؤيته واقعا معاشا، وتحقيقا لأهداف ثورتي 26 سبتمبر/أيلول و14 أكتوبر/تشرين الأول.
للأمانة التاريخية أقولها إن علي سالم البيض كان هو الوحدوي الأول، ودخل التاريخ من أوسع أبوابه، لأنه تنازل عن منصبه كرئيس في دولة اليمن الديمقراطية الشعبية ، ورضي أن يكون نائبا لرئيس دولة الوحدة الذي هو علي عبد الله صالح.
بل الدستور هو الذي يحرم ويجرم كل ما له صلة بالانفصال، وهذا الدستور عرض للاستفتاء الشعبي وقد أقر من الجنوب أكثر من الشمال.
اليمن اليوم في وضع غير طبيعي وفي حالة انكسار، والدولة الواحدة لم تعد موجودة، وصارت هناك أربعة أطراف في اليمن: طرف في صنعاء وطرف في عدن وآخر في مأرب وطرف في المخا.. تعدد متصارعين، واليمن الواحد تعبر عنه دولة واحدة، وللأسف بات اليمنيون يتصارعون نيابة عن أطراف خارجية.
الوحدة اليمنية هي المخرج من الفتن والصراع والحرب، وبدون وحدة اليمن يبقى الصراع موجودا وستتجدد المواجهات العسكرية في أي لحظة، ولكن لا يعني هذا أن المركزية كانت ناجحة ، بل إن الدولة الاتحادية لا مركزية على شكل محافظات أو أقاليم، وذلك سيخلق معادلة جديدة للحكم في إطار اليمن الواحد.
نعم متفائل أكثر مما قبل، لأن ما يوجد حاليا من تباين الرؤى سببه غياب توحد الفكرة والرأي، فالوحدة اليمنية مخرج من الفتن الصراع وتقف في وجه التدخل الخارجي ، ولا يمكن مواجهة التدخل الخارجي إلا بالتوحد والوحدة.
بل لأمن المنطقة كلها ، وأمن الدول الخليجية بدرجة أساسية سواء السعودية وقطر والإمارات والبحرين والكويت وسلطنة عمان.
وما حدث من حرب بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل، زاد التأكيد وعزز فكرة أن اليمن الواحد والموحد هو خير لأشقائه في دول الخليج.
المبادرة تدعو لوقف الحرب والبدء في حوار سياسي بين المتصارعين لإنقاذ اليمن واليمنيين، والمبادرة تقترح حوارا بين الأطراف الرئيسة في اليمن حاليا وهي: المؤتمر الشعبي العام، والتجمع اليمني للإصلاح والحزب الاشتراكي اليمني وجماعة أنصار الله الحوثيين.
إلى جانب، اختيار عشرة ممثلين لكل طرف من الداخل والخارج والجلوس للحوار في محافظة حضرموت والاتفاق على تسوية سياسية تنهي الحرب وتشكل حكومة مؤقتة من جميع الأطراف لفترة انتقالية لمدة عامين، ويمكن إدخال قوى أخرى بممثلين إلى الأطراف الأربعة الرئيسية، ويمكن مشاركة ممثل عن سلطنة عمان وآخر يمثل السعودية وبحضور مبعوث الأمم المتحدة إلى اليمن.
وهي دعوة للحوار والتوافق من أجل إنقاذ اليمن، وإنهاء معاناة الملايين من النازحين في صحراء مأرب وحتى "نهم" بمحافظة صنعاء وفي مناطق أخرى.
———
وُلد يحيى العرشي في صنعاء القديمة، بحي القُزالي، عام 1947.
ومنذ قيام الثورة اليمنية عام 1962، يقيم في منزله بشارع الزراعة شرق جامعة صنعاء، بجوار منزل شقيقه الأكبر، القاضي عبد الكريم العرشي، الذي تولّى رئاسة الجمهورية العربية اليمنية لفترة انتقالية لعدة أسابيع، عقب اغتيال الرئيس أحمد الغشمي.
وقد عاصر العرشي معظم رؤساء اليمن شمالا وجنوبا، قبل الوحدة وبعدها، وشهد أغلب التحولات والمنعطفات التي مرت بها اليمن وحتى اليوم.
وبدأ يحيى العرشي مسيرته المهنية في الثامنة والعشرين من عمره، ففي عام 1965 عين مديرا عاما لمحافظة الحديدة.
شغل منصب وزير الإعلام والثقافة ثلاث مرات خلال الفترة (1975م – 1977م) إبان حكم الرئيس إبراهيم الحمدي، وأيضا في عامي 1979_1980 خلال حكم الرئيس علي عبد الله صالح، كما عين بعد وحدة اليمن، وزيرا للإعلام والثقافة من عام 1994 وحتى 1997.
واختاره الرئيس الراحل علي عبد الله صالح وزيرا لشؤون الوحدة اليمنية منذ أكتوبر/تشرين الأول 1984م وحتى إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو/أيار 1990م.
ولم يقتصر عمله كوزير ونائب رئيس وزراء في الجمهورية اليمنية، بل عين سفيرا في المغرب وألمانيا الغربية وبريطانيا وقطر وتونس وغيرها، كما كان مستشارا لرئيس الجمهورية ومبعوثا خاصا للرئيس إلى عدد كبير من ملوك ورؤساء الدول العربية والأجنبية، وأسهم في تعزيز علاقات اليمن الخارجية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة