يصل الرئيس دونالد ترمب إلى بكين هذا الأسبوع، وفي جعبته 3 سرديات متباينة حول القوة الأمريكية؛ فأنصاره يرونه رئيسا ذاهبا إلى الصين بعد سنوات أمضاها في إعادة تشكيل السياسة الأمريكية تجاه بكين، وجهوده لزيادة قدرات البلاد في إنتاج الطاقة محليا، والحد من حصول الصين على التكنولوجيا المتقدمة، والضغط على إيران التي تُعد من أهم موردي الطاقة للصين.
أما منتقدوه من اليسار فيرون صورة مختلفة تماما. فهم يعتبرون أن الرئيس يسافر لإجراء محادثات (مع نظيره الصيني) في وقت يتزايد فيه إحباط الأمريكيين من صراع آخر في الشرق الأوسط، بينما تبقى أسعار النفط شديدة التقلب، وتتزايد التساؤلات حول ما إذا كانت واشنطن لا تزال قادرة على التحكم بوتيرة الأحداث في الخليج.
في المقابل، يذهب بعض الصقور في دوائر الأمن القومي إلى أن ترمب لا ينبغي له أن يقوم بالزيارة أصلا.
فقد دعت افتتاحية حديثة على موقع "تي آي بي بي إنسايتس" (TIPP Insights) الرئيس إلى تأجيل الزيارة، ما دامت الصين مستمرة في شراء النفط الإيراني، وتحديها العلني العقوبات الأمريكية.
واعتبرت الافتتاحية أن بكين يجب ألا تحظى باستضافة رئيس أمريكي، في وقت تتواصل فيه الهجمات المدعومة من إيران في استهداف الأفراد الأمريكيين في المنطقة.
وكانت الحجة واضحة وصريحة: بكين تساهم في تمويل حملة الضغط ذاتها التي تحاول واشنطن احتواءها.
وعلى جانب الحزب الديمقراطي، يرى المنتقدون أن ترمب يصل إلى بكين، وهو في موقف ضعف لا قوة. فقد حذر السيناتور الديمقراطي عن ولاية أريزونا، مارك كيلي، مؤخرا من أن الصراع الإيراني استنزف قدرا من جاهزية القوات الأمريكية القتالية، وأثار مخاوف بشأن القدرة على توفير الذخائر على المدى الطويل، خاصة بعد مقتل 13 جنديا أمريكيا، وإصابة المئات بجروح منذ اندلاع الحرب.
ويجادل الديمقراطيون بأن ارتفاع أسعار الطاقة، والإرهاق الناجم عن الحروب، وتفاقم السخط الشعبي، كلها عوامل أضعفت أوراق ترمب التفاوضية قبل توجهه إلى بكين. وأصبح هذا الجدل الآن في صلب الزيارة.
أتذكر نقاشا مماثلا دار داخل البيت الأبيض عام 2008- عندما كنت أعمل في مجلس الأمن القومي خلال رحلة الرئيس جورج دبليو بوش إلى أولمبياد بكين- آنذاك، دعا ناشطون محافظون ومدافعون عن حقوق الإنسان الرئيس إلى مقاطعة الألعاب الأولمبية؛ احتجاجا على معاملة الصين للمعارضين، وملف الحريات الدينية، وقضية التبت.. لكن بوش ذهب على أي حال.
وقبل وصوله إلى بكين، وجّه بوش انتقادات علنية للصين بشأن حقوق الإنسان والحريات الدينية، كما التقى معارضين صينيين، مما أثار حفيظة قادة الحزب الشيوعي، لكنه أبقى في الوقت نفسه باب الحوار الدبلوماسي مفتوحا.
بيد أن تلك الرحلة انطوت على درس آخر ينبغي على واشنطن أن تتذكره الآن؛ فبينما كان زعماء العالم يتجمعون في بكين احتفاء برمزية الألعاب الأولمبية والتعاون الدولي، كانت روسيا تغزو جورجيا.
وقد أدركت موسكو حينها حقيقة مهمة في الجغرافيا السياسية، وهي أن لحظات الاستعراض الدبلوماسي، وتشتت الانتباه العالمي، تخلق فرصا للتحرك العدواني في أماكن أخرى.
وفي وسائل الإعلام المحافظة، قدّم معلقون- مثل بن شابيرو- قراءة مختلفة تماما لقمة ترمب. فحجتهم بسيطة، مفادها أن الصين تحتاج إلينا أكثر مما نحتاج إليها. وهم يرون أن بكين تدخل هذه المحادثات وهي تعاني تباطؤا في النمو الاقتصادي، وتراجعا ديمغرافيا، وديونا متراكمة، واعتمادا كبيرا على واردات الطاقة العابرة مضيق هرمز.
ومن هذا المنطلق، يصل ترمب إلى بكين وهو في موقع أقوى بعد أن فرض ضغطا إستراتيجيا متواصلا على الصين وإيران، وجزء كبير من الاقتصاد العالمي.
وعادة ما تكمن الحقيقة في مكان ما بين هذين التصورين؛ فالصين تكتسب نفوذا عندما تهدر الولايات المتحدة الوقت والمال وتفقد التركيز في الشرق الأوسط، لأن الصراعات الطويلة تشتت انتباه واشنطن وتستنزف اهتمامها بالجوانب السياسية والموارد العسكرية.
وفي الوقت ذاته، تخشى بكين من حرب إقليمية أوسع تعيق تدفقات الطاقة مع اقتراب فصل الصيف، فهي تعتمد بشكل كبير على الطاقة المارة عبر مضيق هرمز. وعندما تتباطأ حركة الشحن في الخليج، سرعان ما ترزح بكين تحت الضغط، ولهذا السبب يكتسب التوقيت أهمية بالغة.
ويريد ترمب إبراز قوته عندما يصل إلى بكين، فهو لا يريد أن يكون منشغلا بإدارة تصعيد عسكري جديد قبل جلوسه إلى طاولة المحادثات مع شي جين بينغ. أما الصين فتريد تدفقات مستقرة للطاقة من دون أن تبدو وكأنها ترضخ للضغوط الأمريكية. فيما تريد إيران الوقت، والنفوذ، والبقاء.
أما مضيق هرمز فقد أصبح قابعا الآن في خلفية كل محادثة رئيسية بين واشنطن وبكين تقريبا. فنحو خُمس النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم يمر عبر ذلك الممر المائي الضيق. وكل تأخير في حركة الناقلات، أو ارتفاع في تكاليف التأمين، أو إشارة عسكرية، تغيّر جميعها المعادلة السياسية إلى ما هو أبعد بكثير من الخليج.
لقد باتت الجغرافيا السياسية الحديثة تعمل بصورة متزايدة وفق معادلة "الضغط مقابل الضغط"؛ فالولايات المتحدة تضغط على الصين من خلال التعريفات الجمركية، والقيود التكنولوجية، والعقوبات، والتحالفات البحرية، والمنافسة في مجال الطاقة. ومن جهتها، تضغط الصين على الولايات المتحدة من خلال هيمنتها التصنيعية، ومعادنها الأرضية النادرة، وانكشاف الأسواق، وصبرها الإستراتيجي.
أما إيران، فتضغط على الطرفين عبر تهديد تدفقات الطاقة، وإشاعة حالة من عدم اليقين في مضيق هرمز.
ولم تعد هذه محادثات دبلوماسية تقليدية، بل أصبحت مفاوضات تقوم على الضغط بين قوى تحاول اختبار من يستطيع تحمل الاضطراب لفترة أطول من دون أن يفقد السيطرة.
لقد بنى ترمب مسيرته المهنية على التفاوض في مجال صناعة الإنشاءات والبناء، والمال، لكن بكين تتفاوض على القوة والطاقة والوقت.
وثمة 3 احتمالات تبدو الآن الأكثر ترجيحا:
وفي المقابل، تعرض واشنطن على الصين تخفيفا انتقائيا للرسوم الجمركية، وتوسيعا للوصول إلى الأسواق، وتقليصا للقيود المفروضة على صادراتها من التكنولوجيا التجارية والطيران، وإبرام صفقات زراعية، ومنح مرونة أكبر للاستثمارات الصينية، واعتماد لهجة أكثر ليونة في النزاعات التجارية.
وفي هذا السيناريو، يقنع ترمب بكين بتقليص مشترياتها من النفط الإيراني بهدوء، وزيادة الضغط على طهران خلف الكواليس، أو على الأقل التوقف عن تقويض تطبيق العقوبات بصورة علنية.
وعندها قد ترى بكين أن الصبر هو الإستراتيجية الأفضل، فتكتفي بتعاون رمزي، وتعقد قمة ناجحة شكليا، ثم تنتظر حتى تؤدي الضغوط السياسية داخل الولايات المتحدة إلى إضعاف ترمب أكثر، بينما تواصل الضغط للحصول على تنازلات تتعلق بالرسوم الجمركية، وتايوان، والقيود التكنولوجية، والوصول التجاري، من دون أن تُحدث تغييرا جوهريا في علاقتها مع إيران.
ويستمر الضغط في مضيق هرمز، وتواصل إيران اختبار حدود نفوذها، وتستمر الصين في الموازنة بين مصالحها الاقتصادية الذاتية وتنافسها الإستراتيجي مع واشنطن. بينما تواصل الولايات المتحدة محاولة إدارة الضغوط عبر مناطق متعددة في آن واحد.
يصل ترمب إلى بكين وهو على قناعة بأن الصين بحاجة إلى الاستقرار أكثر مما تحتاجه واشنطن.
أما شي جين بينغ، فيرى أمريكا المنهكة وهي تبحث عن مخرج من مواجهة خطيرة جديدة في الشرق الأوسط.
وكلا الزعيمين يعتقد أن الطرف الآخر يحتاج إلى هذا اللقاء أكثر منه هو. لكن الخطر لا يكمن في أن الطرفين يشعران بالضغط، بل إن الخطر الحقيقي هو أن كليهما يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.
الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.
المصدر:
الجزيرة