في حال واجهت مشكلة في مشاهدة الفيديو، إضغط على رابط المصدر للمشاهدة على الموقع الرسمي
في مشهد غير مألوف يجسد تداعيات الحرب بالمنطقة، تحولت المطارات المدنية في إسرائيل، وعلى رأسها مطار " بن غوريون" في تل أبيب ومطار "رامون" في الجنوب، إلى قواعد عسكرية فعلية تعج بطائرات التزود بالوقود التابعة للقوات الجوية الأمريكية.
أمام هذا التكدس العسكري، وجه مدير هيئة الطيران المدني الإسرائيلي، شموئيل زكاي، رسالة تحذير شديدة اللهجة إلى وزيرة النقل ميري ريغيف، كشفت القناة 12 الإسرائيلية عن تفاصيلها، وأكد زكاي في خطابه أن مطار بن غوريون تحول إلى "مطار عسكري مع نشاط مدني محدود"، وهو يحذر من أن هذا الوجود الأمريكي المكثف يحد من قدرة الشركات الإسرائيلية على العمل، ويمنع عودة الشركات الأجنبية.
وأشار زكاي إلى أن المؤسسة الأمنية تمنع وزارة المواصلات من ممارسة دورها، مؤكدا أن هذا الوضع يشكل خطورة على بقاء شركات الطيران الصغيرة، ودعا إلى مطالبة الجانب الأمريكي بإخلاء طائراته بصفة فورية ونقلها إلى قواعد سلاح الجو الإسرائيلي.
لغة الأرقام جاءت لتصادق على التحذيرات الرسمية؛ فقد كشف تقرير مطار بن غوريون لأبريل/نيسان 2026 عن تراجع حاد لم يسجل منذ سنين، ووفقا لمدير المطار، أودي بار-عوز، فقد شهد المطار مرور قرابة نصف مليون مسافر فقط، في تراجع بلغت نسبته 73.53% مقارنة بالشهر نفسه من العام الماضي.
الرحلات الدولية تلقت ضربة كبيرة بهبوط بلغ 66.67%، في حين تراجعت حركة الشحن بنسبة 26.8%. وعلى صعيد الشركات، شهدت شركة "إل عال" الإسرائيلية هبوطا بنسبة 68% في عدد الركاب، في وقت أكدت فيه تقارير إسرائيلية إحالة 200 من موظفي المطار إلى إجازة بغير راتب بسبب تقلص النشاط ورفض الشركات الأجنبية الكبرى العودة.
على الأرض، كانت الأدلة البصرية والبيانات الملاحية بمثابة توثيق قاطع لابتلاع الطيران العسكري لمنشآت المطار. فقد وثقت عدسات وكالات الأنباء العالمية، في الفترة الممتدة بين 25 فبراير/شباط وحتى منتصف أبريل/نيسان الماضي، لقطات متعددة تظهر اصطفاف طائرات التزود بالوقود الأمريكية داخل مطار بن غوريون.
وبالتوازي، تداول زوار وصحفيون ووسائل إعلام إسرائيلية عبر منصات التواصل الاجتماعي مشاهد تؤكد تكدس هذه الطائرات العسكرية في كل زاوية من زوايا المطار بصفة غير مسبوقة.
وفي مشهد يعكس حجم التواجد العسكري، عرضت منصات إسرائيلية في 24 أبريل/نيسان لقطات تكشف عن حشر حشود كبيرة من الطائرات في مساحة صغيرة من المطار.
ولعل المقطع الذي بثته القناة 12 الإسرائيلية في 11 مايو/أيار هو الأبرز من حيث الوضوح، حيث أظهر وجود ما لا يقل عن 30 طائرة تزويد بالوقود أمريكية تربض بصفة متلاصقة على أرضية المطار، في حين كانت طائرة أخرى تتبع للقوات الأمريكية تنشط على مدرج الإقلاع والهبوط بالقرب من نشاط لطائرة مدنية أخرى.
وتطابقت هذه المشاهد البصرية مع تحليلات وحدة المصادر المفتوحة في الجزيرة لبيانات موقع "فلايت رادار" (Flightradar24)، التي أظهرت أن طائرات التزود بالوقود الأمريكية -مثل كيه سي-135 ستراتوتانكر (KC-135 Stratotanker) وكيه سي-46 إيه بيغاسوس (KC-46A Pegasus)- تصدرت قائمة الطائرات في المطار.
ومن أصل 142 طائرة تم رصدها، تواجدت 46 طائرة عسكرية أمريكية، لتمثل نحو 32.4% من إجمالي الطائرات، متجاوزة أسطول شركة "إل عال" الذي ظهر بعدد 26 طائرة فقط.
هذا التكدس دفع السلطات لنقل 12 طائرة أمريكية إلى مطار "رامون" في الجنوب، وهو ما خلق أزمة مماثلة هناك.
صورة جوية لمطار رامون الإسرائيلي في إيلات (Getty)وأكدت نشرة إشعارات "نوتام" (NOTAM) إغلاق المسار الجوي (Q30) القريب من قاعدة رامون طيلة الشهر الجاري، في خطوة يبدو أنها تهدف لإفساح المجال للرحلات العسكرية.
هذا الواقع أثار حفيظة الداخل الإسرائيلي، وأكد تقرير لصحيفة "يسرائيل هيوم" (Israel Hayom) أن الأزمة مطروحة على طاولة الكابينت منذ فترة، وأن مسافرين إلى إيلات اشتكوا من تعطل هبوط طائراتهم بسبب "حركة نشطة للشريك الأمريكي".
وعبر يانير كوزين، مراسل إذاعة الجيش الإسرائيلي، عن صدمته بعد مرافقة الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ في رحلة جوية، قائلا: "عندما هبطنا لم أر طائرات مدنية على الإطلاق، فقط طائرات تزويد بالوقود أمريكية.. إنه مشهد سريالي".
من جانبه، حذر الناشط القانوني الإسرائيلي سنير شفارتز من أن تحويل وجهة المطار إلى قاعدة عسكرية تم بغير قرار رسمي أو تشريع، وهو ما يحوله إلى "هدف عسكري مشروع وفقا لقوانين الحرب".
ويقول مسؤولون في قطاع الطيران الإسرائيلي إن الأمريكيين يفضلون وضع الطائرات وأنظمة الدفاع في مطار بن غوريون بصفة خاصة بسبب المزايا العملياتية والبنى التحتية الموجودة هناك.
في مقابلات خاصة مع الجزيرة نت، تقاطعت رؤى الخبراء الأمنيين لتفسير هذا التحول اللافت، حيث اتفق كل من اللواء محمد عبد الواحد (خبير الأمن القومي) والباحث الإستراتيجي أسامة خالد على نقطتين جوهريتين، الأولى هي أن اللجوء للمطارات المدنية يكشف بوضوح عن دمار وقصور حاد في البنية التحتية للقواعد العسكرية الإسرائيلية -مثل قاعدة نيفاتيم وتل نوف- التي تضررت إثر تعرضها لقصف إيراني بأسلحة فرط صوتية وباليستية.
والنقطة الثانية التي اتفقا عليها هي أن هذه الخطوة تسقط الحماية القانونية عن مطاري بن غوريون ورامون، وتضعهما في دائرة الاستهداف الإيراني المباشر والمشروع وفق القانون الدولي.
ويضيف اللواء عبد الواحد أن هذا الحشد اللوجستي قد يعكس استعدادات أمريكية لعمليات جوية قوية وبعيدة المدى ضد إيران، وينفي في الوقت ذاته وجود أي طلعات جوية من دول الخليج القريبة.
وأوضح أن تشتيت القوات الأمريكية في مطارات مدنية يأتي بعد تعرض العشرات من الأهداف الأمريكية لضربات مؤثرة، وأشار إلى ما كشفته صحيفة " واشنطن بوست" (The Washington Post) حول استهداف 228 موقعا أمريكيا خلال الحرب على إيران، وأشار أيضا إلى أن هناك خسائر كبيرة لم يعلن عنها.
وأكد عبد الواحد أن هذا الانتشار يعكس أيضا وجود التزام أمريكي بدعم إسرائيل القوي، ويعزز الردع، ويبعث رسالة لإيران بأن الولايات المتحدة الأمريكية جاهزة للتصعيد السريع.
من جهته، أكد الخبير أسامة خالد أن الطائرات الأمريكية الاستراتيجية تتطلب بنية تحتية ومستودعات لم تعد متوفرة في القواعد الإسرائيلية المدمرة، وقال إن أي تجدد للاشتباك سيجعل الملاحة الجوية الإسرائيلية تحت النيران، مما يرفع من تكلفة الحرب بصفة عنيفة وغير مسبوقة.
خلال فترة بلغت 75 يوما من اندلاع المواجهة الأمريكية الإسرائيلية مع إيران، واجه مطارا بن غوريون ورامون محاولات استهداف مكثفة بالصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وقد وثقت تقارير إسرائيلية وقوع أضرار مادية في المنشآت وبعض الطائرات الخاصة.
ويرى مراقبون أن استمرار الوجود العسكري في المطارين يجعلهما عرضة لموجات استهداف إضافية، بصفة خاصة إذا ما وصلت المفاوضات الجارية إلى طريق مسدود واستؤنفت الأعمال الحربية.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة