في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في تمام الساعة الحادية عشرة والربع صباحا بتوقيت موسكو يوم 12 مايو/أيار 2026، تصاعد عمود من اللهب فوق قاعدة بليسيتسك الفضائية شمالي روسيا، بدا واضحا في خلفية من السحب البيضاء، وبعد ساعات قليلة، جلس الفريق أول سيرغي كاراكاييف، قائد القوات الصاروخية الإستراتيجية الروسية، أمام كاميرا التلفزيون في الكرملين، وأبلغ الرئيس فلاديمير بوتين أن صاروخ "آر إس-28 سارمات" الباليستي العابر للقارات الجديد، المعروف في الغرب باسم "الشيطان 2″، قد أنجز أهداف مهمته.
"كان الإطلاق ناجحا، وتحققت أهداف المهمة"، هذا ما قاله كاراكاييف للرئيس الروسي، وفقا لبيان صادر عن الكرملين، مضيفا أن الفوج الأول من صواريخ سارمات سينشر بحلول نهاية العام الحالي. على الجانب الآخر صرح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للصحفيين بأن الصاروخ الجديد هو "الأقوى في العالم"، بقوة تدميرية إجمالية للرأس الحربي "تزيد بأكثر من أربعة أضعاف" عن أي صاروخ غربي مماثل.
سارمات هو صاروخ باليستي عابر للقارات، يعمل بالوقود السائل، ويطلق من صوامع تحت الأرض. يزن هذا الصاروخ أكثر من 200 طن عند الإطلاق، ويمكنه حمل حوالي عشرة أطنان من الرؤوس الحربية، لكن الفكرة ليست فقط في الوزن، بل في طبيعة الرأس الحربي (النووي في هذه الحالة)، حيث يمكن أن تتخذ هذه الحمولة عدة أشكال.
الشكل الأول هو "مركبات إعادة الدخول المتعددة"، وهي مركبات صغيرة يحمل كل واحد منها رأسا حربيا، والفكرة ببساطة أن يطلق الصاروخ الكبير الحمولة إلى الفضاء أو حافة الفضاء، ثم تنفصل عنه عدة مركبات صغيرة، كل واحدة تدخل الغلاف الجوي من جديد وتسقط نحو هدف مختلف. تخيل الأمر كحافلة كبيرة تحمل عدة ركاب، الصاروخ هو الحافلة، ومركبات إعادة الدخول هم الركاب الذين ينزل كل واحد منهم في محطة مختلفة.
"يقول بوتين إن سارمات هو الصاروخ الأقوى في العالم، بقوة تدميرية للرأس الحربي تزيد بأكثر من أربعة أضعاف عن أي صاروخ غربي مماثل"
أما الشكل الآخر للرأس الحربي في سارمات فهو المركبات الانزلاقية فرط الصوتية على غرار صواريخ أفانغارد، والفكرة هنا مختلفة، حيث لا نتحدث عن مجموعة رؤوس حربية صغيرة، بل مركبة انزلاقية كبيرة نسبيا يحملها الصاروخ إلى ارتفاع عال في الفضاء، ثم تنفصل وتبدأ في الانزلاق داخل الطبقات العليا من الغلاف الجوي بسرعة هائلة فرط صوتية، ورغم السرعة تستطيع هذه المركبة مناورة الدفاعات الجوية أثناء رحلتها، كما أنها في مرحلة الهجوم الأخيرة تنقض على الهدف من مستوى منخفض، وهو ما يجعل مسارها أقل قابلية للتنبؤ.
تجدر الإشارة كذلك إلى أن تصريح بوتين تضمن إشارة خطيرة، فقد قال إن مدى سارمات يبلغ أكثر من 35 ألف كيلومتر، وأضاف أن لديه القدرة على اختراق جميع أنظمة الدفاع الصاروخي الحالية والمستقبلية. مع هذا الطول للمسار فإن طبيعة المدار الصاروخي تصبح غير معتادة، فهو يسلك مسارا قوسيا طويلا جدا، يقترب من مدار الأقمار الصناعية، ثم يعود إلى الغلاف الجوي نحو الهدف.
أهمية هذا الكلام تأتي من أن معظم منظومات الإنذار والدفاع الصاروخي الأمريكية بنيت تاريخيا وهي تراقب الاتجاه الأكثر توقعا للهجوم وهو المسارات القادمة من الشمال، أي عبر القطب الشمالي بين روسيا والولايات المتحدة، أما إذا استطاع الصاروخ أن يطيل مساره ليهاجم من الجنوب، وهذا ممكن في هذه الحالة، فإنه يأتي من اتجاه أقل توقعا، ما قد يصعب مهمة الرصد ومن ثم الاعتراض.
"منظومات الدفاع الصاروخي الأمريكية بنيت لتترقب الهجمات الروسية القادمة من الشمال، وهو ما يصعب مهمة اعتراض الصواريخ القادمة من المسار الجنوبي الأبعد"
الإشارة الضمنية إلى الولايات المتحدة مهمة في هذا السياق، حيث جاءت تجربة سارمات بعد ثلاثة أشهر فقط من انتهاء معاهدة نيوستارت، وقال بوتين في هذه المناسبة إن انسحاب واشنطن من معاهدة الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية عام 2002 (اتفاقية تاريخية وُقعت عام 1972 بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي للحد من أنظمة الدفاع الصاروخي، بهدف منع سباق تسلح نووي) أجبر روسيا على التفكير في ضمان أمنها الإستراتيجي ضمن "واقع جديد" والحفاظ على توازن القوى.
حددت معاهدة "نيوستارت"، الموقعة عام 2010، عدد الرؤوس الحربية الإستراتيجية المنشورة، أي الموضوعة في الخدمة القتالية أو الجاهزة للاستخدام على وسائل إطلاق فعلية بـ 1550 رأسا لكل طرف، وعدد مركبات الإطلاق المنشورة بـ 700 مركبة، مع إجراء عمليات تفتيش دورية وتبادل للبيانات بين البلدين.
وقد انتهى هذا الترتيب مع نهاية أمد المعاهدة في فبراير/ شباط الماضي (2026) وفشل تمديد الاتفاقية أو الوصول لاتفاق بديل، ويصف مركز فيينا لنزع السلاح ومنع الانتشار النووي ما حدث بأنه "نهاية حقبة من الحد من التسلح النووي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي (روسيا)".
عادة ما يكون رد الفعل الأمريكي على مثل هذه الحوادث نمطيا ومتشابها، ويتمثل في الامتصاص البارد للصدمة داخل منطق الردع النووي القديم. يشمل ذلك مراقبة الاختبار بدقة، وتقليل أثره إعلاميا، ثم استخدامه سياسيا لتبرير تحديث الردع النووي والدفاعات الصاروخية الأمريكية. لكن هذه المرة هناك شيء مختلف، حيث لم تصدر حتى الآن أي بيانات أمريكية رسمية بعد اختبار مايو/أيار الحالي.
أما في اختبار سارمات السابق عام 2022، فقد قال البنتاغون إن روسيا أخطرت واشنطن مسبقا وفق ترتيبات معاهدة نيوستارت، وإن الاختبار كان روتينيا، ولم يكن مفاجئا، ولم يعد تهديدا للولايات المتحدة أو حلفائها. التصريح هنا له دور سياسي في تقليل الأثر الإعلامي للإعلان عن نجاح التجارب الصاروخية لواحد من أقوى القطع العسكرية على الأرض، لكن هذا كان في الماضي، فالآن ليس على الروس إطلاع الأمريكيين على تجاربهم، وهذا ما حدث في التجارب الحالية.
"انتهاء معاهدة نيوستارت يعني ببساطة أن السقف السياسي والقانوني الذي كان يضبط الإعلانات والتحديثات النووية قد سقط"
انتهاء معاهدة نيوستارت يعني ببساطة أن السقف السياسي والقانوني الذي كان يضبط الإعلانات والتحديثات النووية قد سقط، ومن ثم تصبح كل تجربة صاروخ، وكل حديث عن سارمات أو أفانغارد الروسيين، أو تحديث للثالوث النووي الأمريكي على الجانب الآخر، جزءا من لعبة إظهار القوة ومحاولة دفع الخصم للاضطراب.
الروس بارعون تماما في هذه اللعبة، بل ويمتلك ما يفعلونه اسما في بعض الأدبيات هو "الخطاب النووي"، وقد لاحظناه واضحا منذ بداية حرب أوكرانيا، حيث تكرر التلويح بالنووي، بل واستخدام صواريخ قادرة على حمل رؤوس نووية (لكن من دون تلك الرؤوس)، في مرات متعددة داخل أوكرانيا، في إشارات ضمنية لإمكانية استخدام النووي.
يوضح ما سبق لنا أن أخطر ما في التخلي عن معاهدة نيوستارت ليس هو غياب التأكد من عدد الرؤوس النووية، بل فقدان آلية التحقق، فعندما تقل البيانات المتاحة وعمليات التفتيش يميل جنرالات التخطيط العسكري في الجانبين للعمل وفق "أسوأ الاحتمالات"، سيتصورون أن الخصم يحدث من أعداد الرؤوس النووية، ومنصات إطلاقها، وإمكانات استخدامها. لذلك، حذر اتحاد العلماء الأمريكيين من أن غياب الشفافية سيزيد عدم اليقين وسيدفع الطرفين إلى الاستثمار فيما يظن كل طرف أنه يؤكد الحزم والقوة، بما يشمل تطوير القوات النووية، والدفاع الصاروخي، والقدرات السيبرانية والفضائية والذكاء الاصطناعي.
سارمات لا شك يعيد رسم اتجاهات التهديد كما أسلفنا، فهو يضع الجنوب كوجهة محتملة للهجمات، ويضرب بصواريخ يمكن أن تشتت الدفاعات الجوية الحديثة بسهولة نسبية، وأن تضرب مدنا متفرقة مرة واحدة، هذا لا يجعل الدفاع الصاروخي الأمريكي عديم القيمة بالكامل بالطبع، لكنه يضغط على هندسته بشدة، خاصة وأن إستراتيجية الدفاع الصاروخي الأمريكية، تقليديا، لم تصمم لإسقاط ضربة روسية أو صينية كبرى، بل لاعتراض هجمات محدودة من دول مثل كوريا الشمالية أو إيران، بحسب جمعية الحد من التسلح، والتي تقول إن صد ضربات من ترسانات روسيا والصين الكبرى، يمثل مهمة شديدة التعقيد تقنيا وماليا وجيوسياسيا.
"تقول جمعية الحد من التسلح إن صد أمريكا لضربات نووية من ترسانات روسيا والصين الكبرى يعد مهمة شديدة التعقيد تقنيا وماليا وجيوسياسيا"
هنا تحديدا يغير سارمات، وغيره من التجارب، من الجغرافية النووية، فواشنطن ترى أن روسيا توسع تحديث ثالوثها النووي، ومن ثم فعليها هي أيضا تحديث ثالوثها، الثالوث النووي يمثل الطرق الثلاثة لإطلاق الصواريخ النووية، من الصواريخ الباليستية الأرضية العابرة للقارات، إلى الصواريخ الباليستية التي يتم إطلاقها من الغواصات، إلى الصواريخ النووية التي تنطلق من القاذفات الطائرة الإستراتيجية. وزارة الحرب الأمريكية صرحت في عام 2025 بأن الولايات المتحدة تواجه "تهديدا نوويا خطيرا" يتمثل في ردع قوتين نوويتين كبيرتين، هما روسيا والصين، تملكان ترسانات حديثة ومتنوعة".
تمتلك الولايات المتحدة ما يقارب 5177 رأسا نوويا، وبذلك فهي صاحبة ثاني أكبر ترسانة نووية في العالم بعد روسيا، هذا العدد موزع حول "الثالوث النووي" المعروف، ويجري حاليا إعادة بناء جميع أركان هذا الثالوث دفعة واحدة، فيما وصف بأنه "أكبر برنامج تحديث نووي في زمن السلم في تاريخ الولايات المتحدة"، بتكلفة تقديرية طويلة الأجل تتجاوز تريليون دولار أمريكي على مدى 30 عاما.
أبرز رمز لهذا التحديث هو صاروخ "إل جي إم -35 إيه سينتنل"، الصاروخ الباليستي العابر للقارات الجديد الذي تم تصميمه ليحل محل صاروخ "مينيت مان 3″، والذي ظل في حالة تأهب في صوامع منتشرة في ولايات وايومنغ ومونتانا وداكوتا الشمالية وكولورادو ونبراسكا منذ سبعينيات القرن الماضي.
ويجري تحديث الركيزتين الأخريين للثالوث النووي الأمريكي بالتوازي، حيث تستبدل البحرية غواصاتها الباليستية القديمة من فئة أوهايو، التي تحمل كل منها ما يصل إلى 20 صاروخ "ترايدنت دي5 -2″، بغواصات كولومبيا الجديدة، ومن المقرر نشر أولى وحداتها في أوائل ثلاثينيات القرن الحالي، أما القوات الجوية فتُجهز قاذفات "بي-21 رايدر" الشبحية، وهي أول قاذفة إستراتيجية جديدة في الولايات المتحدة منذ ثلاثة عقود.
"دشنت أمريكا أكبر برنامج تحديث نووي في زمن السلم في تاريخها، بتكلفة تقديرية تتجاوز تريليون دولار على مدى 30 عاما"
كما يجري تحديث الرؤوس الحربية نفسها، مثلا يحمل الرأس الحربي النووي الحراري الجديد "دابليو 87-1" قوة تفجيرية تتراوح بين 300 و475 كيلوطنا، هذا يعني أن كل رأس حربي من هذا النوع أقوى من القنبلة التي دمرت هيروشيما بما يتراوح بين 20 و30 ضعفا، الأهم أن هذه أول مرة منذ نهاية الحرب الباردة تعود فيها الولايات المتحدة إلى إدخال رأس نووي "مصنع بالكامل من جديد" إلى المخزون، بدلا من الاكتفاء بتمديد عمر رؤوس قديمة.
وتضيف واشنطن بعدا آخر إلى تحديث وضعها النووي في أوروبا، عبر قنبلة الجاذبية النووية "بي61-12″، التي بدأت تحل محل النسخ الأقدم من قنابل "بي61" المخزنة في قواعد أوروبية ضمن ترتيبات المشاركة النووية للناتو، وتعمل عن طريق السقوط من الطائرة نحو هدفها بفعل الجاذبية. يجرى الآن دمج هذه القنبلة مع المقاتلة الشبحية "إف-35 إيه"، وفي مارس/آذار 2024 أُعلن رسميا أن هذه المقاتلة أصبحت معتمدة لحمل القنبلة النووية من هذا النوع، لتصبح أول مقاتلة من الجيل الخامس تحصل على هذه الصفة النووية.
كانت معاهدة نيوستارت اتفاقا أمريكيا روسيا فقط، لكنها انتهت في لحظة صعود الصين نوويا. تقول واشنطن إن أي اتفاق جديد يجب أن يأخذ الصين في الاعتبار بالنظر إلى التحديث المتسارع للترسانة الصينية، لكن بكين ترفض مساواتها بأمريكا وروسيا لأن ترسانتها بالفعل ما زالت أصغر بكثير منهما. والنتيجة النهائية هي توقف المعاهدات، ومن ثم يكون كل إعلان جديد عن تحديث نووي من قبل الروس أو الأمريكيين، دافعا للصينيين لتسريع التحديث بالتبعية.
الصين بالفعل تسارع للحصول على قوة نووية كبيرة وجاهزة، فهي تمتلك حاليا ما لا يقل عن 600 رأس نووي، مقارنة بحوالي 500 رأس في عام 2025، ونحو 350 رأسا نوويا في عام 2023، وهذا يجعل الترسانة النووية الصينية الأسرع نموا في العالم. وتتوقع وزارة الحرب الأمريكية أن تمتلك الصين حوالي 1000 رأس نووي بحلول عام 2030، وفي بعض السيناريوهات يتوقع أن تمتلك الصين حوالي 1500 رأس نووي بحلول عام 2035.
"أكثر من 100 من منصات صواريخ "دي إف-31″ الصينية العابرة للقارات تم تحميلها بالفعل بالصواريخ، ما يمثل أكبر توسع نووي للصين منذ الحرب الباردة"
أبرز مظاهر هذه التحركات تبرز في بناء ثلاثة صوامع صواريخ جديدة ضخمة في صحاري شمال الصين، بالإضافة إلى صوامع أخرى في ثلاث مناطق جبلية في الشرق والوسط، وقد أظهر تحليل أجرته مؤسسة "نيو سبيس إيكونومي" في مارس/آذار 2026 أن أكثر من 100 من منصات إطلاق الصواريخ الباليستية العابرة للقارات من طراز "دي إف-31" (DF-31)، قد تم تحميلها بالفعل بالصواريخ، ما يمثل أكبر توسع نووي للصين منذ الحرب الباردة.
ويشير تقرير "المفكرة النووية" الصادر عن اتحاد العلماء الأمريكيين، إلى أن منصات الصواريخ الصينية محملة بصواريخ قادرة على حمل أكثر من 270 رأسا نوويا، كما أن الصين خصصت أيضا مهاما نووية لبعض قاذفاتها، وأعادت تجهيز غواصاتها من "طراز 094" الحاملة للصواريخ الباليستية بصاروخ "جيه إل -3" بعيد المدى الذي يتم إطلاقه من الغواصات.
بالتزامن، تواصل بكين تطوير صاروخ "دي إف-41″، وهو صاروخ باليستي ثلاثي المراحل عابر للقارات يمكن نقله بريا ويتجاوز مداه 12 ألف كيلومتر وقد يصل إلى 15 ألف كيلومتر. ومثل سارمات، فهو قادر على حمل رؤوس حربية متعددة قابلة للتوجيه بشكل مستقل. والأهم أن دقته قد تصل إلى نحو 100 متر بحسب بعض المصادر المفتوحة، مع توجيه بالقصور الذاتي مدعوم بتحديثات مواقع النجوم وعبر الأقمار الصناعية.
في هذا السياق، لا يزال الموقف الرسمي للصين أنها لن تبدأ باستخدام الأسلحة النووية، في أي وقت وتحت أي ظرف، وهو ما أكدته في كتابها الأبيض للحد من التسلح الصادر في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، موضحة أن ترسانتها النووية مخصصة للدفاع عن النفس والردع، لا للتهديد أو الابتزاز النووي.
"يرجح البنتاغون أن بكين ستنظر في استخدام الأسلحة النووية كخيار أول إذا هددت هزيمة عسكرية تقليدية في تايوان بقاء النظام الصيني"
لكن "الأجواء ليست صافية" بما فيه الكفاية، فالبنتاغون مثلا لا يصدق هذا التعهد، حيث يرجح أن بكين "ستنظر على الأرجح في استخدام الأسلحة النووية كخيار أول إذا هددت هزيمة عسكرية تقليدية في تايوان بقاء النظام الصيني. ويقول تقرير وزارة الحرب الأمريكية الصادر عام 2025 إن بكين أحرزت تقدما في بناء قدرة تشبه "إستراتيجية الإطلاق عند الإنذار"، حيث يسمح إنذار مبكر بتوجيه ضربة صاروخية معاكسة قبل وصول الضربة الأولى المعادية، يتطلب ذلك تأكيدا على أن الضربة المعادية نووية بالأساس، وهو أمر يتطلب بدوره زمنا قصيرا جدا لاتخاذ القرار.
يقول تقرير البنتاغون إن الصين وسعت بنية الإنذار المبكر الفضائية في 2024 وبدايات 2025 عبر إطلاق قمرين إضافيين من نوع "هوينان 1″، يرجح أنهما يحملان مستشعرات تعمل بالأشعة تحت الحمراء في مدار جغرافي متزامن، هذه الأقمار تستطيع رصد إطلاق صاروخ عابر للقارات خلال نحو 90 ثانية، وإرسال إنذار إلى مركز قيادة خلال ثلاث إلى أربع دقائق. من منظور بكين، هذا لا يعد خروجا مباشرا عن سياسة عدم الاستخدام الأول، فهذه المنظومات تدخل في سياق التعرف على الهجمة النووية والرد عليها. أما من منظور أمريكا، فهذا بالضبط ما يعنيه أن تبدأ بضربة نووية، عبر تصوير هجوم ما على أنه "كان احتمالا نوويا".
ولا يقف الأمر عند الخصوم في الحرب الباردة الجديدة، فكل تصاعد للتحديث في الثلاثي السابق (أمريكا وروسيا والصين) يقابله تحركات أوروبية. في مارس/آذار الماضي، وقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أمام الغواصة النووية "لو تيميرير" في قاعدة إيل لونغ البحرية في بريتاني، معلنا ما وصفته صحيفة "بوليتيكو" بأنه "أكبر تحول نووي أوروبي منذ الحرب الباردة"، حيث أعلنت فرنسا زيادة حجم ترسانتها النووية، التي تقدر حاليا بنحو 290 رأسا نوويا.
هناك أسباب عدة تدفع أوروبا للتحديث النووي تتجاوز الطبيعة المتوترة للعالم النووي حاليا، أولها بالطبع هو الغزو الروسي لأوكرانيا، ثم تراجع الولايات المتحدة شيئا فشيئا عن التزاماتها تجاه أوروبا في عهد ترامب، لذلك ستجد مثلا أن المملكة المتحدة تعمل بالفعل على زيادة سقف مخزونها النووي وتحديث غواصاتها من فئة "دريدنوت" ومنظومة صواريخ "ترايدنت".
"في عام 2024، رفعت رومانيا إنفاقها العسكري بنسبة 43%، وهولندا بنسبة 35%، والسويد بنسبة 34%، وبولندا بنسبة 31%، وألمانيا بنسبة 28%"
ويبدو أن الأمر يجري على الجميع، ففي عام 2024، نجحت 17 من أصل 30 دولة أوروبية عضوا في الناتو في تحقيق أو تجاوز سقف الإنفاق الدفاعي للحلف البالغ 2% من الناتج المحلي الإجمالي. رفعت رومانيا إنفاقها العسكري بنسبة 43%، وهولندا بنسبة 35%، والسويد بنسبة 34%، وبولندا بنسبة 31%، وألمانيا بنسبة 28%. وفي عام 2025، نما إجمالي الإنفاق العسكري الأوروبي بنسبة 14% إضافية.
والأمر أوسع من ذلك كما يبدو، فالرئيس الفرنسي ماكرون يحاول أن يجعل السلاح النووي الفرنسي جزءا من أمن أوروبا كله ضمن سياسة "الردع المتقدم"، أي أن تشمل المظلة النووية الفرنسية شرق ووسط أوروبا، عبر تدريبات مشتركة وتنسيق إستراتيجي واستخدام مؤقت لقواعد حليفة بواسطة طائرات فرنسية قادرة على حمل سلاح نووي. ل
كن في المقابل، هناك تخوف من تحول السلاح النووي الفرنسي من "ضمانة أوروبية" إلى "فورة نووية"، فما يحدث بشكل أو بآخر هو إشراك دول غير نووية في التخطيط النووي، وهذا قد يضعف "المحظور النووي"، أي القاعدة السياسية والأخلاقية التي تقول إن العالم يجب أن يمنع انتشار السلاح النووي إلى دول جديدة، وعلى العكس فالواجب هو محاولة نزعه من الدول التي تمتلكه، أو على الأقل تخفيض أعداده، وهذا ما يحدث بالفعل فهناك عدد من الدول حول العالم التي تطمح لتصبح قوة نووية، بما في ذلك اليابان نفسها، مع تصريحات "مقتضبة" لكنها غير رسمية عن حاجة البلاد لردع نووي.
والأمر لا يقف عند أوروبا فقط، فهناك إشارات إلى أن الخصمين النوويين الكبيرين (الهند وباكستان) يستمران في تطوير أسلحتهما النووية من حيث العدد والقوة والدقة. بل وتقدر بعض التقارير أن الهند كانت تمتلك نحو 180 رأسا نوويا بحلول يناير/كانون الثاني 2025، مع ثالوث نووي آخذ في النضج يشمل الطائرات والصواريخ البرية والغواصات النووية، بينما امتلكت باكستان نحو 170 رأسا وواصلت تطوير ثالوثها النووي الناشئ من الطائرات والصواريخ البرية وصواريخ كروز البحرية، والأهم أن الطرفين لا يكتفيان بالعدد، فكلاهما يطارد قدرات أكثر تعقيدا، مثل الرؤوس المتعددة المحمولة على الصواريخ الباليستية، وتحسين أنظمة الإطلاق، وتوسيع إنتاج المواد الانشطارية.
"هناك إشارات إلى أن الخصمين النوويين الكبيرين (الهند وباكستان) يستمران في تطوير أسلحتهما النووية من حيث العدد والقوة والدقة"
الهند لا تنظر إلى باكستان وحدها، بل إلى الصين أيضا، فالصواريخ ذات المدى الأطول، والغواصات القادرة على حمل صواريخ باليستية، والانتقال التدريجي نحو صواريخ موضوعة في حاويات جاهزة للإطلاق، كلها مؤشرات على أن نيودلهي تريد ردعا أسرع وأبعد مدى وأقوى. المعادلة هنا ثلاثية وليست ثنائية، تتمثل في الصين وباكستان والهند، باكستان هي الخصم المباشر والتاريخي للهند، لكن الصين هي الخصم الأكبر حجما، والأوسع في الترسانة العسكرية، والأعمق في القدرة الصناعية والتكنولوجية، فضلا عن كونها الداعم الإستراتيجي الأبرز لإسلام آباد.
أما في شرق آسيا، فإن كوريا الشمالية تريد أن تقفز من الردع البدائي إلى ردع متعدد الطبقات، فقد عرضت بيونغ يانغ في أكتوبر/تشرين الأول 2025 صاروخها العابر للقارات "هواسونج 20″، ووصفته بأنه أقوى منظوماتها النووية الإستراتيجية، وقد توقع فريق من المحللين أنه قادر على حمل رؤوس متعددة، كما اختبرت في يناير/كانون الثاني 2026 صواريخ فرط صوتية، وهي أسلحة لا تكمن خطورتها في السرعة وحدها، بل في القدرة على المناورة على ارتفاعات أقل بما يصعب الاعتراض.
كما نلاحظ، فإننا أمام شبكة مركبة مترابطة، إذا أثيرت نقطة فيها، أثيرت بالتبعية بقية النقاط، لقد أطلقت روسيا صاروخ سارمات في تجربة ميدانية، والنتيجة أننا سنشهد قريبا تجارب مماثلة من خصومها.
في يونيو/حزيران عام 2025، أصدر معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) تقريره السنوي حول التسلح العالمي، وظهر أنه بحلول يناير/كانون الثاني 2025، امتلكت الدول التسع الحائزة على أسلحة نووية (وهي الولايات المتحدة، وروسيا، والمملكة المتحدة، وفرنسا، والصين، والهند، وباكستان، وكوريا الشمالية، وإسرائيل) مجتمعة ما يقارب 12241 رأسا نوويا، منها 9614 رأسا مخزنة في مستودعات عسكرية تحسبا لاستخدامها المحتمل. ومن بين هذه الرؤوس، كان ما يقدر بنحو 3912 رأسا منشورا بالفعل على صواريخ وطائرات، بينما كان نحو 2100 رأس في حالة تأهب قصوى على متن صواريخ باليستية جاهزة للإطلاق في غضون دقائق.
"شهد العالم منذ عام 2023 ارتفاعا في الإنفاق على السلاح النووي، تقوده الولايات المتحدة التي أنفقت أكثر من جميع القوى النووية الأخرى مجتمعة"
في الصورة الأوسع، يشهد العالم منذ عام 2023 ارتفاعا في الإنفاق على السلاح النووي، تقوده الولايات المتحدة التي أنفقت أكثر من جميع القوى النووية الأخرى مجتمعة، وفقا لتقرير نشرته "الحملة الدولية لإلغاء الأسلحة النووية"، الذي قال إن إنفاق القوى النووية على ترساناتها بلغ 91.4 مليار دولار بزيادة 13% عن العام السابق.
يعني ذلك أن 2898 دولارا يتم إنفاقها في الثانية على الأسلحة النووية، وتتصدر الولايات المتحدة القائمة بواقع 51.5 مليار دولار، وتفوقت الصين على روسيا كثاني أكبر دولة من حيث الإنفاق، إذ أنفقت 11.9 مليار دولار مقابل 8.3 مليارات دولار لموسكو، تلتها المملكة المتحدة، ومن ثم باقي الدول التسع.
والمشكلة الأكبر في هذا السياق هو أنه على مدى العامين الماضيين، بدأ دمج الذكاء الاصطناعي في نطاق "القيادة والسيطرة والاتصالات النووية"، وهي شبكة من أجهزة الاستشعار والأقمار الصناعية والحواسيب والضباط البشريين الذين يرصدون الهجمات المحتملة ويقيّمونها ويأذنون بالرد، والخطر هنا مفهوم جدا، الذكاء الاصطناعي يقلص فترة اتخاذ القرار لتصبح دقائق معدودة، ومن ثم فإذا كان الرئيس الأمريكي جالسا الآن على مكتبه وأمامه قد فتحت الحقيبة النووية، فهو يفهم جيدا أن الخصوم لديهم ذكاء اصطناعيا يدير العمليات، ويقلص هو الآخر نافذة اتخاذ القرار، ومن ثم يجب عليه أن يتخذ القرار سريعا.
"حذر وزير البحرية الأمريكية الأسبق ريتشارد دانزيغ أن مؤسسات الأمن القومي تخاطر بفقدان السيطرة على ابتكاراتها بفعل الذكاء الاصطناعي، والنووي ليس استثناء من ذلك"
في هذا السياق، حذر وزير البحرية الأمريكية الأسبق، ريتشارد دانزيغ، في دراسته بعنوان "روليت التكنولوجيا"، من أن "إدخال تقنيات معقدة ومبهمة وتفاعلية سيؤدي إلى "حوادث وآثار طارئة". وأضاف دانزيغ أن مؤسسات الأمن القومي تخاطر بفقدان السيطرة على ابتكاراتها، وأنه وبمجرد دمج الذكاء الاصطناعي في أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات النووية، وكذلك في أنظمة الاستخبارات والمراقبة ودعم القرار، قد تتلاشى الحدود بين الحكم البشري والآلي بطرق يصعب التنبؤ بها.
في تلك النقطة يظهر اصطلاح حديث بدأ في التجول بأروقة معاهد ومؤسسات الحد من انتشار السلاح النووي وهو "التصعيد الاصطناعي"، ويقصد به أن أنظمة الذكاء الاصطناعي قد تبدأ في قراءة تحركات الخصم والرد عليها بسرعة، لكن الخصم هو الآخر يستخدم ذكاء اصطناعيا، وهكذا تدخل الدول في دائرة تصعيد متبادل وسريع، حتى لو لم يكن أي قائد سياسي قد قرر فعلا بدء الحرب.
هذه المشكلة تلقي بظلالها على جهود التحديث برمتها، وتصعد الأزمة لتجعلها ليست فقط مشكلة عدد قطع نووية أو انتهاء المعاهدات، فتضيف لها بعدا كاملا جديدا، حاسوبي الطابع، يعد مجهولا حتى بالنسبة إلى مصنعيه أنفسهم، فهم لا يفهمون بشكل كامل كيف تعمل خوارزميات الذكاء الاصطناعي في بعض الأحيان، بمعنى أن السؤال عن "لماذا استخدمت السلاح النووي الآن؟"، إن حدث واستخدم، قد لا تكون هناك إجابة له، لأن مشغلي الذكاء الاصطناعي لم يعرفوا لماذا أصلا اتخذ هذا القرار.
من المهم في هذا السياق أن ندرك مع ماذا نتعامل، يظن البعض أن احتمال قيام حرب نووية ضعيف، وقد يقول لك إنه ارتفع عما سبق في سياق هذه الثورة التحديثية ودخول الذكاء الاصطناعي لكنه "يظل قليلا"، لكن الفكرة ليست في حجم الاحتمال، بل في وجوده من الأساس. ولفهم ما يعنيه ذلك دعنا نتعرف إلى عالمي الغلاف الجوي آلان روبوك من جامعة روتجرز، وبريان تون من جامعة كولورادو بولدر.
"أي حرب نووية بين واشنطن وموسكو قد تؤدي إلى وفاة أكثر من 5 مليارات شخص جوعا، أما حرب نووية إقليمية بين الهند وباكستان، فقد تودي بحياة أكثر من ملياري شخص"
على مدى عقود، استخدم الباحثان نماذج المناخ التي تقوم عليها أبحاث الاحتباس الحراري، ولكن بشكل عكسي لمحاكاة التبريد لا الاحترار، لدراسة ما يمكن أن يحدث إذا تصاعد الدخان الناتج عن مئات أو آلاف الانفجارات النووية إلى طبقة الستراتوسفير العليا من الغلاف الجوي، والفكرة بسيطة، ستنتج الضربات النووية عشرات الملايين من الأطنان من السخام الكربوني الأسود، الذي سيرتفع إلى طبقة الستراتوسفير حيث لا تستطيع الأمطار غسله، وسيبقى هناك لسنوات، وبسبب ذلك ستنخفض درجات حرارة سطح الأرض بشكل حاد.
في إحدى الدراسات، قام الباحثان بنمذجة ستة سيناريوهات لحقن السخام في طبقة الستراتوسفير نتيجة لنزاعات نووية متفاوتة الحجم، ثم أدخلوا نتائج هذه السيناريوهات في نماذج المحاصيل والثروة الحيوانية ومصايد الأسماك، وظهر أنه حتى أصغر السيناريوهات ستؤدي إلى نقص حاد في الغذاء في كل العالم، أما السيناريو الأسوأ، أي حرب بين الولايات المتحدة وروسيا، فسيؤدي، بحسب الدراسة، إلى وفاة أكثر من 5 مليارات شخص جوعا في العامين التاليين للحرب، وأما حرب نووية إقليمية محدودة بين الهند وباكستان، فقد تودي بحياة أكثر من ملياري شخص.
اختبرت الأرض سيناريوهات شبيهة من قبل لكن ليس بسبب حرب نووية، هذا ما حدث مثلا بعد ثوران بركان تامبورا عام 1815، في جزيرة سومباوا بإندونيسيا الحالية، والذي تصفه ناسا بأنه أكبر ثوران بركاني في التاريخ المسجل، وبسببه انتشرت جزيئات الغبار في الغلاف الجوي، فبرد المناخ العالمي مؤقتا، وجاء عام 1816 شديد البرودة حتى عرف بأنه "عام بلا صيف" بسبب الاضطراب العالمي في إيقاع الفصول.
ففي أوروبا وأمريكا الشمالية جاء الصيف كأنه امتداد للشتاء، مع صقيع في غير أوانه، وثلوج في أشهر يفترض أن تنضج فيها المحاصيل، وأمطار طويلة، وسماء معتمة قل فيها ضوء الشمس، تسبب ذلك في ضرر زراعي واسع، وارتفعت أسعار الغذاء، وندرت الحبوب، ووجد الفلاحون أنفسهم أمام موسم زراعي مختل لا يشبه ما عرفوه من قبل.
"هذا السيناريو البركاني يعد محدودا إذا ما قورن بالحرب النووية"
المشكلة أن هذا السيناريو البركاني يعد محدودا إذا ما قورن بالحرب النووية، التي تحدث عنها آلان روبوك وبريان تون، بل في حالة الحرب النووية فإن طبقة الأوزون قد تدمر، وستعبر الأشعة فوق البنفسجية إلى سطح الأرض، ما قد يدمر عددا من النظم البيئية بشكل أكبر، ومن ثم ستستمر آثار التبريد لسنوات، ربما لعقد أو أكثر، بحسب دراساتهما.
الفكرة إذن ليست في الإعلان عن النسخ الأحدث من "سارمات"، بل فيما سيتبع هذا الإعلان، وما أنتج هذا الإعلان أصلا. فالمشكلة الأكبر ليست فقط أن الأسلحة باتت أقوى وأحدث وأكبر عددا، بل بشكل أعمق في التغيير الهيكلي العالمي، فالبنية السياسية التي كبحت هذه القوة بدأت تتفكك؛ انتهت بعض المعاهدات وتآكل بعضها الآخر، وتم قطع الكثير من خطوط الهاتف السرية الواقعة في الخلفية، ولم تعد هناك جمل مثل "صديق في موسكو أخبرني" تتجول في أروقة مباني الهيئات الاستخباراتية الأمريكية، نقترب من حقبة سينعزل فيها الأطراف تماما، ومن ثم يصعب التنبؤ بالخطر القادم.
كانت الحرب الباردة مرعبة، لكنها امتلكت بعضا من أدوات الكبح، كانت هناك خطوط اتصال تعمل لمدة 24 ساعة، ونشأت مفاوضات منتظمة، ومعاهدات تحد من الانتشار، بل وقواعد غير مكتوبة لفهم إشارات الخصم، أما اليوم، يفتقد العالم هذا الحد الأدنى من الثقة، ولا أحد يكاد يعرف بالضبط عواقب ذلك.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة