"لا أدري لماذا انتظرنا 47 عاما قبل أن نتحرك ضد إيران"
بواسطة (الرئيس الأمريكي دونالد ترمب)
أثار وزير الخارجية الأمريكي السابق جون كيري ضجة خلال مشاركته في حلقة ببرنامج "ذا بريفينغ" مع الإعلامية والمتحدثة السابقة باسم البيت الأبيض جين بساكي يوم 10 أبريل/نيسان الماضي، حيث كشف أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لطالما حث الإدارات الأمريكية المتعاقبة، بداية من بوش الابن ثم أوباما ثم بايدن، على شن ضربات عسكرية ضد إيران، لكن كل الرؤساء السابقين رفضوا ذلك، باستثناء الرئيس ترمب.
تثير تصريحات كيري سؤالا: لماذا لم يُقدِم الرئيس ترمب نفسه أثناء إدارته الأولى على تنفيذ طلب نتنياهو؟ وهو ما نجد إجابته في مذكرات مايكل بومبيو، مدير الاستخبارات الأمريكية ووزير الخارجية السابق في حقبة ترمب الأولى، إذ يقول: "كان وزير الحرب (الدفاع) جيمس ماتيس والبيروقراطية في البنتاغون يكرهون إثارة ما اعتبروه عش الدبابير الإيرانية، فقد قال ماتيس لي: مايكل، إذا واجهنا الإيرانيين، فإنهم سيُسيطرون على سلم التصعيد، وسننتهي في مكان سيئ للغاية".
وقبل ماتيس، سبق لوزير الحرب الأمريكي في عهدي بوش الابن وأوباما روبرت غيتس أن صرح بأن "نتائج ضربة عسكرية أمريكية أو إسرائيلية على إيران قد تكون كارثية، وستؤدي في النهاية إلى نتائج عكسية، حيث ستدفع البرنامج النووي الإيراني إلى مزيد من التخفي والتعقيد، وستطاردنا لأجيال".
"كان وزير الحرب (الدفاع) الأمريكي الأسبق جيمس ماتيس والبيروقراطية في البنتاغون يكرهون إثارة ما اعتبروه عش الدبابير الإيرانية"
وعلى ذات المنوال حذر وزير الحرب الأمريكي في عهد أوباما ليون بانيتا في ديسمبر/كانون الأول 2011 قائلاً: "سنشهد تصعيداً لن يقتصر على إزهاق أرواح كثيرة فحسب، بل أعتقد أنه سيُغرق الشرق الأوسط في مواجهة وصراع سنندم عليهما، وستكون لهذا الهجوم تبعات اقتصادية وخيمة قد تؤثر على اقتصاد أوروبا الهش، وعلى اقتصاد الولايات المتحدة أيضاً، لذا علينا أن نكون حذرين من العواقب غير المقصودة لمثل هذا الهجوم".
سخر بومبيو من تخوُّفات ماتيس وغيتس وبانيتا والبنتاغون قائلاً: "هذه العقلية المزعجة تعتقد بأن علينا أن نخاف أكثر من خصوم أمريكا وليس العكس.. لقد كنت واثقاً من قدرتنا على التحكم في سلم التصعيد من خلال تفوقنا الدبلوماسي والاقتصادي والعسكري الهائل". وقد انسحب ترمب من الاتفاق النووي مع إيران ثم اغتال قائد فيلق القدس قاسم سليماني مطلع عام 2020، لكن جاءت أزمة وباء كوفيد لتطغى على غيرها من الملفات لحين خروج ترمب من البيت الأبيض بعد هزيمته في الانتخابات أمام جو بايدن.
ولكن بغض النظر عن تعليق بومبيو، فقد استندت مواقف الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى تقديرات مواقف ودراسات ناقشت تداعيات شن حرب على إيران، ومن أبرزها دراسة مهمة برعاية رموز من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، نُشرت عام 2012 بعنوان "تقييم فوائد وتكاليف العمل العسكري ضد إيران".
وتأتي أهمية تلك الدراسة من خلفية المُوقِّعين عليها، والبالغ عددهم 32 شخصا، فجميعهم من المسؤولين السابقين والمتخصصين في قضايا الأمن القومي، وفي مقدمتهم زبيغنيو بريجنسكي مستشار الأمن القومي في عهد كارتر وأحد أبرز منظري الجغرافيا السياسية الأمريكيين، ووزير الحرب في عهد أوباما تشاك هيغل، وبول فولكر رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، وريتشارد أرميتاج نائب وزير الخارجية السابق، ونيكولاس بيرنز السفير الأمريكي لدى حلف الناتو والصين، وويليام فالون وأنتوني زيني، وهما قائدان سابقان للقيادة المركزية الأمريكية "سينتكوم".
"رجَّحت الدراسة أن الحرب ستؤثر على سيطرة الحكومة الإيرانية، وستستنزف خزينتها، وترفع مستوى التوترات الداخلية، لكنها لن تؤدي إلى تغيير النظام أو انهياره أو استسلامه"
صدرت الدراسة وقت تبني واشنطن سياسة مواصلة الضغط على إيران مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام إمكانية التوصل إلى حل سياسي، دون استبعاد استخدام القوة العسكرية، لكن مع الاحتفاظ بها كخيار أخير. وخلصت إلى أنه في ظل التشجيع الإسرائيلي لواشنطن، وعدم اليقين بشأن نوايا إيران الحقيقية، فإن السيناريو العسكري الأكثر ترجيحا هو أن تبادر الولايات المتحدة وإسرائيل لتنفيذ هجوم استباقي ضد إيران.
ورجَّحت الدراسة أن الحرب ستؤثر على سيطرة الحكومة الإيرانية، وستستنزف خزينتها، وترفع مستوى التوترات الداخلية، لكنها لن تؤدي إلى تغيير النظام أو انهياره أو استسلامه، بل قد تؤدي إلى اصطفاف المواطنين الإيرانيين خلف الحكومة بدلاً من تثويرهم ضدها، كما ستبقى القدرة العلمية والخبرة اللازمة لاستئناف إيران لبرنامجها النووي إذا ما رغبت في ذلك. بل حتى في حال إسقاط النظام، فلن تصبح إيران بالضرورة، أو المنطقة كلها، أكثر استقراراً نتيجة لذلك.
ونظرا لأهمية تلك الدراسة وارتباط تفاصيلها بشكل وثيق بواقع الحرب الحالية، وتشديدها على أن النقاشات الأمريكية حول شن حرب على إيران غالباً ما تكون ذات دوافع سياسية، ومبنية على افتراضات غير مدروسة حول قدرة العمل العسكري على تحقيق أهداف الولايات المتحدة، سنتطرق لأبرز ما ورد فيها، فهي بمثابة كشَّاف يُسلط الضوء على مستقبل وتداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وتجيب على سؤال الرئيس ترمب المتكرر: لا أدري لماذا انتظرنا (في الولايات المتحدة) 47 عاماً قبل أن نتحرك ضد إيران؟
سعت الدراسة لنقاش أسئلة ينبغي أن يطرحها القادة الأمريكيون على أنفسهم عند التفكير في أي عمل عسكري: متى يكون استخدام القوة مبررا؟ ما هي الأهداف المرجوة؟ هل تمتلك الولايات المتحدة القدرة على تحقيق تلك الأهداف؟ ما هي استراتيجية الخروج من الحرب؟ ما هي الفوائد المحتملة لاستخدام القوة العسكرية في هذا الوضع؟ وأخيرا: ما هي التداعيات الفورية وبعيدة المدى؟
تنطلق الدراسة من تحديد وتقييم للهدف المعلن للعمل العسكري الأمريكي، وهو منع إيران من امتلاك سلاح نووي في حال بروز مؤشرات واضحة على عزمها ذلك، مثل انسحاب طهران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وفصل أجهزة المراقبة التابعة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومنع أي عمليات تفتيش ميدانية.
"خلص التقييم الأمريكي أن الحملة الجوية وحدها لن تكون قادرة على تدمير برنامج إيران النووي، وأن كل ما ستفعله هو تأخيره لعامين أو 4 أعوام على الأكثر"
وتخلص الدراسة إلى أن هذا الهدف غير قابل للتحقق عسكرياً بالاعتماد على تنفيذ حملة جوية كبيرة، مدعومة بهجمات سيبرانية وعمليات خاصة، سواء نُفِّذَت بشكل أحادي أو بالشراكة مع إسرائيل، واعتبرت أن النتيجة الأكثر ترجيحاً هي تأخير البرنامج النووي الإيراني لفترة زمنية محدودة، قد تصل إلى أربع سنوات، وستتقلص إلى عامين في حال تنفيذ إسرائيل للهجوم بمفردها، في ظل محدودية القدرات العسكرية الإسرائيلية على تدمير أهداف مبنية في أعماق الأرض مثل منشأة فوردو.
واستند هذا التقدير إلى طبيعة البرنامج النووي الإيراني ذاته، القائم على تعدد المواقع وتوزعها الجغرافي، وتحصين بعضها في أعماق الأرض، ما يستبعد تكرار نجاح ضربات إسرائيل السابقة ضد مفاعلات نووية في العراق وسوريا. فالضربات الأمريكية قادرة على إلحاق أضرار جسيمة بالمواقع النووية الرئيسية، لكن لا يُمكنها ضمان تدمير البرنامج النووي الإيراني بالكامل، في ظل احتمال وجود منشآت سرية، وقدرة طهران على إعادة بناء ما دُمِّر استناداً إلى خبرتها العلمية المتراكمة. إذن فالحرب ستولد حاجة إلى تكرار الضربات في المستقبل، أو القبول بعودة البرنامج النووي إلى مساره بعد الترميم.
تمتد إشكالية العمل العسكري إلى غياب التوافق داخل واشنطن بشأن طبيعة الأهداف نفسها. فبينما تشير التصريحات الرسمية الأمريكية عادة إلى هدف محدد يتمثل في منع إيران من امتلاك سلاح نووي، تكشف الدراسة عن وجود اتجاهات داخل دوائر صنع القرار تتبنى أهدافاً أكثر طموحاً، تشمل تغيير النظام، أو إضعاف القدرات العسكرية والاقتصادية الإيرانية، وإعادة تشكيل سلوك طهران الإقليمي.
ويفتح هذا التباين الباب أمام فخ التصعيد، إذ تبدأ الحرب بهدف محدود، ثم تتوسع تدريجياً بفعل ديناميات الصراع، بحيث تتطلَّب حرباً جوية وبحرية لفترة طويلة من الزمن، وربما تمتد لسنوات، ما يستلزم نشر قوات برية واحتلال أجزاء من إيران أو حتى السيطرة على كامل البلد، بحسب الدراسة.
"يفتح غموض الأهداف الباب أمام فخ التصعيد، إذ تبدأ الحرب بهدف محدود، ثم تتوسع تدريجيا بفعل ديناميات الصراع"
يحتاج هذا السيناريو موارد بشرية وعسكرية تفوق ما خصصته الولايات المتحدة لحربي العراق وأفغانستان مجتمعيْن، بالنظر إلى حجم إيران الجغرافي، فمساحتها تبلغ نحو 1.8 مليون كيلومتر مربع، وتعدادها السكاني يبلغ حاليا 93 مليون نسمةٍ. تلك المعطيات جعلت الباحث العسكري الأمريكي مايكل أوهانلون يشير في كتاب أصدره مركز الدراسات الدولية والاستراتيجية (CSIS)، إلى أن احتلال إيران يتطلب نحو مليون جندي أمريكي، كما أنه يُصعِّب وضع استراتيجية خروج من حرب ستتطلب في نهاية المطاف حلاً سياسياً.
تفترض الدراسة استخداماً كثيفاً للقوة الجوية الأمريكية، بما في ذلك القاذفات الشبحية والقنابل الخارقة للتحصينات، لاستهداف المنشآت النووية الإيرانية المدفونة في أعماق الأرض، إلى جانب تدمير أنظمة الدفاع الجوي ومراكز القيادة والتحكم، وجزء كبير من القواعد والمنشآت العسكرية الرئيسية التابعة للحرس الثوري والجيش. غير أن هذه القدرة الأمريكية، رغم تفوقها التقني، تظل مقيدة بعدة عوامل.
"يرى الباحث العسكري الأمريكي مايكل أوهانلون أن احتلال إيران يتطلب مشاركة نحو مليون جندي أمريكي"
أول هذه العوامل هو الجدل القائم حول قدرة الذخائر الأمريكية، مثل القنبلة الخارقة للتحصينات، على تدمير منشآت عميقة مثل فوردو بشكل كامل، حيث تشير التقديرات إلى أن الضربات قد تلحق أضراراً جسيمة بالمنشأة، لكنها لا تضمن القضاء النهائي عليها. أما العامل الثاني فيتعلق بطبيعة الأهداف نفسها، فنجاح الضربة الأولى لا ينهي العملية، بقدر ما يتطلب الحاجة إلى تقييم الأضرار وإعادة الاستهداف، خاصة إذا تبين أن بعض المنشآت قابلة لإعادة الاستخدام أو أن إيران نجحت في نقل جزء من قدراتها مسبقاً.
كذلك سيصبح الاعتماد على المعلومات الاستخبارية لتقييم نتائج الضربات أكثر تعقيداً في حال طردت إيران مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ما يقلل من القدرة على التحقُّق بدقة من حجم الضرر الفعلي. وهو استشراف حدث بالفعل، إذ استهدفت الولايات المتحدة المنشآت النووية الإيرانية عام 2025، وأعلنت على لسان الرئيس ترمب تدميرها بالكامل، ثم عادت مجدداً عام 2026 لشن حرب تحت لافتة "منع إيران من امتلاك سلاح نووي".
يُعد طبيعة ومستوى الرد الإيراني عنصرا جوهريا في تقييم جدوى العمل العسكري الأمريكي ضد طهران. وقد رجَّحت الدراسة أن إيران لن تكتفي برد محدود، وستلجأ إلى مزيج من الأدوات العسكرية مثل استخدام الصواريخ الباليستية لضرب إسرائيل، إضافة إلى استهداف المصالح الأمريكية في المنطقة.
توقعت الدراسة أيضا قيام ظهران بشن هجمات على البنية التحتية للبتروكيماويات في الخليج، واستخدام قدراتها البحرية مثل الألغام والزوارق السريعة والصواريخ المضادة للسفن لعرقلة الملاحة في مضيق هرمز، وصولاً لإغلاقه لأيام أو حتى أسابيع، ما سيؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية، وارتفاع حاد في أسعار النفط. وهو تخوف حدث بالفعل، حيث ارتفع سعر برميل النفط من 60 دولاراً قبل الحرب ليتجاوز 100 دولارٍ.
"كل رد إيراني سيستدعي ردا أمريكيا أو إسرائيليا، والذي بدوره قد يدفع إيران إلى تصعيد إضافي، في حلقة يصعب التحكم فيها"
إلى جانب ذلك، حذَّرت الدراسة من تفعيل إيران لشبكاتها الإقليمية، مثل حزب الله والجماعات المسلحة في العراق، لتنفيذ هجمات صاروخية أو عمليات غير تقليدية، وتمديد نطاق الصراع جغرافياً، وزيادة تعقيد البيئة العملياتية، ضمن إستراتيجية تهدف لتحويل الصراع إلى حرب استنزاف متعددة الجبهات. كما أشارت الدراسة إلى أن أخطر ما في العمل العسكري ضد إيران هو ديناميات التصعيد التي قد يُطلقها. فكل رد إيراني سيستدعي ردا أمريكيا أو إسرائيليا، والذي بدوره قد يدفع إيران إلى تصعيد إضافي، في حلقة متتالية يصعب التحكم فيها.
وتزداد خطورة هذه الديناميات في ظل "ضباب الحرب" وارتفاع مستويات انعدام الثقة، ما يرفع من احتمالات سوء التقدير أو سوء الفهم السياسي أو سوء التقدير العسكري. وقد يؤدي ذلك إلى اتخاذ قرارات تصعيدية لم تكن ضمن الحسابات الأولية لأي من الطرفين، فما يعتبره أحدهما رداً مبرراً قد يُنظَر إليه من الطرف الآخر على أنه تصعيد وانتهاك للخطوط الحمراء، ما يفتح الباب أمام تحول الحرب المحدودة إلى حرب إقليمية.
وقد خلصت الدراسة إلى أن العمل العسكري قد يؤدي إلى نتائج عكسية حيث سيدفع إيران إلى تسريع برنامجها النووي بدلاً من إبطائه. فالهجوم الأمريكي سيعزز قناعة القيادة الإيرانية بأن تغيير النظام هو الهدف الحقيقي للحرب، ما يدفعها إلى اعتبار السلاح النووي وسيلة ردع ضرورية للحماية من الهجمات المستقبلية.
"خلصت الدراسة إلى أن العمل العسكري قد يؤدي إلى نتائج عكسية حيث سيدفع إيران إلى تسريع برنامجها النووي بدلاً من إبطائه"
كما قد تنسحب إيران من معاهدة عدم الانتشار النووي، وتنهي التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ومن ثمَّ تقِل قدرة المجتمع الدولي على مراقبة برنامجها النووي، ويزيد من الغموض المحيط به بسبب نقص المعلومات. وبالفعل بعد هجمات 2025 علقت إيران زيارات مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية للمواقع النووية التي تعرضت لضربات، ما أثار تكهنات حول مدى الضرر الذي لحق بها.
على المستوى الدولي، يبرز احتمال تآكل نظام العقوبات، خاصة في حال تنفيذ الهجوم الأمريكي دون تفويض أممي، فقد تتراجع بعض الدول عن دعمها للسياسات الأمريكية. كما أن ارتفاع أسعار النفط بشكل حاد، واضطراب أسواق الطاقة العالمية، يُضيفان بعداً اقتصادياً للأزمة يمس بالأمن الدولي والإقليمي، فضلاً عن إلحاق الضرر بسمعة الولايات المتحدة، وزيادة مصداقية الجهات المعادية لأمريكا.
تكشف تصريحات جون كيري وبانيتا وغيتس، عند النظر لها ضمن التقديرات الواردة في الدراسة، عن مفارقة في السلوك الأمريكي تجاه إيران: فبينما ظل خيار الحرب حاضرا نظرياً على الطاولة لعقود، امتنعت الإدارات المتعاقبة عن تفعيله عمليا لإدراكها حدود هذا الخيار، والحذر مما سيسفر عنه. فأي عمل عسكري دون الغزو البري، لن يحقق الهدف المعلن بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي.
وأقصى المأمول من الضربة تأخير القدرات الإيرانية عدة سنوات، مع بقاء إمكانية إعادة البناء قائمة، ما يطرح سؤالاً حول مدى استعداد واشنطن لتكرار الضربات كلما أعادت إيران بناء برنامجها، وهو ما حذر منه الرئيس ترمب قائلاً إنه لا يريد العودة لشن حرب كل 5 سنوات على إيران، ما يعني أن الخيار البديل هو أن تتجه واشنطن لتوسيع نطاق الحرب عبر تنفيذ عمليات برية لإسقاط النظام بالكامل.
"بينما ظل خيار الحرب ضد إيران حاضرا نظريا على الطاولة لعقود، امتنعت الإدارات المتعاقبة عن تفعيله عمليا لإدراكها حدود هذا الخيار"
في هذا الإطار، تُجسِّد تحذيرات ماتيس، التي نقلها بومبيو، منطقا راسخا داخل وزارة الحرب، مفاده أن شن حرب على إيران يعني الدخول في مسار تصعيدي تملك طهران أدوات مؤثرة فيه، سواء عبر قدراتها الصاروخية أو موقعها الجغرافي أو شبكاتها الإقليمية. وفي المقابل، يُمثِّل موقف بومبيو تصوُّرا مغايرا، يفترض قدرة الولايات المتحدة على التحكم في سلم التصعيد استناداً إلى تفوقها العسكري والاقتصادي. غير أن هذا التصور يصطدم بحقيقة أن ديناميات الحرب، بمجرد انطلاقها، لا تخضع لإرادة طرف واحد، وأن تفاعل الضربات والردود يولد مسارا تصعيديا قد يتجاوز الحسابات الأولية، خاصة في بيئة تتسم بارتفاع مستويات عدم اليقين وانعدام الثقة.
من هنا يمكن فهم سبب تردد الإدارات الأمريكية المتتالية تجاه شن عملية عسكرية على إيران، خصوصاً في ظل تقديرات تشير إلى أن الحرب قد تؤدي إلى نتائج عكسية، أبرزها تعزيز الدافع الإيراني نحو امتلاك سلاح نووي، وتآكل منظومة الرقابة الدولية، واضطراب علاقات واشنطن مع حلفائها في حال شن الحرب بشكل أحادي.
إن تحليلات حسابات فوائد الحرب وتكاليفها أدَّت طوال عقود إلى تراجع الإغراء باستخدام القوة، لصالح إدراك أكثر تعقيدا لطبيعة الصراع، ما جعل الحرب على إيران، رغم حضورها الدائم في الخطاب الأمريكي، خيارا مؤجلا، إلى أن عاد ترمب للبيت الأبيض، وقرر شنها دون النظر لتحفظات من سبقوه، بل ومع تعجُّبه من أسباب عدم إقدام أسلافه على شنِّها طوال نحو نصف قرن.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة
مصدر الصورة
مصدر الصورة