آخر الأخبار

جنوب لبنان.. صراع "الأرض المحروقة" وكمائن "الجغرافيا المرنة"

شارك

لم تكن القذائف التي استهدفت آليات "لواء غولاني" عند الحافة الأمامية لجنوب لبنان مجرد رد فعل ميداني اعتيادي، بل كانت إعلانا صريحا عن انتقال المواجهة إلى مرحلة متقدمة، فبينما يدفع جيش الاحتلال بنخبة قواته البرية محاولا تحقيق اختراق يعيد الهيبة لردعه المفقود، يبدو أن حزب الله قد استبدل إستراتيجيات الدفاع الكلاسيكية بنمط هجين من الحروب استلهمه -وفقا لمتابعين- من أزقة غزة وسهول أوكرانيا.

والواقع أن الحزب لا يقاتل اليوم من أجل "متر مربع" من الأرض، بل يمارس تكتيك "الجغرافيا المرنة"، حيث يُفتح الباب عمدا لدخول الألوية الإسرائيلية إلى ما يصفها هو بأفخاخ الموت، ويسعى -بناء على ذلك- إلى تحويل التفوق التكنولوجي للاحتلال إلى عبء ثقيل في بيئة معقّدة لا يرى فيها الجندي الإسرائيلي خصمه إلا وهو يخرج من تحت الأنقاض أو من بين ثنايا الشجر، كما يجري عادة في حروب العصابات.

هذا التحول الدراماتيكي في تكتيكات حزب الله يطرح تساؤلات جوهرية: كيف تحولت طائرات "الدرون" الانتحارية التي غيّرت وجه الحرب في أوكرانيا إلى سلاح مؤثر في يد مقاتلي حزب الله؟ وماذا يعني أن يتخلّى الحزب عن الدفاع عن الحدود الجغرافية لصالح استدراج "العدو" إلى "بركان" الداخل اللبناني وتكبيده خسائر تجعل من كل تقدم بري "مغامرة انتحارية"؟

مصدر الصورة قوات إسرائيلية تُجري مناورات على الجانب اللبناني من الحدود (الأوروبية)

تطورات متسارعة

وشهد جنوب لبنان تدميرا إسرائيليا ممنهجا بدأ بإصدار أوامر إخلاء قسري لأكثر من 100 قرية حدودية في 2 مارس/آذار، لتتوسع الأوامر تدريجيا حتى شملت 14.3% من مساحة لبنان، مما أدى لنزوح 1.2 مليون شخص.

كما فرضت إسرائيل منطقة احتلال بمساحة 608 كيلومترات، أي ما يعادل 6% من مساحة لبنان تحت مسمى " الخط الأصفر"، مستعيدة تطبيق النموذج ذاته الذي طبقته في غزة، من رفح إلى بيت حانون" عبر هدم القرى الحدودية.

إعلان

وخلال ذلك سُجلت أكثر من 3688 ضربة إسرائيلية استهدفت المنازل والبنية التحتية والجسور، بما في ذلك جسور نهر الليطاني وآخر جسر للخروج من صور، ما اعتبرته منظمات حقوقية "جرائم حرب".

كما استُخدمت مئات الأطنان من المتفجرات لتسوية بلدات كاملة بالأرض (مثل القنطرة)، وتضرر أو دمر ما لا يقل عن 2154 مبنى، شملت مدارس رسمية (مدرسة مروحين) ومرافق مدنية.

ورغم وقف إطلاق النار، فقد استمرت أوامر الإخلاء وعمليات الهدم باستخدام المقاولين المدنيين والجرافات، وسط تصاعد الاشتباكات الميدانية واختراق إسرائيل الخطوط الحمراء، مما يثير مخاوف جدية من الانهيار الكامل لاتفاق وقف إطلاق النار.

مصدر الصورة دخان متصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت قرية زوتر الغربية في 11 مايو/أيار 2026 (الفرنسية)

دخول لواء غولاني

وفي تطور ميداني متسارع، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي استكمال قوات "لواء غولاني" -نخبة المشاة- لعملية خاصة تهدف إلى فرض سيطرة عملياتية في منطقة نهر الليطاني بجنوب لبنان. هذه الخطوة تأتي وسط تصعيد جوي غير مسبوق، حيث نفّذ سلاح الجو الإسرائيلي أكثر من 100 غارة لدعم القوات البرية في المناطق المتاخمة للنهر.

وتحدثت التقارير العسكرية عن وقوع اشتباكات مباشرة وُصفت بـ"العنيفة"، أسفرت عن مقتل العشرات من عناصر حزب الله. وخلال هذه العمليات، ادّعى جيش الاحتلال العثور على بنية تحتية عسكرية واسعة تشمل:


* أنفاقا إستراتيجية: من بينها نفق كبير تم "اكتشافه وتطهيره" خلال أحد الاشتباكات، حسب الجيش الإسرائيلي.
* مراكز قيادة ومنصات إطلاق: العثور على مقار قيادية ومستودعات أسلحة ومنصات كانت تُستخدم لإطلاق الصواريخ باتجاه الشمال الإسرائيلي.

يهدف "لواء غولاني" من خلال هذه العملية إلى تثبيت نقاط ارتكاز في مناطق إستراتيجية جنوب الليطاني، في محاولة لتأمين منطقة عازلة وتجريد حزب الله من قدراته الهجومية القريبة من الحدود. ومع ذلك، تبقى هذه السيطرة تحت اختبار "الكمائن القاتلة" والطائرات المسيرة التي أثبتت قدرتها على اختراق الخطوط الأمامية لقوات الاحتلال وتكبيده خسائر في الأرواح والعتاد.

ولا يعد دخول غولاني إلى لبنان الأول، إذ شكل رأس الحربة في الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982؛ حيث كان لواء غولاني ضمن القوات الإسرائيلية التي احتلت جنوب لبنان، خصوصا في معركة قلعة الشقيف في عدة أيام ووصلت إلى مشارف بيروت.

شارك اللواء في العدوان الإسرائيلي على لبنان عام 2006، وتكبّد خسائر فادحة خلال المعارك التي خاضها مع مقاتلي حزب الله في جنوب لبنان، حيث قُتل عدد من منتسبيه، في حين فر عدد آخر منهم، في واقعة لا تتناسب مع ما نُسج من صورة حول كفاءة جنوده وإصرارهم على النصر.

ومنذ الانسحاب الإسرائيلي من لبنان تم تكليف اللواء بالمشاركة في حراسة المنطقة الشمالية بإسرائيل، كما أن أعدادا من جنود هذا اللواء يخدمون في شمال الضفة الغربية، خصوصا جنين وطولكرم.

مصدر الصورة الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية على كفار تبنيت بلبنان (رويترز)

التكتيكات والتقنية

بينما تتجادل واشنطن وطهران حول اتفاق لإنهاء الهجمات على الشحن البحري التي تهز الاقتصاد العالمي، تشتد المواجهة في لبنان بين إسرائيل، وحزب الله أقوى حلفاء إيران، وخصوصا عبر الطائرات المسيّرة، مما يُعقد الطريق نحو السلام.

إعلان

في الأسابيع الأخيرة، استخدم حزب الله طائرات "انتحارية" (كاميكازي) بنظام رؤية الشخص الأول (إف بي في) (FPV)، رخيصة وسهلة التجميع، لتحويل الحرب التي يخوضها منذ أن بدأ إطلاق النار على إسرائيل في 2 مارس/آذار، خلال الأيام الأولى للحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران.

تُحكم هذه الطائرات المسيرة (FPV) عبر كابلات الألياف الضوئية، ويمكنها تجاوز تقنيات التشويش الإسرائيلية عالية التقنية لاستهداف قواتها التي تحتل جنوب لبنان خلال وقف إطلاق نار مهتز أُعلن عنه في 16 أبريل/نيسان، بعد أسبوع من بدء الهدنة في حرب إيران الأوسع.

وتعتمد هذه الطائرات المسيّرة في عملها على معادلة تجمع بين التكلفة الزهيدة والدقة العالية، إذ تبلغ تكلفة الطائرة الأساسية أقل من 400 دولار، وفقا لشهادات متقاطعة من قائد ميداني في حزب الله وخبير إسرائيلي لوكالة رويترز، وقد وثقت التقارير الجغرافية انتشار هذه الهجمات على طول الشريط الحدودي للبنان بالكامل.

ويتم تركيب رؤوس حربية روسية مضادة للدبابات من طراز بي جي-7 إل (PG-7L) شديدة الانفجار على هياكل هذه المسيرات. وتحويل هذه الرؤوس التي كانت موجودة أصلا في ترسانة الحزب إلى سلاح محمول جوا جعل منها أداة دقيقة وأبعد مدى من القذائف التقليدية.

تظهر اللقطات الميدانية استخدام بكرة سلك تحمل نحو 10 كيلومترات (6 أميال) من أسلاك الألياف الضوئية لربط المسيّرة بالطيار مباشرة. هذا الربط السلكي هو العنصر الأساسي في التكتيك الجديد؛ حيث يهدف إلى منع أنظمة الرادار والحرب الإلكترونية الإسرائيلية من اكتشافها أو التشويش عليها، مما يؤدي فعليا إلى "إعماء" منظومات العدو.

رغم التقاطع في التكتيكات مع جبهات أخرى مثل أوكرانيا، فإن الحزب يؤكد اعتماده على خبراء داخليين لتطوير هذه القدرات، ويشير مراقبون إلى أن طياري هذه المسيّرات يخضعون لتدريبات مكثفة تستمر لعدة أسابيع لإتقان التحكّم بالمسيّرة، وإصابة الأهداف بدقة في بيئات جغرافية معقّدة.

وبحسب خبراء لصحيفة "إزفيستيا" الروسية، فإن الحزب انتقل إلى مرحلة "الردود غير المتناظرة"، مستفيدا من دروس الصراعات الحديثة بما فيها التجربة الروسية.

ويؤكد دميتري كوزياكين، خبير حلول المسيّرات، أن الحزب نجح في طمس الحدود بين الجيوش الكلاسيكية والجهات غير الحكومية عبر الاستخدام الواسع لمنصات رخيصة الأداء وعالية الفعالية، مما فرض تحديا جديدا لأنظمة الأمن العالمية يتطلب إعادة نظر شاملة في حماية الأهداف.

ولم يقتصر التطور على الهجوم الجوي، بل امتد ليشمل تكتيكات الدفاع الجوي، حيث شكّل استخدام أنظمة الدفاع الجوي المحمولة ضد الطائرات الإسرائيلية مؤشرا جديا على محاولة الحزب تقليص الفجوة الجوية وفرض معادلات اشتباك جديدة.

معضلة المسيّرات

أمام تزايد وتيرة الهجمات، أقر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في 3 مايو/أيار بأن هذه المسيّرات تمثل "مشكلة"، معلنا عن مشروع خاص لإحباط هذا التهديد، وهو الأمر الذي سيستغرق وقتا، وفي غضون ذلك، تؤكد التقارير إصابة نحو 40 جنديا جراء هذه الطائرات التي تُطلق بشكل شبه يومي على القوات في جنوب لبنان.

تحديات الرصد والحلول البديلة تكمن في الصعوبة التقنية بمواجهة هذه المسيّرات في صغر حجمها وتحليقها "المنخفض والبطيء"، فضلا عن معرفة طواقم حزب الله العميقة بتضاريس المنطقة. ومع فشل بعض الأنظمة المتطورة في اختبارات الاعتراض خلال شهر أبريل/نيسان، لجأ جيش الاحتلال إلى إستراتيجيات مزدوجة:


* حلول منخفضة التقنية: مثل نشر الشباك الواقية وتعديل بنادق الجنود لمحاولة إسقاط المسيّرات يدويا.
* الاستهداف المباشر: يرى المسؤولون العسكريون أن الدفاع الأفضل هو ضرب "الطواقم المشغلة" للمسيّرات ميدانيا.
إعلان

ويشير مركز "ألما" للأبحاث إلى أن تعمّد نشر لقطات الهجمات خلق "تأثيرا نفسيا كبيرا" يتجاوز الضرر المادي.

وبينما لاحظ الخبراء تطورا في مهارات طياري الحزب من خلال الهجوم بزوايا حادة لضرب الآليات من الأعلى، يرى محللون عسكريون أن هذه الهجمات قد لا تترجم بالضرورة إلى "تأثير عسكري حاسم"؛ كونها تستهدف في الغالب مركبات مدرعة وتفتقر أحيانا للهجمات المتتالية أو الرصد الثانوي لتأكيد النتائج، مما يجعلها فعّالة في "الحرب السياسية" أكثر من الحسم الميداني الشامل.

الجزيرة المصدر: الجزيرة
شارك

أخبار ذات صلة



حمل تطبيق آخر خبر

إقرأ أيضا