في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
بيروت- في ساحة انتظار مكتظة بالحجاج، تختلط مشاعر البهجة بالرهبة على الوجوه. حقائب السفر مصطفّة قرب الحافلات التي ستقلّهم إلى مطار بيروت، فيما تتعالى همسات الدعاء بين العائلات، ليبدو موسم الحج هذا العام رحلة مثقلة بالقلق في ظل الحرب المستمرة في لبنان وارتفاع تكاليف المعيشة والسفر.
يقف الحاج شحادة فلاح إلى جانب حقيبته الصغيرة محاولاً إخفاء قلقه خلف ابتسامة لا تفارق وجهه، وقال للجزيرة نت إنه يشعر بسعادة كبيرة لأنه سيؤدي هذه الفريضة بعدما انتظر هذه اللحظة طويلاً، لكن فرحته تبقى منقوصة بسبب خوفه على أسرته التي تركها في لبنان وسط الظروف الأمنية المتوترة.
ولا يغيب بُعد الرحلة الروحي العميق بالنسبة لكثير من الحجاج، ممن يرون في هذه الفريضة مساحة للسكينة وسط الفوضى التي يعيشها لبنان منذ أشهر.
أولى رحلات الحجيج اللبنانيين انطلقت في 16 مايو/أيار الحالي (الجزيرة)
أما سمر أيوب، فأكدت أن مشاعرها لا توصف، وصرحت للجزيرة نت بأن زيارة الأراضي المقدسة والصلاة في المسجد النبوي والروضة الشريفة، تمثل بالنسبة لها رحلة العمر، رغم أنها سبق وأن أدت المناسك في سنوات سابقة.
غير أن حج هذا العام يحمل لها معنى مختلفاً، إذ تؤديه نيابة عن ابنة خالتها الراحلة، وأكملت حديثها محاولة حبس دموعها، "هذه السنة أؤدي الحج عنها، رحمها الله، وأسأل الله أن يتقبّل منها ويجعله في ميزان حسناتها".
وفي زاوية أخرى من ساحة الانتظار، تقف عائشة زيدان بين أفراد عائلتها، تتابع تفاصيل السفر بلهفة واضحة، وأوضحت للجزيرة نت أنها انتظرت هذه اللحظة سنوات طويلة وأن فرحتها بالحج تتجاوز كل المخاوف المحيطة.
ورغم القلق الأمني الذي يخيّم على لبنان، ترى عائشة أن الخوف لم يعد يغيّر كثيراً في حياة الناس الذين اعتادوا التعايش مع التوتر اليومي، وقالت بهدوء "الذي كتبه الله علينا سوف يحصل سواء هنا أو في أي مكان ثان".
ويأتي موسم الحج هذا العام في وقت يواجه فيه اللبنانيون أوضاعاً اقتصادية صعبة، بعدما ارتفعت تكاليف السفر والإقامة بشكل كبير، ما جعل أداء هذه الفريضة حلماً مؤجلاً لكثيرين. وبين غلاء الأسعار ومخاوف الحرب، يحاول الحجاج التمسك بما تبقّى من طمأنينة، حاملين دعواتهم وآمالهم إلى رحلة يرون فيها خلاصاً روحياً من أعباء الواقع المثقل بالأزمات والصراعات.
هواجس الحرب لا تغيب عن اللبنانيين حتى خلال أدائهم فريضة الحج (الجزيرة)
وأنهى معظم الحجاج الإجراءات الصحية المطلوبة، وفي مقدمتها لقاح السحايا، وجهّزوا ثياب الإحرام والأمتعة استعداداً للسفر إلى البقاع المقدسة. وأشار الحاج بهاء البيلاني، مدير "حملة البيلاني للحج والعمرة"، إلى أن أولى الرحلات انطلقت السبت 16 مايو/أيار الجاري، على أن تغادر آخر طائرة تقلّ الحجاج من لبنان يوم الخميس 21 من الشهر نفسه.
وأضاف للجزيرة نت أن موسم الحج هذا العام يتأثر بشكل واضح بالأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف السفر.
ورغم الغلاء والضغوط المعيشية، أكد البيلاني أن كثيرين ما زالوا يتمسكون بأداء هذه الفريضة، معتبراً أن "من عقد النية على الحج يتمسك بها مهما ارتفعت التكاليف"، ولفت إلى أن بعض الحجاج مستعدون لتحمّل أعباء مالية كبيرة، وحتى التخلي عن كثير من أساسيات الحياة، في سبيل الوصول إلى مكة المكرمة وأداء المناسك.
من جهته، قال الشيخ علي اليوسف، مدير "حملة روابي القدس للحج والعمرة"، إن لبنان، كغيره من دول المنطقة، يعيش موسم حج استثنائياً هذا العام في ظل الحرب والتوترات الأمنية المتصاعدة، مشيراً إلى أن هذه الظروف انعكست مباشرة على أعداد الحجاج وقدرتهم على السفر.
وأكد أن الحجاج في البلاد يواجهون تحديين أساسيين:
يبقى الحج بالنسبة للبنانيين رحلة العمر رغم ارتفاع التكاليف وتداعيات الحرب وغلاء المعيشة (الجزيرة)
وبحسب اليوسف، فإن عدد الحجاج اللبنانيين كان يبلغ في السنوات السابقة نحو 23 ألفاً، فيما يُعد خروج 6000 حاج هذا العام رقماً مقبولاً قياساً بالواقع الحالي، وهو ما يعكس حجم التراجع الكبير في أعداد الراغبين والقادرين على أداء المناسك.
كما تحدث عن تغييرات إدارية أثّرت بدورها على الموسم، موضحاً أن "تأشيرات المجاملات" التي كانت معتمدة في السابق استُبدلت بنظام "الباقات" المعتمد في السعودية، ما فرض أعباء مالية إضافية على الحجاج، إذ باتوا يدفعون مبالغ مرتفعة للباقات إلى جانب كلفة الحملات، الأمر الذي أدى إلى تراجع هذا النوع من التأشيرات بشكل ملحوظ.
ولفت اليوسف إلى أن الطائفة الشيعية في لبنان تأثرت بشكل كبير نتيجة الدمار الواسع الذي طال عشرات قرى جنوب لبنان بفعل العدوان الإسرائيلي، ما جعل ظروف الحج أكثر تعقيداً بالنسبة إلى كثير من العائلات المتضررة.
موسم الحج هذا العام تأثر بالأزمة الاقتصادية وارتفاع تكاليف السفر في لبنان (الجزيرة)
وتبلغ الحصة الرسمية للبنان -وفقاً له- نحو 7500 حاج، موزعين بين:
بدوره، قال الحاج ماهر عويد، مدير "حملة رسالة الأقصى للحج والعمرة"، إن عدد الحجاج الفلسطينيين تراجع هذا العام من نحو 1500 إلى قرابة 800 فقط، نتيجة الظروف الأمنية والأوضاع الاقتصادية الصعبة. وبخصوص الطائفتين السنية والشيعية، فأشار إلى وجود فائض كبير في الطلب، إذ إن عدداً من الذين سجلوا أسماءهم لم يتمكنوا من الحصول على تأشيرات للحج.
الحصة الرسمية للبنان تبلغ نحو 7500 حاج (الجزيرة)
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة