في تطور لافت داخل دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، فجّرت رسالة وقّعها عشرات النواب الديمقراطيين جدلا واسعا بشأن البرنامج النووي الإسرائيلي، في خطوة غير مسبوقة تكسر صمتا سياسيا استمر لعقود.
وبحسب ما أوردته صحيفة "واشنطن بوست"، فقد دعا النواب الإدارة الأمريكية إلى الاعتراف العلني بامتلاك إسرائيل أسلحة نووية، محذرين من أن استمرار سياسة "الغموض" لم يعد قابلا للاستمرار في ظل الحرب الجارية مع إيران، وما يرافقها من مخاطر تصعيد غير محسوبة.
وتأتي هذه الرسالة في سياق تحولات أعمق داخل الحزب الديمقراطي، حيث يتزايد الضغط لمراجعة العلاقة مع إسرائيل، خاصة مع تصاعد الانتقادات لسلوكها العسكري في المنطقة، وتنامي المخاوف من انزلاق الصراع إلى مستويات أكثر خطورة.
وقاد النائب "خواكين كاسترو" هذه المبادرة، مؤكدا أن الوقت قد حان لإنهاء عقود من الصمت الرسمي بشأن القدرات النووية الإسرائيلية.
واعتبر كاسترو أن الغموض لم يعد مبررا في ظل انخراط الولايات المتحدة في صراع مباشر إلى جانب إسرائيل ضد إيران، مشددا على أن الجنود الأمريكيين والشعب يستحقون معرفة طبيعة المخاطر التي قد يواجهونها.
وفي الاتجاه نفسه، شددت النائبة "سارة جاكوبس" على أن ناخبيها يشاركون فعليا في الحرب، وبالتالي من حقهم الاطلاع الكامل على التهديدات النووية المحتملة.
أما النائبة "براميلا جايابال"، فرأت أن الكشف عن هذه المعلومات ضرورة ملحة لتقليل احتمالات وقوع كارثة نووية، معتبرة أن الشفافية باتت جزءا من متطلبات الأمن القومي.
وتعكس هذه التصريحات توجها متصاعدا داخل الحزب الديمقراطي نحو فرض معايير أكثر صرامة في التعامل مع ملف الانتشار النووي، بما في ذلك إخضاع إسرائيل للمعايير نفسها التي تطبق على دول أخرى في المنطقة.
لا تقف أهمية الرسالة عند مضمونها، بل تتجاوز ذلك إلى كونها مؤشرا على تحول سياسي أوسع. فطرح هذا الملف علنا داخل الكونغرس كان يعد في السابق من المحظورات السياسية، نظرا لحساسيته وتعقيداته الاستراتيجية.
غير أن تصاعد الحرب مع إيران، وما رافقها من مخاوف من سوء التقدير أو الانزلاق نحو مواجهة أوسع، دفع عددا متزايدا من النواب إلى المطالبة بإعادة النظر في سياسة الصمت.
ويعكس هذا التحول أيضا تزايد حالة التململ داخل القاعدة الديمقراطية، التي باتت أكثر انتقادا للسياسات الإسرائيلية، وأقل تقبلا للمعايير المزدوجة في ملفات مثل حقوق الإنسان والانتشار النووي.
في تغطيته للرسالة، أشار الصحفي "جون هدسون" إلى أن هذه الخطوة قد تمثل نهاية لسياسة أمريكية استمرت منذ ستينيات القرن الماضي، حين تم التوصل إلى تفاهم غير معلن يسمح لإسرائيل بالحفاظ على "الغموض النووي" مقابل عدم إجراء تجارب أو إعلان رسمي.
ويرى خبراء أن هذا التغيير المحتمل يضع الإدارة الأمريكية أمام معادلة معقدة، بين الحفاظ على التوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وبين الاستجابة لمطالب الشفافية المتزايدة داخل الكونغرس.
وفي سياق متصل، اعتبر الباحث "براهم تشيلاني" أن الرسالة تكشف عن تناقض في السياسة الأمريكية، إذ تدعم واشنطن إسرائيل في الحفاظ على ترسانة نووية غير معلنة، بينما تخوض صراعا مع إيران تحت شعار منع الانتشار النووي، وهو ما يعزز الاتهامات بازدواجية المعايير.
وفي هذا السياق، رأت الصحفية "سمر جراح" أن ما يحدث يمثل تحولا كبيرا في الخطاب السياسي، إذ باتت قضايا كانت تعتبر محرمة قبل سنوات تُطرح اليوم بشكل علني داخل الكونغرس، في مؤشر على تغير المزاج العام تجاه إسرائيل.
كما أظهرت التفاعلات أن جزءا من الجمهور بات ينظر إلى هذه الرسالة كاختبار لمصداقية السياسة الأمريكية في ملف منع الانتشار النووي، خاصة في ظل المقارنات المتزايدة بين التعامل مع إسرائيل ودول أخرى في المنطقة.
تكشف الرسالة الديمقراطية وما أثارته من ردود فعل عن لحظة مفصلية في التعاطي الأمريكي مع الملف النووي الإسرائيلي.
فبين ضغوط الشفافية ومقتضيات السياسة الواقعية، تبدو واشنطن أمام اختبار معقد قد يعيد رسم ملامح سياستها في الشرق الأوسط، في وقت تتزايد فيه احتمالات التصعيد وتتعاظم المخاوف من انزلاق الصراع إلى مستويات غير مسبوقة.
المصدر:
الجزيرة
مصدر الصورة