لم تعد السياسة البريطانية تدور حول التنافس بين حزب العمال والمحافظين كما كان الحال لعقود طويلة.
فمع تصاعد الغضب الشعبي من النخب السياسية، وتراجع الثقة بالمؤسسات الحزبية، وصعود قوى شعبوية وقومية، تبدو بريطانيا وكأنها تدخل مرحلة سياسية مختلفة قد تنهي عمليا هيمنة النظام القائم على الحزبين التقليديين.
ما يحدث الآن قد يكون تحولا سياسيا عميقا قد يغير شكل النظام الحزبي بصورة دائمة
بواسطة أستاذة العلوم السياسية في جامعة أكسفورد جين غرين
وتكشف الانتخابات المحلية والبرلمانية هذا الأسبوع حجم التحولات التي تضرب المشهد السياسي البريطاني، وسط توقعات بخسائر قاسية لحزب العمال الحاكم، وتراجع إضافي للمحافظين، مقابل صعود أحزاب مثل حزب الإصلاح البريطاني وحزب الخضر في إنجلترا، بجانب القوميين في أسكتلندا وويلز.
ويؤكد محللون أن المشهد السياسي البريطاني يدخل مرحلة غير مسبوقة من التشظي الحزبي، في وقت تتراجع فيه قدرة الحزبين التقليديين على الاحتفاظ بقواعدهما الانتخابية التاريخية.
وفي تحليل نشرته صحيفة تلغراف البريطانية، يقول المحرر السياسي توني دايفر إن الانتخابات الحالية قد "تغير الخريطة السياسية البريطانية بين ليلة وضحاها"، مع انتقال البلاد من نظام الحزبين إلى "سياسة الأحزاب الخمسة".
ويوضح دايفر أن الناخبين البريطانيين لم يعودوا مستعدين لمنح أصواتهم تلقائيا للعمال أو المحافظين، ويبحثون عن بدائل مختلفة وإن كانت متطرفة، "لتحرر بريطانيا من حالتها المتدهورة"، على حد وصفه.
حزب العمال الحاكم قد يخسر ما يصل إلى ثلاثة أرباع مقاعده المحلية في إنجلترا، من أصل نحو 2200 مقعد كان يسيطر عليها
بدوره يؤكد تقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، أن حالة الإحباط الشعبي من الأحزاب التقليدية تتصاعد في مختلف أنحاء بريطانيا، مع تراجع الثقة بالطبقة السياسية، وازدياد الشعور بأن الحزبين الرئيسيين لم يعودا قادرين على معالجة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتفاقمة.
ويقول لوك تريل، المدير التنفيذي لشركة استطلاعات الرأي "مور إن كومون"، للصحيفة إن ما يحدث يمثل "انهيارا كاملا للنظام التقليدي القائم على الحزبين"، مضيفا أن الناخبين يبعثون برسالة واضحة مفادها أنهم "غير راضين عن الوضع القائم".
ويحذر دايفر من أن بعض الوزراء داخل الحزب يعتبرون أن خسارة 1500 مقعد فقط كافية لإدخال العمال في "انهيار جماعي"، مما يفتح الباب أمام تمرد داخلي ضد رئيس الوزراء كير ستارمر.
كما يرى أستاذ السياسة في كلية لندن للاقتصاد توني ترافيرز أن النتائج إذا جاءت "سيئة جدا" بالنسبة للعمال، فقد تؤدي إلى تصاعد الضغوط الداخلية على ستارمر وربما فتح الباب أمام تحديات لقيادته داخل الحزب، طبقا لنيويورك تايمز.
ويأتي ذلك مع تحذيرات من أستاذة العلوم السياسية في جامعة أكسفورد جين غرين، من أن ما يحدث الآن قد يكون تحولا سياسيا عميقا قد يغير شكل النظام الحزبي بصورة دائمة.
ويبرز حزب الإصلاح بوصفه أبرز المستفيدين من هذا التحول، إذ يتبنى خطابا متشددا تجاه الهجرة ويحظى بدعم متزايد في المناطق التي تشهد تراجعا اقتصاديا أو مخاوف مرتبطة بالخدمات العامة والأمن، طبقا للصحيفتين.
ويقول زعيم الحزب نايجل فاراج إن الانتخابات الحالية قد تمثل "لحظة تاريخية" لحزبه، الذي تتوقع بعض الاستطلاعات أن يتصدر النتائج في عدد من المناطق في إنجلترا وويلز.
يحذر تريل من أن الحزب يبني حملته في بعض المناطق على إثارة المخاوف من الجريمة والهجرة
ويتصدر الحزب اليميني الشعبوي استطلاعات الرأي منذ أكثر من عام، بحسب نيويورك تايمز، بينما يصفه دايفر بأنه القوة السياسية التي ستستفيد أكثر من "انهيار الجدار الأحمر"، أي مناطق الطبقة العاملة في شمال ووسط إنجلترا التي كانت تاريخيا معاقل لحزب العمال.
بدوره، يحذر تريل من أن الحزب يبني حملته في بعض المناطق على إثارة المخاوف من الجريمة والهجرة، رغم أن البيانات الرسمية تشير إلى تراجع معظم أنواع الجريمة خلال العقد الماضي، مما يعكس الجدل حول إستراتيجياته الانتخابية.
وفي المقابل، يواصل حزب الخضر تحقيق اختراقات بين الناخبين الشباب والتقدميين، خاصة في لندن والمدن الجامعية.
وتوضح نيويورك تايمز أن الحزب يستفيد من غضب الناخبين تجاه سياسات ستارمر الاقتصادية وموقفه من الهجرة والحرب في غزة، بينما أشارت تلغراف إلى أن زعيم الحزب زاك بولانسكي تحدث داخليا عن إمكانية الفوز بنحو ألف مقعد جديد.
يشير التحليل إلى دراسة لمؤسسة "هنري جاكسون"، تفيد باحتمال انتخاب مرشحين مستقلين مؤيدين لفلسطين في 31 مجلسا محليا
كما تسلط الصحيفتان الضوء على تصاعد نفوذ المرشحين المستقلين المؤيدين للقضية الفلسطينية، خاصة في المدن ذات الكثافة المسلمة العالية مثل برمنغهام.
وتنقل تلغراف عن المرشح شكيل أفصار قوله إن المجتمعات المسلمة لم تعد تشعر بأن الأحزاب التقليدية تمثلها، مضيفا أن الناخبين يريدون من يمثل قضاياهم بفعالية.
وفي هذا الصدد، يشير التحليل إلى دراسة لمؤسسة "هنري جاكسون"، تفيد باحتمال انتخاب مرشحين مستقلين مؤيدين لفلسطين في 31 مجلسا محليا.
وفي ويلز، تشير التوقعات إلى احتمال فقدان حزب العمال سيطرته على البرلمان الويلزي للمرة الأولى منذ تأسيسه، مع احتدام المنافسة بين حزب "بلايد كامري" المؤيد للاستقلال، وحزب الإصلاح.
ومع ذلك، هناك توقعات بفوز الحزب القومي "بلايد كامري"، لأن الكثيرين في ويلز يشعرون بأن حزب الإصلاح إنجليزي بحت، وأيديولوجيته الشعبوية لا تخدم مصالحهم، بحسب نيويورك تايمز.
ويقول رون أب إيورورث، زعيم الحزب الويلزي، إن هناك "خيبة أمل عميقة من قيادة ستارمر"، لكن أيضا إدراكا بأن "شعبوية حزب الإصلاح تمثل تهديدا لويلز".
وفي أسكتلندا، قد يمنح تراجع حزب العمال دفعة جديدة للحزب الوطني الأسكتلندي المؤيد للاستقلال، بينما يحاول حزب الخضر تعزيز حضوره مستفيدا من قضايا النقل العام والتعليم والخدمات الصحية، وفق الصحيفتين.
الحملات الانتخابية للأحزاب المتعددة تسعى لفك سيطرة الحزبين التقليديين على السياسة البريطانية (الفرنسية)وتقول أستاذة العلوم السياسية في جامعة أكسفورد جين غرين، إن السؤال الرئيسي الآن هو ما إذا كانت بريطانيا تشهد مجرد طفرة مؤقتة، أم تمر بنقطة لا يمكن العودة منها في علاقتها بالنظام الحزبي التقليدي، طبقا لما نقلته نيويورك تايمز.
ومن جانبه، يؤكد ترافيرز أن تفتت الأصوات بين عدة أحزاب قد يحول "الفسيفساء السياسية" الحالية إلى سمة دائمة للانتخابات المقبلة، محذرا من أن النتيجة قد تكون مجالس وبرلمانات معلقة وتحالفات هشة وحالة مستمرة من الشلل السياسي.
يؤكد ترافيرز أن تفتت الأصوات بين عدة أحزاب قد يحول "الفسيفساء السياسية" الحالية إلى سمة دائمة للانتخابات المقبلة
وبينما يرى البعض أن صعود الأحزاب الجديدة يعكس حيوية ديمقراطية ورغبة شعبية في التغيير، يحذر آخرون من أن انهيار نظام الحزبين قد يجعل بريطانيا أكثر انقساما وأقل قدرة على إنتاج حكومات مستقرة.
لكن المؤكد، بحسب ما تعكسه استطلاعات الرأي والتحليلات السياسية، أن بريطانيا تدخل بالفعل مرحلة جديدة تختلف جذريا عن النظام السياسي الذي حكمها طوال العقود الماضية، وأن الانتخابات الحالية قد تكون بداية عصر سياسي جديد لم تتضح ملامحه بالكامل بعد.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة